الأحد، 30 نوفمبر، 2014

قصة قصيرة بعنوان ( منتهى السعادة )





منتهى السعادة

قصة قصيرة

 

 

ستوكهولم بعيدة ووادعة ، ستوكهولم محايدة وهادئة ، وحازم يقف الآن أمامها ، وجها لوجه ، لأول مرة . في الخمسين من عمره الا انه بدا أصغر سنا . أصغر مما ظهر عليه من خلال  الشاشة عبر (السكايب) ولكن ذلك كله بدأ منذ حوالي سنتين  . تراه الآن فارعا ضخما يميل جسده الى الامتلاء والاستدارة مفعما بالحيوية ومشربا بالحمرة  .عيناه ناعستان او بالاحرى مسحوبتان الى أعلى مما يعطيه سمة شرود خفيفة . حليق الوجه ، أنفه عادي لكن فمه لطيف ، تساقط شعره في مقدمة رأسه فبدت جبهته أعرض . يبدو أنه قص شعره حديثا ومشطه ودهنه بينما تلوت خصلات شعره الاشورية حول أذنه الى رقبته . كان حريصا على حسن هندامه يرتدي قميصا بحريا وسترة رمادية وبنطال جينز وحول عنقه وشاح رفيع الذوق. كان ابتهاجه سافرا وربما أخفى وراءه بعض التوتر والاستثارة .

 

كلما أمعن النظر الى وجه ( هدفة ) طرفت عيناه وأخذ يشد بيده اليمنى شحمة أذنه . التقيا منذ ساعة على قارعة الطريق بقرب الفندق الذي نزلت فيه مع ابن أخيها . ترك لها مطلق الحرية في اختيار موضوع الحديث واختيار الاماكن التي اقترح أن يرتاداها معا . لم يوجه اليها أي ملاحظة حول ملابسها او سلوكها العام . لم تبدر منه حساسية لاصطحابها والظهور معها برغم انها بدت شاذة قليلا وسط محيطه بتنورتها الطويلة وشيلتها القاتمة حول رأسها  . لم تثر حنقه عندما طلبت منه بحزم الا يقدمها لاحد من معارفه إن صادفا أحدهم ، كما نبهته الا يدخن لانها لا تريد ان تعلق رائحة الدخان بثيابها عندما تعود الى الفندق . لم ينسب مسلكها الى التعالي عندما علقّت عرضاً بأن الناس في بلدها سيعتبرون علاقته بها بدافع المصلحة ولم يقل لها بدوره بأن اصدقاءه قد يصفونه بالمجازف لأنه يقدم على اختراق مجتمع صحراوي هرب منه قبل ثلاثين سنة مضت .

 

قصة ( ديستوبيا )




 

قصة    ديستوبيا

 

-1-

         كان يتفق لهما أن تتوها أثناء سيرهما الاعتباطي في شوارع لندن، تخدعهما نسائم اغسطس الخفيفة . تفتنان كلية بالسماء الباهتة والبيوت الآجرية ذات الاحجار المتصالبة والطرقات المنحدرة والاشجار العتيقة. وثمة روائح مختلطة تتسلل بنعومة الى انفيهما ، يقتحمهما الاخضرار ، اخضرار النباتات المتسلقة والاعشاب والحشائش الناتئة بين الشقوق والانحناءات والطرق المنزلقة الملتوية وعلى عتبات الدور، معظمها سرخسيات وطحالب ثم تقتم السماء على حين غرة وتلفحهما رياح تطوح بأرديتهما ويهمي المطر غزيرا فتركضان فزعتان من البلل ، تلتمسان سيارة أجرة ، يغمرهما شعور بأنهما طفلتان ..مجرد طفلتين .

 

السبت، 22 نوفمبر، 2014

قصة قصيرة ( بدرية )



قصة قصيرة

بدرية

 

 

-1-

 ينتظرها ! دائما ينتظرها ! دائما هو متأهب وعلى انتظار  !

يشعر وهو ينتظرها بأن العالم كله يزول ويبقى وحده تماما  !

لاشيىء له أهمية فضلا عن أن يكون موجودا في غير حضورها !

الوقت يقلقه لأن الوقت ينقضي في الانتظار ! الوقت يحجز بينه وبينها ومع ذلك فإن حضورها هو الشيىء الأكثر شراسة وتهديدا لسعادته وما سعادته ؟ انها في نهاية المطاف ليست سوى انتظار !

 ينتظرها ! ويعلم بأنها ليست له !

لم تتأخر كثيرا لكنه كان بانتظارها طوال الوقت !

هاتفته وتواعدا في مكان معين . توقفت سيارة جاغوار رياضية صغيرة بلون التفاح الاخضر وراء سيارته . رمش مصباحها ثلاثا . أمعن النظر في مرآته الامامية ورآها تشير اليه بيدها . أطفا محرك سيارته وترجل وركب معها .

-      أين سيارتك ؟

-      هذي سيارتي الليلة ! استعرتها للرحلة . السيارات الفارهة لا تتعرض للمتاعب . سترافقني ؟

-      طبعا

كان سيرافقها بالطبع وكان متهيئا لذلك ، وقد ارتدى قميصا بنص كم وشورتا طويلا وحمل شنطة صغيرة فيها لوازمه: منشفة وملابس سباحة وغيار وعطر ومشط  . كان قد سألها : ماذا أحضر معي ؟  فردت : أحضر نفسك. غاص في مقعده بجانبها . كان يعتمر غطاء رأس (كاب) أماله قليلا وخبأ نصف وجهه تحت مقدمته . التفت نحوه مرتين لكنها لم تعلق على هيئته ومسلكه . استعاد رباطة جأشه عندما سلكا الطريق السريع الى سيلين . كان المساء مظلما ودبقا بسبب الرطوبة لكنها كانت أمسية ناعسة ولطيفة. قادت بدرية السيارة بسرعة زائدة متخطية معظم العربات وكان أكثرها شاحنات ومركبات ضخمة . اختلس اليها النظر. كانت هادئة وطيبة المزاج . وكان ينظر اليها وكأنها بمثابة معجزة تمثلت أمام ناظريه . وادعة ساكنة فاترة ! تجلس بجانبه وتتلهى بالقيادة ثم تنظر إليه بابتسامة عذبة حلوة ، ابتسامة في العينين ، ابتسامة تختلج في زاوية الشفة ! ومع ذلك فهي ابتسامة مطبوعة بلا معنى .



الجمعة، 14 نوفمبر، 2014

عاطفة - قصة قصيرة



عاطفة

قصة قصيرة

 

 

         منذ وطئت قدماها البيت اقشعر منها بدن السيدة . تلك هي بادا ؛ الخادمة الجديدة . باتت السيدة تمقتها ولم تعدم سببا من الأسباب . فقد كرهت فيها ، كل ما فيها ، وراحت فورا تبحث كل الخيارات المتاحة للتخلص منها . تلك الخادمة ، كانت مثل كل الخادمات ،  مخيبة للامال . خادمة " بليدة " و " فاهية " و تبدو الى حد ما كالمصابة بنوع من التوحد !

في كل محادثة هاتفية تجريها ريم تأتي على ذكرها ، تقول: ( خادمتي علة ) وتعدد ما فعلته وما كان يجدر بها فعله وتعرضها للمبادلة ( خذوها ) و لم يأخذها أحد على محمل الجد . وكان ذلك بحد ذاته موجعا ؛ ألا تؤخذ بجدية ! نصحتها صديقتها الوحيدة قائلة ( كفي عن ترديد ذلك واحتفظي بها.. الخادمات يتغيرن مع الوقت ) اخبرتها بذلك لانها أشفقت ان تقول لها مباشرة بانها تتصرف بنزق وقلة عقل ، وانها تعلم بأن نقيقها لن يتوقف برحيل الخادمة بل سيزيد عندما تخسر خادمتها بدون أن يتوفر لها بديل آخر . وصديقتها الوحيدة تلك ، تعلم دون أن يتعين عليها أن تذكّر ريم بذلك أو حتى تلمح لها ، بأن ريم انما تعاني في تلك الفترة من ارتباكات عديدة ، شأنها شأن أي امراة طلقت حديثا .

 باتت ريم منذ تصعيد الموقف بينها وبين طليقها في وضع المنتشية بوعود المرحلة الجديدة. لم تخطط لما ستفعله لكنها بالتأكيد كانت تشعر بابتهاج وتخفف وكادت أن تحتفل بنجاحها حتى قبل ان تحصل على ورقة طلاقها .

لقد قدمت مبكرا طلبا الى الجهة المعنية لاستخراج رخصة قيادة سيارة. وكان الامر يستوجب تقديم كتاب موافقة من ولي الامر وكانت حينئذ لم تزل على ذمة زوجها لكنها لم تتردد للحظة ان تعد - خفية - خطابا باسمه وذيلته بتوقيعه مزورا لانها كانت تعلم بأنه قريبا سوف يسلب منها السائق والخادمة لان كليهما  قد استجلبا بكفالته ؛ اذ لا يحق للمرأة المتزوجة ان تستقدم عمالا على كفالتها الشخصية . تشعر الان بانها أصبحت شخصا عندما صارت مطلقة !

لا احد من حولها ينظر الى الامر على تلك الصورة ! ينظرون اليها بشفقة وتعاطف ، حتى صديقتها تتوقع منها ان تنهار عما قريب ! بعد فترة !  بعد اضمحلال تلك البهجة المؤقتة لكنها هنا والان ، لم تزل في ابتهاج فائق .

ريم مثل أمها تقريبا ! وأمها مثل جدتها تقريبا ! وجدتها هي كل امرأة ، حبيسة القمقم ؛ وذلك القمقم هو جسدها ، وجسدها هو الذي يحدد كينونتها وطبيعتها وحركتها.. وحظوظها . لم تدخر المدنية جهدا ، في كل ما مضى من قرون ، ان توثق رباط الانثى و تقمعها بأشد و أسوأ مما كان في وسع  الطبيعة ذاتها ان تفعل .

قالت لها أمها : لا تصبح البنت سيدة حتى تتمكن من الحصول على الأمنيات الثلاث : زوج وعيال وعمر مديد ( أي بلوغ الشيب ) . 

لم تقل لها أمها بأن المرأة حينئذ تكون قد اجتازت أهم مراحل تحولات جسدها وخصوبته ، لأنها تتحول بمرور الزمن الى ترويض ذاكرتها وتتحول هي ذاتها الى أشد الرقباء الموكل اليهم حراسة  التقاليد والمواريث وتمريرها عبر الاجيال .
 

السبت، 8 نوفمبر، 2014

المثقف والبهلول - قصة قصيرة

 
 
 
 
 

المثقف و البهلول

قصة قصيرة

 

التقيا في بهو أحد القصور .

 كم مرة  أدخلوا المُضحك قبله !

كم من مناسبة أرجأوا دخوله وجعلوه ينتظر بينما يرى المضحك رأي العين يمرق متهاديا بلا ابطاء مخفورا بالخدم الى الداخل! الى حيث ينتظره القوم جلوسا على جمر !

 كلما مر المُضحك على المنتظرين في قاعات الانتظار المتتالية ، نظروا اليه بتوقع وتشوف ، لعله يقول شيئا او يقوم بحركة(على الماشي ) تضحكهم ويروونها عنه في حساباتهم في وسائل الاتصال الاجتماعي الا انهم لا يجرؤون ابدا على عرقلته لانهم كانوا متيقنين بان ثمة من هو اهم منهم في انتظار نوادره وقفشاته

في تلك المرة أيضا يلمحه وهو جالس على آرائك البهو الفسيح ينتظر مع عدد من الناس ، يراه يمر من الرواق المحاذي ، وقد سمع صوته الجهوري قبل ان يتراءى له مقبلا من باب مختلف عن الذي أدخلوا منه !

يعود المضحك أدراجه ويطل في البهو ، عيناه البقريتان المستديرتان تحملقان بلا هدف ، ثم يقبل على المثقف منشرحا متورد الخدين ويحييه المثقف ويتلطف معه لانه يعلم مكانه عند أهل المكان . المُضحك رجل خفيف الطينة مهما ثقل وزنه بالكيلوغرامات وتقطعت أنفاسه من المسافة القصيرة التي قطعها منذ ترجل من سيارته المهداة اليه ، الى مدخل القصر المنيف ، انه شخص يغمرك بالترقب. يقبل التلقين بأريحية بيد أن لديه ملكات ومواهب فطرية ، يفطن الى حدودها ويحسن توظيفها .

قد يزدري المثقف المُضحك ولكنه يحسده ولكن كيف يشعر المضحك ازاء المثقف ؟ انه لا يعتني كثيرا بأمره  . هما الآن يتحدثان بود . يبدو المضحك كما هو دائما ؛ مستعدا لاضحاك من يقابله لان ذلك هو كل ما هو متوقع منه بينما لا يتنازل المثقف بالضحك لان المثقف يجب ان يظل متفوقا على الاضحاك السهل وينبغي أن يقاومه. بيد أن المثقف قادر على كتابة المراثي بالطبع ! بل ان مرثية المضحك غالبا جاهزة في درج مكتبه لأنه قد تأهب أن يرثيه دائما كما يرثي معظم الاشخاص والاشياء . وربما قام بكتابة الاسطر الاولى وتخير العنوان ايضا . لابد وانه تخير عنوانا موحيا آسرا  مثل ( الوطن يدفن ابتسامته ) ذلك أن المُضحك قد سلب المثقف الوطن ؛ الوطن الذي يمنحه او يمنعه الكبار عمن يشاؤون .