الخميس، 30 أكتوبر، 2014

سميتي قصة قصيرة




سميتي

قصة قصيرة

 

 

المرقاب 1970

 

               هوت الصفعة على وجنة زميلتي كأنها انزلاق نصل مقصلة وتردد صداها بين جوانحي بينما غرق الفصل كله في صمت مطبق واحتبست انفاسنا . رأيت خد زميلتي الذي يواليني أحمر كالشمندر . وتعبّرت زميلتي قليلا وارتجف انفها الصغير لكنها لم تبك لانها كانت أشد ذعرا من أن تسمح لنفسها بذلك. طوحت المعلمة مرارا بالدفتر أمام عينيها المنكستين ولم أملك ألا ألاحظ البقعة التي أحدثتها البارحة على تجليدة الدفتر البني عندما كنت أتناوله ويدي ملوثة بمحبرة أختي . كان الدفتر بلا أدنى شك دفتري ! وكنت من يجب أن يتلقى تلك الصفعة العنيفة !

 استأنفت المعلمة عويلها وعواءها في وجه زميلتي فاطمة وصاحت : أهذه اجابة ؟ بعد شرح الامس يا جحشة ؟ أهذا دفتر أم خرقة وسخة ؟ وقذفت الدفتر في وجهها فأمسكت فاطمة به بين يديها وانتبهت حينئذ الى أن الدفتر لم يكن يخصها !

عندها خرج صوتها مضعضعا : ابله .. مو دفتري !

 التفت اليها المعلمة بسؤال زاعق :  بالله ! يا مخلوقة ! اسمك على الدفتر ! أنتِ فاطمة محمد  ؟

وقالت : لا .. اسمي فاطمة علي

ومن هي.. بلا صغرى .. فاطمة محمد  ؟

وتعالت أصوات التلميذات واختلطت وامتدت نحوي في اللحظة ذاتها اكثر من عشرين يدا ترفع نحوي سبابتها كالحراب الصقيلة وحوصرت من الناحيتين . بمجرد أن لمست المعلمة كتف فاطمة المظلومة المسكينة براحتها هامسة ( يا حبيبتي ! ) انفجرت فاطمة باكية وتهاطلت دموعها بلا توقف.  انصرفت المعلمة بكل اهتمامها الى مواساة فاطمة الأخرى وترضيها . والتف الجميع حول فاطمة الأخرى في سائر الوقت وحضرت الوكيلة والسكرتيرة بعد حين وبدا أنهم قد نسوا أمري ونجوت من العقاب حتى فاطمة نفسها لم تؤاخذني فيما بعد ! ولا يجدر بها ان تفعل نظرا لانها حصدت بسببي كل ذلك الاهتمام وقد خصتها المعلمة بالتدليل والمحاباة حتى نهاية الأسبوع .

تعلم فاطمة الاخرى بأنه ليس لي يد في تشابه اسمينا كما انني لم أتعمد ان اخطىء في حل المسألة الرياضية أو في توسيخ دفتري . ليس لي ذنب في انني كنت على ما أنا عليه . كل ذلك واضح وجلي لأي عاقل ، ويسهل استيعابه ، لذلك يفهمه الصغار أكثر مما يفعل الكبار وقد تجاوزنا تلك الازمة العابرة وصرنا صديقتين أنا وفاطمة الأخرى .


الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

المكالمة - قصة قصيرة




المكالمة

قصة قصيرة

 

 


ليست دفعة عام 1985 الجامعية ، دفعة مميزة عن سواها ، على أي صورة من الصور ! كن خريجات السنة ذاتها ، تسكعن لأربع سنوات ، في حوش مدرسة كان يطلق عليها اسم الجامعة منذ عام 1973  . وكانت – حينذاك- مبنى تقليديا مناظرا لاغلب المدارس العامة ، تشبه بالضبط المدرسة الثانوية التي غادرنها ، وكان ثمة مبنى ملحقاً بها ، وعدد من البورت كابن .

لا شيىء أبدا يميز تلك الدفعة ! لا شيىء اطلاقا ! كن يعشن الظروف ذاتها التي عاشها  الناس كلهم ، من حولهن  . وقد مر - منذئذ - عمر كامل ؛ ثلاثون سنة ونيف فماذا حدث أثناءها ؟ في الحقيقة وقعت انقلابات في الحياة .. ولكن فيما يخص حياتهن ! لم يحدث الكثير .

انقطعت أسباب الاتصال بينها وبين أفراد تلك الدفعة لأكثر من ثلاثين سنة . لا تعرف ريم الكثير ..عن أكثرهن ! نما الى علمها بعض الامور العابرة ، عن طريق المصادفة لكنها لم تسع قط لتتصل باحداهن ! لم يكن ثمة دافع لذلك بالرغم من انها كانت تخوض غمار المنتديات والمواقع الالكترونية واستخدمت وسائل الاتصال الاجتماعي بصورة متحمسة أحيانا .

 

السبت، 25 أكتوبر، 2014

القبلة الأولى - قصة قصيرة



القبلة الأولى

 

 

دخان 1980

كان البيت يتمطى ناعسا مثلي ، شعرت بجدرانه الملساء تتمايل نحوي وتحتضنني . كان خاليا وساكنا ووحيدا . رويت شجيرات الورد المحمدي والفل والنرجس في باحة صغيرة خلف مطبخ بيتنا دون أن يخطر ببالي حينئذ أنه لم يكن (بيتنا ) بل بيت (الكمبني) التي سمحت لنا بالاستمرار في سكناه بعد وفاة والدي منذ عشر سنوات لان أمي صارت موظفة استقبال في مستوصف الشركة في هذه المنطقة النائية عن الدوحة .

لقد غادر الجميع المنزل وتركوني لوحدي دون أن يوقظوني . ذهبت أمي الى عملها في مناوبة مسائية وذهب أخوتي ليلعبوا كرة القدم مع رفاقهم في ملعب معشوشب قريب .

رائحة البيت وهو خال دافىء تذكرني بأبي ، وكذلك عوده على المنضدة وصوره المعلقة التي تتدلى من على الجدار .

لا يلبس ثوبا في أي منها بل يرتدي قميصا بنص كم وبنطالا أسود وجهه حليق وعيناه سوداوان  ويحتضن عوده وفي صورة أخرى يحتضنني وأنا في الرابعة وفي صورة ثالثة يتأمل شيئا من النافذة وكأنه لا يفطن أو يعي بأن ثمة من يلتقط صورته !

لقد شاخت أمي بعده بسرعة ! تغضنت وسمنت وتورم ردفاها وانتفخ وجهها ! يصعب علينا أن نتخيل أنها كانت تشبه اسمهان ! عيناها ذابلتان ولونهما مبهم وتدخن بشراهة وتكره أن تجامل الجيران او تكرر الزيارة أو تستقبل احدا بالرغم من انها حقا كريمة مع الغرباء ولطيفة المعشر الا انها تتاذى سريعا وتحنق من كلام الناس وتخشاهم . عندما تجمعنا حولنا وتحكي لنا عن ايام زمان تجعلنا نفطس من الضحك بسبب طريقتها الهزلية في السرد . لا يبدو أنها تعطي اعتبارا لأحد أو شيى في العالم ولم تكن تقتصد ولا توفر علينا شيئا من التفاصيل . اخبرتنا بكل شيىء تقريبا ! كيف التقت بابا ومواعيدهما الاولى وكيف كانت محط اعجاب الشباب ثم زواجهما برغم معارضة الاهل ؛ أهلها العرب وأهله المحليين . وأخبرتنا عن قسوة بابا أيضا واهماله ومرضه ..ثم موته .


الخميس، 23 أكتوبر، 2014

أنامل مهنا


 

أنامل مهنا

قصة

 

 

الدوحة  1970

 

               لم تقع عيني على جارتنا أم مرزوق منذ دخلت حوش بيتهم . سمعت صوت صياحها فقد نادت علي لما تعرفت الى صوتي . كنت في التاسعة من عمري وذلك يخولني كل الحق في دخول بيوت جيراننا بلا استئذان الا انني في بيت ام مرزوق قد قمت -خلافا لذلك-

بالصياح عاليا بصوت حاد ومنفعل قليلا : يا أهل البيت !  واظن بأنني صفقت أيضا بيدي  كما يفعل نسيبنا بو علي عندما يتخطى عتبة الباب الى حوشنا معلنا عن مجيئه  .  سمعت صوت ام مرزوق ضجرا ممطوطا يخاطب ابنتها الكبيرة روزة قالت لها آمرة : قومي .. دوري ماعون ام سيفوه !

وكنت أختلس النظر الى الحجرة التي يصدر منها الصوت ولم أتجاسر على الاقتراب كثيرا . لم أحب ابدا جارتنا ام مرزوق ؛ كانت تحدجني بنظرة فاحصة متفرسة ، ولا تني تستجوبني عن اخبار بيتنا ؛ هل اشتغل أخي ؟ ومن زارنا ؟ وهل خطبت اختي ؟ وما غداؤنا ؟  كانت باختصار امرأة صفراء مكبودة عيّابة صيّاحة وكان زوجها أصغر حجما منها لذلك كنت أتخيل بانها تضربه عندما تنتابها نوبات الغضب ! تلك النوبات التي تجعل صياحها يبلغ مسامعنا نحن الذين كنا لها عاشر جار ، بيننا وبينهم زقاقان احدهما ممتد افقيا والاخر يقطعه عموديا .

ظهرت ابنتها روزة مشوشة الشعر لم تمتشط بعد برغم أننا كنا في ضحى الجمعة ناولتني الماعون وحاولت الا أرفع وجهي اليها لانني لا املك الا احدق في وجهها وتسقط نظرتي عنوة على الشعيرات الطويلة المتناثرة في ذقنها وكان ذلك يخجلني أكثر مما يحنقها ولسوف تلكزني أو تطوح بالماعون في وجهي .

كنت قد وليت مدبرة عندما سمعتها تقول بآلية تلك العبارة المعهودة : سلمي على امك ، لكنني لويت عنقي قبل أن أبلغ بابهم الخشبي المقشر كسائر أبواب بيوتنا ورأيتها تقفي عائدة الى الحجرة الوسطى وكان لابد لي حينئذ ان اطلق تنهيدة ، تنهيدة ممزوجة بالوجل ،  قبل أن افتح (فرخة) الباب الصغيرة وأشير لمهنا ابن جيراننا بالدخول خلسة .