الأحد، 30 نوفمبر، 2014

قصة قصيرة بعنوان ( منتهى السعادة )





منتهى السعادة

قصة قصيرة

 

 

ستوكهولم بعيدة ووادعة ، ستوكهولم محايدة وهادئة ، وحازم يقف الآن أمامها ، وجها لوجه ، لأول مرة . في الخمسين من عمره الا انه بدا أصغر سنا . أصغر مما ظهر عليه من خلال  الشاشة عبر (السكايب) ولكن ذلك كله بدأ منذ حوالي سنتين  . تراه الآن فارعا ضخما يميل جسده الى الامتلاء والاستدارة مفعما بالحيوية ومشربا بالحمرة  .عيناه ناعستان او بالاحرى مسحوبتان الى أعلى مما يعطيه سمة شرود خفيفة . حليق الوجه ، أنفه عادي لكن فمه لطيف ، تساقط شعره في مقدمة رأسه فبدت جبهته أعرض . يبدو أنه قص شعره حديثا ومشطه ودهنه بينما تلوت خصلات شعره الاشورية حول أذنه الى رقبته . كان حريصا على حسن هندامه يرتدي قميصا بحريا وسترة رمادية وبنطال جينز وحول عنقه وشاح رفيع الذوق. كان ابتهاجه سافرا وربما أخفى وراءه بعض التوتر والاستثارة .

 

كلما أمعن النظر الى وجه ( هدفة ) طرفت عيناه وأخذ يشد بيده اليمنى شحمة أذنه . التقيا منذ ساعة على قارعة الطريق بقرب الفندق الذي نزلت فيه مع ابن أخيها . ترك لها مطلق الحرية في اختيار موضوع الحديث واختيار الاماكن التي اقترح أن يرتاداها معا . لم يوجه اليها أي ملاحظة حول ملابسها او سلوكها العام . لم تبدر منه حساسية لاصطحابها والظهور معها برغم انها بدت شاذة قليلا وسط محيطه بتنورتها الطويلة وشيلتها القاتمة حول رأسها  . لم تثر حنقه عندما طلبت منه بحزم الا يقدمها لاحد من معارفه إن صادفا أحدهم ، كما نبهته الا يدخن لانها لا تريد ان تعلق رائحة الدخان بثيابها عندما تعود الى الفندق . لم ينسب مسلكها الى التعالي عندما علقّت عرضاً بأن الناس في بلدها سيعتبرون علاقته بها بدافع المصلحة ولم يقل لها بدوره بأن اصدقاءه قد يصفونه بالمجازف لأنه يقدم على اختراق مجتمع صحراوي هرب منه قبل ثلاثين سنة مضت .

 


قبل أن يدلفا الى المركز الاسلامي في استوكهولم توقفت هدفة وصالبت ذراعيها. التفت اليه وسألته بلجاجة : ماذا يعجبك فيّ يا حازم ؟

قال لها بطريقة عاطفية : كل شي !

واجهته وقالت بتقطيبة جدية : انا .. اسالك بجد !

راحت غمازتا خديه تغوران وأطرق برأسه وكأنه قرر فعلا أن يفكر جديا ثم هز كتفيه باستسلام و قال : والله ما ادري ! أحب أن نكون سوا .. لازم نكون سوا ! والا .. ما رايك انتِ ؟ لماذا اخترتيني ؟

لم تجب عن سؤاله بل سألته بقلق :

-هو احنا تأخرنا ؟

ونظر في ساعته :

-لا . ما متأخرين .

قالت بابتسامة شاردة :

-بلى .. بلى متأخرين

وأخذت نفساً عميقا بينما عبّر وجهها عن راحة وعزم وتناولت يده وقالت :

- يللا ..ندخل !

 

  بعد توثيق عقد قرانهما على يد الموظف المخول بالامر ، في المركز الاسلامي ، وقع على العقد شخصان غريبان من رواد المركز وعانقتها سيدات فضوليات كن متواجدات بالمصادفة وتلفظن بعبارات غير مفهومة ولكن بنبرة ودودة .

سبقته الى الخارج . رشق وجهها الهواء الطري برذاذ ناعم . ولحقها حازم وهي تحث خطاها الى الشارع المقابل همس في اذنها بمرح : هاه ! كيف الحال ؟

توردت وهي تعبّ الهواء عباًّ بمنخريها :

-الموضوع كله.. يشبه القفزة .. !

تألق وجه حازم وهو يبسط ذراعيه :

- وانا بعد..دا احس اني اطير !
 
 



استقلا عبّارة نهرية  . كان هديرها الناعم المنتظم  يروّح عنها لانها الآن لا  تفكر بشيء محدد ! بل تشعر فقط ؛ تشعر بنفسها بقوة وبصورة غريبة وكأنها تطل على العالم وتشرف عليه وهو تحتها ! وحدثتها نفسها : لا بأس أن تحتضن ذلك الفرح  ! أليس كذلك ؟ لا بأس الا تخاف من الحياة  ! صحيح ؟

حاول حازم بدوره ان يقول شيئا ليخرجها من صمتها :

-شوفي هذا القصر الملكي هناك... وذاك المبنى الاحمر هو السيتي هول مبني من ثماني ملايين قرميدة .. وهناك الكاتدرائية ..

ونظرت الى حيث أشار ورأت مباني كبيرة عتيقة الطراز واجتاحها حزن هائل بلا سبب . ما أقسى الحياة لاسيما عندما تحلو وتصفو ! تغدو وكأنها شفرة حادة جارحة ! ودت لو استطاعت أن تقول له شيئا ! أي شيىء ! لم تعرف ماذا تقول ! انها تخشى انها تضخم من صورة الواقع لانها لا تملك ميزانا لقياس حجم الاشياء ! وأخوف ما تخافه أنها سوف تفشل وتخذل نفسها. لم يغادرها الخوف للحظة ! الخوف أن تنتهي سعادتها أو أن تنتزع منها !

 ولم تقل شيئا ولم ترفع رأسها ! الا ان ذلك لم يجلب عليها سخطه او شفقته . يبدو انه فهم ما ينتابها لانه لف ذراعه حول كتفها فمالت عليه وفاضت دموعها على رقبته وقميصه . كان داخلها معتما وفوضويا وقال لها بحنان : تدرين ؟ احس بأن كل واحد منا يعرف الآخر لكنه لا يعرف نفسه ! عجيب  أليس كذلك ؟

بينما هي تستعد للنزول من العبّارة ، مد يده بعفوية وعدل ثنية ياقة معطفها المقلوبة! لم يكن بوسع اي ملاطفة أخرى ان تترك فيها اثرا ابعد من تلك الايماءة المرهفة والتفت اليه في تلك اللحظة وبدت لها رأسه كبيرة ووجهه مشرقا وقالت له :

-أنا .. في منتهى السعادة.

 

 لقد أدخلوا في روعها بأنها غير طبيعية ، غير سوية ! بينما أشعرها حازم مجددا بأنها مميزة فحسب ! لن تتخلى عن ذلك الشعور، وسوف ترعى نفسها وسعادتها سوف تتخذ كل التدابير لكي تصمد وتنجو . هناك في تلك المدينة البعيدة يوجد كل شيىء .. الا السعادة . في تلك المدينة ، هناك ، يزدهر كل شيىء الا.. الامل والانسان  ! توجد أمم وأجناس ولغات وثقافات ولكن ليس بوسعها أن تتقاطع أو تتفاعل  انسانيا على أرضية التنازع والتزاحم  !

ماذا يعني هنا ، في هذا المكان ، اختيار امرأة ما ، لرجل ما ؟  بالكاد ينظر أحد الى الآخر ! ولا يعتني أحد بالالتفات لهذا الشأن أو سواه ! انه شأنها الخاص بينما هناك ينطوي اختيار امراة لرجل بعينه ، على معنى آخر مستقر في نتيجة مشوهة . سوف يستدير اليها أخوها الكبير ويصرخ فيها أمام الجميع : ما الذي بينك وبينه يا كلبة ؟

لقد توفي والداها ! لم يعودا حيين ! فلمَ ينبغي عليها أن تتسمر مصلوبة على لوح تأدية " واجبات " مزعومة باسم  الماضي المكتمل ! انه قول مريع الا ان وجود والديها سوف يملي عليها فروضا اقوى من ان تصدها ولذلك لم تجرؤ حتى أن تفكر بذلك .

 

  ركب الاثنان الترام . لم تزل أيديهما متشابكة  ثم نزلا في شارع (الاميرة) سارا جنبا الى جنب ، مشيا على الاقدام ، وتركا مجرى الناس يتجاوزهما . من يراهما يشعر بأنهما شخصان مرحان بنزق وبعض الغرابة . كائنان يشعران بخفتهما ويتفرجان على كل شيىء حولهما : بلاط الشوارع  ، النوافير  ، مظلات المحال المخططة ، المباني العتيقة، البوابات الدوارة ، القبب البعيدة ، الميناء ، النهر ، السماء . وكانا  يتحدثان باستغراق متناه ، وهما يسيران ، يلوكان أمورا تافهة لا تعني لهما شيئا ، وكأنهما يلهوان فحسب ، و امتزج صوته بلهاثها وأنفاسها قال لها:  تعبتِ ؟ وهزت رأسها بالنفي. قال لها : وصلنا .. تقريبا !

 بلغا ساحة تغطيها عربات بيع الخضار المصطفة وحولها أسراب من الناس . شقت هدفة طريقها نحو الخضار اللامعة المشرئبة وأخذ حازم يتأملها عن قرب وهي مندهشة من كمية الخضار ورونقها وترتيبها ، كانت كمن يتأمل لوحات فنية بديعة ونادته بعتاب : حازم !  تعال . ولما اقترب شدته من كمّه وهي تسأله أسئلة متدافعة:

 -هذا.. ما اسمه ؟ أي لون هذا ؟  أهو خضار أم  فاكهة ؟  يؤكل بقشوره ؟ بالله ؟ لكنه يابس ! كيف هو مذاقه ؟ أهو غالي الثمن  ؟

وحانت منها التفاتة نحو حازم الذي كان يرطن شيئا بالسويدية للبائع فسمعت البائع يردد متبّسما : شوكولا  !

وندت عن هدفة صرخة ظفر صغيرة : أها ! عرفت ! يقول لك طعمه شوكولاطة ؟ صحيح ؟

ومال حازم نحوها وقال : يقول الجنية التي معك .. بلون الشوكولا !

وأمنّ البائع هازا رأسه ، مشيرا نحوها بيده : شوكولا !

 

حملا معا الاكياس كزوجين عائدين الى البيت بعد نهاية الدوام ، وتوقفت هدفة عمدا أمام محل فضيات . راق لها أن تتأمل انعكاس وجهها وجسدها على الأسطح الفضية المتلألئة. ومن خلال صينية كبيرة مؤطرة بالعاج تفقدت هدفة زينتها . لم تنظر الى نفسها منذ خرجت هذا الصباح من الفندق . لم تتزين كما تتزين العرائس في كل مكان ! ولم يكن ثمة احتفال بعد عقد القران الا انها تحلم بالعرس الذي وعدها به حازم . سيقيم لها حفلا كبيرا عندما يتمكنان من ذلك . عندما نظرت الى انعكاس صورتها في مرآتها الفضية، كانت هناك امرأة مشرقة ؛ وجهها دائري بذقن صلبة مستدقة ، كحلها يؤطر عينيها ويرسمهما رسماً ، مما يجعلهما أكبر وأجمل ويحول الانتباه عن تغضنات خفيفة تحت الجفنين . جسدها الاربعيني نضيج صحيح ، متناه في اكتماله وبهائه ،  لم يزل معافى من الترهلات الزائدة ، لان عودها مثل عود أمها لم يقبل السمنة بيد أن حوضها كان عريضا كأي امرأة في عمرها .

  عاشت هدفة ترعى وتربي أبناء اخوتها وأخواتها حتى كادت عاطفتها الامومية أن تغيض ! لكن غريزتها الانثوية لن تتخلى عنها ! استطاعت أن تلمح نظرات حازم من ورائها استدارت وابتسمت له مبررة توقفها بخجل مصطنع  :  انا عندي نقطة ضعف .. في الفضيات !

كان ثمة حشد من الناس وكانوا يتحلقون حول شاشة كبيرة مسطحة وقالت هدفة : ما الخبر ؟ ماذا يفعلون ؟ اقتربا من الجمع وعلى الشاشة المرتفعة ، كان ثمة رجل يلبس خوذة ضخمة وملابس رواد الفضاء وتحت الصورة شريط متحرك وتقدم حازم متثبتا ثم قال بحماس  : قفزة فيلكس من الفضاء ! سيخترق حاجز الصوت  !

ران صمت تام وتعلقت الانظار بذلك الرجل ، ذلك الرجل الذي كان على وشك القيام بسقوط حر مظلي ! ووقف فيلكس على الحافة ! انه يهمّ بالقفز ! و.. وقفز فيلكس ! انطلقت سلسلة من الشهقات الحادة والعميقة وأغمضت هدفة عينيها وكأنما كانت هي من قفز توا ! أو كأن ذلك الحدث يخصها وحدها فقط ، ثم تعالى صفير متقطع وتصفيق وهتاف حار ولمس حازم كتفها برفق وفتحت عينيها وهي تتلفت حواليها وتنظر الى الناس الذين كانوا في غاية الانفعال والاستثارة لقد كانوا معنيين أيضا بالامر ! ربما كانوا يريدون مكانا مميزا للانسان في ذلك الاتساع اللانهائي للفضاءات المجهولة في كون بلا حدود ! ربما كانوا يتشبثون بسحر العالم ..الزائل !من يدري ما الذي يستشعره  اولئك الناس ويحتفلون به ! انهم يعيشون في عالم آخر بالنسبة لهدفة .

تدرك هدفة بأنها لكي تصبح امرأة كاملة ، يجب أن تعلن بأنها بلا احتياجات وأن تقبل أن يحتاجها الجميع ( على أن تظل بلا احتياجات ! ) ويجب أن تحرص على جسدها الذي يجعلها أولا وأخيرا امرأة ، بيد أنه من المفروغ منه أنه- مع ذلك - لا يخصها ابدا ولا تملك مصيره !

اذاً لا تحبي جسدك فهو ملك للآخرين وهو في رعايتك و حفظك فحسب .. من أجل الآخرين

المرأة عموما جسد . المرأة ليست سوى جسدها ولذلك لا تفقد المراة صلتها بالزمن ؛ بواقعها الآني ، لان الزمن مضفور في أحوال جسدها وتبدلاته ، تلاحظه المراة وتقرأه وتلمسه وتقيسه من خلال جريانه وايقاعه وتأثيره على جسدها .

لا يمكن للمرأة أن تنشغل عن جسدها للحظة اذ ان كل شيىء يتعلق بزمن جسدها ومع ذلك فهي لا تملك كليهما ؛ جسدها والزمن العابر عليه .

 تقوم بآلاف الاعمال وهي منقادة لجسدها الا انها خارج ذاتها : عندما ترتدي ملابسها وتضع زينتها تفعله للاخرين . وتقوم بالتسوق والارضاع والتفكير والتبرير والتدبير .

وحتى الاشياء الحميمة التي هي من صميم أوقاتها الشخصية لا تخصها وحدها !  كالنوم والاغتسال والاستحداد والتبرز والتجشؤ والدعك والفرك والنمص ! كل ذلك ، كله يستحضر وجود الآخرين المحتمل ! كل ذلك يقع تحت طائلة ضغوطهم وتهديدهم ورقابتهم  

حتى عندما تحب وتداعب وتقضم وتطبخ وتقود سيارة و تملأ ثلاجة وتذهب الى دوام تفكر بما يجره ذلك على الآخرين ، بما تؤثر رغباتها فيهم ، بما ينتظرها عندما تعود ، بما يتوقعه منها الاخرون .

 ليست وحيدة في جسدها !

جسدها ، الذي هو جسدها ،  يذكرها في كل لحظة من لحظات حياتها بحضور الاخرين وتوقعاتهم واكراهاتهم ! فرضت عليها طقوس الطهارة حتى انمحى جسدها فانمحت ذاتها

لا تقوم المرأة بوظائف متعددة  بل هي وظيفة واحدة هي أن تصير امرأة !  والباقي أمور لاحقة مترتبة على تلك الهوية !

يرقب العالم كله قفزة رجل !

هل يمكنها بقفزة واحدة ان تجتاز عتبة الظلال السوداء ؟

لا أحد يأبه لقفزاتها اليومية . تقفز كل يوم عشرات المرات ! وهي تقشر برتقالة وهي توضب حقيبة وتلقط حاجبا وتشطف مؤخرة وتعد قائمة وتتفقد الابواب وتمرّض طفلا وتعقد رباطا . وهي تحضن وتتحمل وتتظاهر وتساوم وتضحك وتكتم وتراوغ وتسكت وتهب وتخاف وتخفي وتعيش من خلال الآخرين لانها لا تملك الا ان تتظاهر بالعيش كذلك لانها جنس وليست شخصا بعينه .

منذ سنتين تعرفا الى بعضهما البعض . كان هو في ستوكهولم وكانت هي في الدوحة وكانا يناقشان عبر مراسلات رسمية الجانب الفني من صفقة محتملة بين حكومتها ، ممثلة في الادارة التي تعمل فيها ، وشركة سويدية تستخدم حازم مهندسا.

كان حازم يحدثها بألفة خالصة واستمرا في التواصل لشهور عديدة عبر السكايب . ارتبطت معه بعلاقة اعجاب متبادل ! لم يتبادلا سريعا اي تعبير او ايماءة واضحة . كانت تحسن التصرف أمامه بمعنى أنها كانت تسلك - لاشعوريا - مسلكا (لائقا ) في تصرفاتها ومواقفها واذا ثار نقاش بينهما تلمست موقفه وتحزبت لرأيه لكي ترضيه الا ان ذلك جعلها في النهاية متقلبة وضيقة الصدر واصبح يعتريها الغم وتتجنبه . كانت تخشى ان تخسره في كل الاحوال !

وسألته :

-من انت ؟

-انسان !

-من أين  ؟

-الان أنا سويدي من اصل عربي . منفصل عن زوجتي السويدية وعندي بنتان .. لا بل زهرتان

وكلمها عن شغفه بالموسيقى وحبه للالوان والتصوير وحدثها عن أصدقاء بعدد حبات الرمل  في كل مكان .

ارادت مؤخرا ان تاخذ بزمام الامر لانها شعرت بانها مشوشة وغير قادرة على احتمال وطأة التفكير في الامر وعواقبه ! العواقب والتبعات ! كان ذلك كل ما كانت تفكر فيه ولمدة طويلة وقالت لنفسها ( كوني واقعية .. كوني حذرة )

الا انها اعترفت لنفسها بان لها (احتياجات ) وأن لها ( رغبات ) وانها تريد أن تحيا كسائر البشر واحتاجت ان يهتم بها احد ! لابد أن تهتم بنفسها ولابد أن تقرر الان وتتعهد برعاية سعادتها وأن تدافع عنها .

 

 

كان حازم يسكن مجمعا سكنيا صغيرا في حي هادىء والشقق جميعا مصطفة ومتشابهة ببلكوناته المزهرة وامام المجمع مساحة صغيرة مطوقة ببنايات أخرى . عندما مضى الى المدخل تبعته وهي تتأمل بضعة لوحات على الجدران قال لها :

-هذي رسومات هاو مبتدىء ..صديقة نرويجية سأعرّفكِ عليها ..

صعدا عبر سلالم هادئة الاضاءة في حيز ضيق أفسح له حازم لتتقدم كان ينظر الى مواضع حذائها ذي الكعب العالي وقال لها مرة أو مرتين : انتبهي .

فتح الباب وافسح لها لتدخل الى شقته . كانت أضيق مما توقعته .أسرع الى خلع سترته وطواها على الصوفا الوحيدة ودخل المطبخ فورا حاملا معه الاكياس . رفع صوته وهو في الداخل : خذي راحتك.. استخدمي دورة المياه.. تجولي.. البيت بيتك حرفيا

شعرت بأنه تركها عمدا لتتفحص المكان وتعتاده وتتعرف عليه .ربما كان يدندن عمدا في المطبخ ليشعرها بالامان . انها تعرف الان مكانه ولن تفاجأ به يباغتها وهي تتفقد عالمه .

تخلصت أولا من حذائها ثم خلعت معطفها ورمت الوشاح على منضدة قريبة .أماطت شالها  وتناولت مشابك شعرها وحلّته طليقا كانت قد صبغت خصلات منه بلون أحمر دافىء كالغروب و طرحت حقيبتها جانبا .

 كانت شقته مرتبة اجمالا . لم تكن مثالية. ذوق هادىء عملي ومتقشف .. سمعته يناديها ويمط اسمها قليلا : هدفـــــا .. كيف تحبين السلطة  ؟

-اي شي من ايديك

-يا سلام !

-أساعدك ؟

-لا تقربي من المطبخ !

كان ثمة غرفة نوم صغيرة بها سرير مفرد متوسط الحجم ومنضدة وخزانة ملابس وهناك خزانة صغيرة خارج دورة المياه الصغيرة كان ثمة كلونيا وكريم حلاقة منشفة وصابونة وشفرات.

تهالكت على الاريكة متعبة منهكة ووضعت ذراعيها على عينيها حينما شعرت بان ساقيها ترفعان انتفضت لترى وجه حازم فوقها ممتقعا . قال لها بوجه طفل مذنب : أفزعتك هاه  ؟ وهزت رأسها نفياً . وضع تحت قدميها مخدة ، وجثا على ركبتيه في مواجهتها .

قالت وهي تشير الى الحوائط : ما في صور ..!!

دهش لقوة ملاحظتها ابتسم بمرارة وقال ببطء :

-ماكو .. صور ! ضاعت.. على مدى ثلاثين سنة ضاعت في الهجرة والتنقل بين الاماكن ! بعضه.. أحرقته بيدي ! كنت أسقط كل الروابط وأكرهها .. تعبت من الماضي ! تخلصت من التذكارات والرسائل والهدايا  .. لا أحتفظ منها بشيىء

وارتعشت زاوية فمه : طبعا .. أنا مستعد دائما ..للقفز !

حقا انتبهت هدفة الان الى انه لم يكلمها كثيرا عن ذكرياته ! لا تعرف شيئا عن أهله ! من أي مكان هو ؟ ما تاريخه ؟ هل لديه أقارب أحياء في العراق ؟ جاء على ذكر أمه كثيرا ! ومرات كان يحكي عن أبيه ، يحكي عنهما وكأنهما هناك ! في مكان ما ، الى الابد ،  في بيت طيني وأمه لم تزل تخبز في تنورها وتلوح دقة الشامة في وجنتها وهي تناديه أو ترسله الى ابيه الذي يفلح الارض. يحكي عن الروائح و الفسيفساء في باحة بيتهم ومصابيح الكاز وأغاني الفتيان ! حازم لا يروي الاحداث لكنه يختزن ذكرياته وكأنها مستمرة وممتدة ! لم تتغير ولن تتغير .

أدهشها انهما أنفقا معا كل ذلك الوقت على (السكايب) في أحاديث طويلة مسترسلة عما سيفعلانه وكم طفلا سينجبان ؟ واين سيقيمان ؟ وكيف سيتدبران امورهما ؟ أخبرته بأنها تريد  ان يقيما في الدوحة ! نعم  برغم المحاذير ! سوف تذهب الى مركز الامن في العاصمة مصطحبة عقد الزواج المصّدق وسوف تطلب ان تحصّن سلامتها وسلامة زوجها بتعهدات شخصية موثقة بعدم التعرض لهما لاسيما من أفراد عائلتها الذين تتوقع منهم معارضة عنيفة  .

قام حازم وأدار (ستريو) متوارٍ في خزانة صغيرة بقربهما ، ووقف في وسط الغرفة الصغيرة وعندما صدحت الموسيقى مال برأسه رفع احدى يديه ولوى الاخرى وراء ظهره  ، وبرغم بدانته وخطواته الخرقاء في البداية ، اخذ يرقص بخفة وليونة وكأنما فطر على ذلك ! وفكرت هدفة كم من النساء اجتذبهن تلك الحركات لابد أن بعضهن على الاقل قمن بمجاراته  ثم سار حازم نحوها مصطدما بمنضدة وقبل ان يبلغها وقف حائرا خجلا . احمّر وجهه وأخذ يعمل على تهويه ابطيه وينفخ فيهما وزام متضايقا : ( لم أعرق هكذا من قبل !  )

انسحب بسرعة الى الحمام خلع قميصه وشطف وجهه جيدا بالماء ومسح ابطيه بمنشفة مبلولة وارتدى قميصا ملونا ومضى مباشرة الى المطبخ ثم اقبل يسير مترفقا كلاعب سيرك يسير على حبل ، يحمل فنجاني قهوة في كل يد . وضعهما على طاولة صغيرة الحجم وازاح جانبا بعض المجلات . قال لها وكأنه يستكمل حديثا انقطع  : انا مدمن على الناس ! عندي معارف وزملاء واصدقاء من كل صنف وشكل . . لا استطيع العيش بدونهم ! البشر في رأيي ليسوا اشرارا أو طيبين ! انهم أشياء أخرى كثيرة .. وتلك الاشياء الاخرى بالذات هي ما يجعلهم اشخاصا .. لا يمكن الاستغناء عنهم . هم منتجات يتعرضون لعيوب التصنيع ورداءة ظروف التخزين وسوء المعاملة لذلك قد يفسدون أو يكادون !

لم تقل له هدفة بأنها تخشى الناس وتتوارى منهم وتحذرهم وربما اعتقدت مرارا بانهم هم الشر ذاته  .

 تحسس شعره ونفخ قليلا في فنجانه واستطرد :

- قد يستخدمهم البعض ويعتبرهم وسائل ترفيه او نماذج تعلم أو ادوات رفقة وصحبة لكي يعبروا طرق الحياة .. لكني أنا اعدهم الحياة ذاتها . حياتي معتمدة ..و مكونة من الناس من حولي . واخاف ان اكون وحيدا ..أخاف حرفياً

ونظر حوله وقال : هنا ..في بيتي لا استقبل عددا كبيرا من الناس  ! أنا حريص على خصوصيتي... واحتاج أكون لنفسي فقط  .

استاذن منها قائلا : خمس دقائق فقط !

خرج من مخدعه مرتديا قميصا ورباط عنق لبني وسترة كحلية وحذاء بلا رباط

ودخل المطبخ  وخرج منه حاملا سلة الخبز مقطعا ، وسلطانية السلطة عليها شرائح خوخ وسفرجل والطبق الرئيسي من المعكرونة وكرات اللحم .

هيأ المائدة الصغيرة باحتفالية . وضع شموعا قرمزية وقرنفل ومناديل وردية وسحب كرسيا وجلس قبالها .تحامت ان تاكل اللحم والبقدونس لئلا تعلق شذرات بين اسنانها وحرصت ان تستخدم الشوكة والسكين بتناسق ولم تنسَ طوال الوقت ، مسالة الوقت ! اذ كان ينبغي عليها العودة الى الفندق حيث ينتظرها ابن اخيها لاجراء مكالمة الدوحة . في تلك اللحظة سقطت شعرة من أهدابها في عينها . انهضها ببطء وقربها من مصباح انارة . دفعها قليلا نحوه وامرها ان ترفع راسها ولا تتحرك . اسبلت ذراعيها وانتظرت . تتوجعين ؟ قالها باشفاق وشعرت بانها يجب ان تكون احيانا ضعيفة ومستسلمة قالت : ايه .. حرفيا !

ضحكا و قال لها : هذا.. بسبب أهدابك الطويلة !  وشعرت بأن ذلك ذنبها أيضا !

فتح عينها بحرص بابهاميه مستخدما كلتا يديه ونفخ فيها برفق فلم يجد ذلك نفعا . احست بمس خفيف من طرف منديله وسمعته يقول  : انتهى الامر !

راقبته وهو يثرثر ويلف ويدور ويمط شحمة اذنه ويفركهما بين ابهامه وسبابته .  وسرت رعشة طويلة من خلف عنقها حتى عقبيها . كم هم الرجال بائسون  ! شعرت بانها يجب ان تاخذ بالقياد ! كانت على اهبة الاستعداد حتى انها وقتت الرحلة بعد انتهاء دورتها الشهرية وحملت في حقيبة يدها بعض الغيارات وادوات التجميل .

كان عليها بالطبع ان تعري مشاعرها شريحة تلو الشريحة وطبقة من وراء طبقة . لسنوات طويلة مديدة غاصت وراء المظاهر واستترت حتى لم تعد تعرف نفسها !

لا تريد ان تتعجل الامور ولا ان تكشف الغطاء ولا ان تحثه على شيىء الا انها لم تعد تحتمل التوتر الناجم عن هذا الخوف .  تشعر بان تبلدها معه غريب وممجوج ! انها تتجمد خوفا ! تعاني ضربا من رهاب السعادة لم تعد قادرة ان تشعر بانها حقا مع حازم اخيرا

  تعامله ببرود وتصلب بينما لم تكن تعجز عن ان تقول له كل شيىء يجتمع في قلبها ، عندما كانا يتراسلان أو يتحدثان عبر الهاتف. أخبرته بانها تضيق بحياتها وتكره نفسها وتكره وجهها وتكره كل الايام اخبرته عن اخوتها وشراستهم ومرارة كل يوم تعيشه تحت سقف بيت أخيها الكبير البارد .

منذ تخطت الاربعين أصبحت أكثر حساسية تجاه كثير من الأمور !  ثمة شيىء عارم وعنيف تصده بصمود الا انه  سرعان ما يغمرها ويتغلب عليها ؛ انه ظمأ شديد الى الحياة .
وقد قررت هدفة أن ترتوي .

 

 


ليست هناك تعليقات: