الأحد، 30 نوفمبر، 2014

قصة ( ديستوبيا )




 

قصة    ديستوبيا

 

-1-

         كان يتفق لهما أن تتوها أثناء سيرهما الاعتباطي في شوارع لندن، تخدعهما نسائم اغسطس الخفيفة . تفتنان كلية بالسماء الباهتة والبيوت الآجرية ذات الاحجار المتصالبة والطرقات المنحدرة والاشجار العتيقة. وثمة روائح مختلطة تتسلل بنعومة الى انفيهما ، يقتحمهما الاخضرار ، اخضرار النباتات المتسلقة والاعشاب والحشائش الناتئة بين الشقوق والانحناءات والطرق المنزلقة الملتوية وعلى عتبات الدور، معظمها سرخسيات وطحالب ثم تقتم السماء على حين غرة وتلفحهما رياح تطوح بأرديتهما ويهمي المطر غزيرا فتركضان فزعتان من البلل ، تلتمسان سيارة أجرة ، يغمرهما شعور بأنهما طفلتان ..مجرد طفلتين .

 


       شعرت الحماة بأنها محظوظة تماما بكنّتها . تلك الكنة اليافعة التي تبدي اهتماما تلقائيا أصيلا بها ليس باعتبارها حماتها فهي لا تنظر اليها بوصفها أماً للرجل الذي تزوجته ! كلا انها تنظر الى حماتها فترى شخصا مستقلا عن تلك الرابطة. ومن جهتها فإن الحماة وجدت في كنتها امرأة باهرة حقا ؛ امرأة تحرص على الا تشبه قبيلة النساء من حولها .

بدت لها سمية ناضجة بالمقارنة مع بناتها وكل النساء الاخريات ووجدت نهلة القمري نفسها تسعى الى ابهار كنتها الصغيرة بذكرياتها ومعرفتها بالشخصيات المرموقة التي قابلتها مرات أو حتى مرة واحدة  أو عرفتها من بعيد أو تعرف من يعرفها ولكن كنتها أبدت اهتماما أكبر بشخص حماتها؛ بما تفكر به ، بآرائها ، نعم ذلك الأمر الذي لم  يكن أحد يلتفت اليه أو يلقي اليه بالا .

لقد عاد ابنها أنس وكنتها سمية ، سريعا من شهر العسل دون ان تكتمل دورته ، وطارا من حيث كانا في سويسرا الى لندن ليلتحقا بالحماة وبناتها اللاتي كن يقضين وقتهن في التسوق والتبطل التام وقد سعدت الحماة بمجىء الكنة وصارتا تتسكعان معا في ساحات لندن ومقاهيها ومكتباتها الصغيرة . تفلتت سمية من صحبة عريسها أنس وفضلت رفقة أمه التي تحمست بدورها لمرافقتها العروس الشابة حتى لو كان ذلك على حساب ابنها و ضد مشيئته أحيانا .
 
 



كانت الحماة نهلة القمري ، ابنة الخامسة و الخمسين عاما ، امرأة تميل الى البدانة ، لها عينان مكدودتان خابيتان ، وفم حازم في وجه ريان ، فقدت الحيوية في سائر اعضائها وكانت تلف رأسها دائما حتى في بيتها بشال مرتب داكن اللون . كانت أما لأربع اناث وثلاثة ذكور، وجدة لعشرة من الأحفاد وكانت تشعر بأنها قد قضت وانتهت ، ودفنت منسية ،لانها لم تعد موجودة لكل أولئك الناس وبخاصة زوجها الشيخ شمس الدين .

انسجمت كل من الحماة وكنتها فورا ؛ كل منهما تنتمي الى عائلة تشبه الاخرى من نواح عديدة ، أسرة شمس الدين قدموا الى الدوحة واستقروا فيها منذ أكثر من عشرين سنة وكبر الاولاد ونبهوا وتقلدوا مناصب ممتازة في ادارات حكومية وعندما ارادت نهلة ان تخطب ابنة أخيها لابنها أنس الذي تخرج حديثا وجهها زوجها الشيخ شمس الدين بحزم الى طرق باب احدى العائلات المماثلة التي هاجرت الى قطر بعدهم بسنوات وهي عائلة الشيخ ظفر، لافتا نظرها الى ان الاقارب قد يكونون مناسبين في اوقات أخرى  . بدا ان الشيخ شمس الدين يضع نصب عينيه - لسبب ما - الاعداد لحلف قادم اكثر منها مجرد اجراء مصاهرة وكانت نهلة تشعر وسط انسبائها من قرائن ابنائها؛ البنات والبنين ، بانها ضمن تكدس غريب لاطراف متضامنة لامر آت لم تدركه بعد .

خطبت سمية لأنس بايعاز من زوجها وكل ما تعرفه عن عائلة الشيخ ظفر بانهم استبدلوا بجنسيتهم الاصلية التي جردوا منها ، جنسية هذا البلد ، وقد صعد الشيخ ظفر منذ اقامته في الدوحة صعودا صاروخيا  . يعي الشيخ شمس الدين بأنه لم يعد نسيج وحده في ساحة امتلأت بعدة رموز وعائلات وناشطين يغدون ويروحون وقد تعين عليه مشاطرتهم المكان والنشاط والرصيد المجتمعي فضلا عن ان شعبية الشيخ شمس الدين تتعرض أحيانا لبعض الضربات بسبب مستجدات طارئة بالاضافة الى عوامل أقدم عهدا ، ترجح كفة العائلات الوافدة الجديدة غير ان الشيخ كان شديد الحصافة و المرونة وقادرا على المراوغة ومستعدا للتكيف مع الظروف وحريصا على تقوية روابطه وان كان يبدو في السنوات الاخيرة  قلقا ومتربصا في معظم الوقت لوقوعه تحت عدة احباطات في حياته ولم يزل يرقب مآلات الاوضاع وتداعياتها وتأثيرها على مركزه وعلى مصائر ابنائه ملتزما جانب الحذر والحيطة .

بينما عاشت نهلة القمري مطمئنة في عالمها ؛ عالم هادىء مستقر بالرغم من ان كل شيىء بدأ يتهاوى من حولها . لم يعترها بعد اي خوف او شك في مركز العائلة وصلابة مكانة زوجها الشيخ شمس الدين . اعتادت الركون اليه والتعويل على انه قادر على مجابهة التحديات وتجاوز خصومه، خصومه الذين كانوا دائما شيئا ثابتا في حياته وكانت تعلم يقيناً بأنه كان دائما مقرباً من النخب ، له ظهور اعلامي منتظم و امتيازات مضمونة . وهي مستيقنة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن مكتب الشيخ وصالونه واستثماراته لم تزل متواشجة الروابط مع أمعاء الوسط المحلي ورئتيه وطحاله ، تعلم كما يعلم الجميع بأن مكتبه يشهد يوميا عشرات اللقاءات والاتصالات والأعمال التي تتناول التوسط والتشفع والاستشارة والفتاوى  وكل ما من شأنه توطيد أقدام الشيخ الجليلة وتضخيم رصيده المجتمعي.

ومع ذلك يظهر الشيخ مهموما متكدرا لانه يحمل هموم الأمة وأعباء انتشالها من الفتن الماحقة الحالقة ويظهر انشغالا وتوترا ويتحدث في داخل بيته وخارجه عن أزمات وخوانق وسماء ملبدة بالغيوم ويحث بدوره ابناءه على التقوى و زيادة الحرص وتجنب وسائل التواصل الاجتماعي والانسجام مع محيطهم الاملس النزق .

 

 

            منذ الايام الاولى انطلق لسان الكنة الشابة وتدفقت منه الاسئلة وكأن سمية ظفر لم تعرف قط شيئا اسمه السكون وكأن في عقلها ماكينة تفريخ الاسئلة ولاول مرة صادفت الحماة نهلة القمري من يتوجه اليها ، لا الى زوجها ، بالسؤال ! تسألها كنتها عن امور كثيرة وكأنما أصبحت فجأة المعنية بأمر الاجوبة أو المحيطة بمعرفة كنه الاشياء .

كانت سمية وحماتها تحتسيان القهوة على شرفة الشقة اللندنية الصغيرة .تنهدت سمية وقالت :

 -أريد ان اقوم بشىء ولكن..

ونظرت الى حماتها بعينين حزينتين حائرتين:

-هل سأجد حاضنا لمشروعي؟ اليس ذلك محبطا ! أنا اقرأ وأحلم وافكر بعالم آخر...

وقالت حماتها بتحفظ متعاطف :

- لكل منا حياة اخرى.. الحياة التي يتمناها .. كاحلام اليقظة مثلا .

وهتفت سمية : أحلام اليقظة ؟ كلا .. ما أفكر فيه .. مثل شغف نعيشه او يعبر عنا ..

اعتادت سمية على استخدام عبارات واكليشيهات مستعارة من كتب دأبت على قراءتها ، فهي شغوفة بالذكاء العاطفي وتنمية الذات والتقليعات الرائجة مثل الرجل من المريخ والمراة من الزهرة  وكانت تعارض حماتها التي تصر على ان الظروف هي التي تحطم مجاديف المرء لان سمية مقتنعة بان الشخصية عندنا في الشرق هي التي لا تقبل التحدي ولا تتفاعل مع المتغيرات . تقول سمية لحماتها بثقة مفرطة :

مهما ساءت الظروف فهناك فرص تتاح.. هناك فرص كامنة وينبغي ترصدها و اقتناصها.

  وكان النقاش يغدو حارا وحماسيا ثم يضيع في العبارات الانشائية . كل منهما تعبر عن اخفاقها الخاص. ترد نهلة القمري فشلها الى الظروف القاهرة وتعتبر سمية ظفر أن شخصيتها الناقصة هي العائق الرئيسي امامها وكلتاهما تتجاوران في المربع ذاته .

تحتد سمية وهي تتحدث:

-تزعجني المراة فهي عدوة نفسها وعدوة جنسها لقد سلمت نفسها عقلا وقلبا للغير لكي يحتلوها ويتسلطوا عليها ويسلبوها ويعذبوها ويقيدوها بقيود.. ارتضتها

وتلتفت نحو حماتها موضحة :

-الموضوع شائك وانا لا اعرف الى اين ينبغي ان اصل.. ولكني لا اريد اثير جلبة ولا احب النساء الذين يثرن المشاكل .. ثمة وسائل كثيرة وسبل للتصالح مع المجتمع الا تعتقدين ذلك ؟

من كل تلك الافكار الكبيرة تتمخض افكارها الصغيرة وتفاؤلها المجاني وكل الوان الهروب المعتادة . عندما عزمت سمية ان تقوم بأمر ما انتهى بها المطاف الى... فكرة كيْ أغطية السرير والمخدات ! وعبرت عن ذلك بأبلغ تعبير اذ وصفته بأنه سعي لتغيير العادات السيئة والارتقاء بمستوى الحياة (!)

وكانت الحماة تظن بان سمية تمارس حيلها الصغيرة حينما كانت تتحدث عن لحظات الحب واننا نحتاجها مهما اختلست ومهما كانت بسيطة وسريعة لان قلوبنا حزينة  وحياتنا باهتة بدون من نحب  وحين تتحدث عن ارتباطنا العاطفي باحبابنا الذين نعيش من اجلهم ونشقى اذا غابوا ولا يمكن ان نتصور وجودنا بدونهم كانت سمية تتحدث في الوقت نفسه عن قوة الايمان الذي يبدأ بالحب وينتهي بالتضحية ويتغذى بالخيال .

وقالت لحماتها :

-متى احببنا فلا يمكن ان نفقد من نحب الا عبر اختيار واع حين نشعر بانه لا معنى لوجودهم .

ولكن سمية شابة صغيرة تائهة ! شابة تبحث عن شيىء ما بالرغم من انها كانت تؤكد لحماتها بانها شخص قد حدد ما يريده في الحياة .

 في البدء كانت سمية تحدث حماتها عما أسمته نهضة المرأة وكانت لفرط حماسها تضع افكارا تلو الافكار . أفكار معقولة في الواقع ،  مثل انشاء ناد او تأليف كتاب او عمل استطلاع ( وان لم تحدد الجهة التي ستضطلع به ) وكانت تسأل حماتها وتلحف في السؤال : لماذا نحن على هذا الحال ؟ وكيف سنتغير ؟ ومتى ؟.... متى ؟

كانت بحاجة الى مرشد ، الى شخص يمسك يدها ويقودها ومن جهة اخرى كانت لا تدري ما طبيعة الوعي الذي تنشده أو تعنيه وكانت تتعجل فحسب ان تتحرك وتبادر ، وأن تنجح وتنال الاعتراف والتقدير . وعندما تطرح احدى أفكارها فانها تتعامل معها بجدية بيد ان جانبا منها يعلم بانها لن ترى النور.

 كانت تقول : ما الذي على المراة ان تواجهه اليوم ؟ وكيف ؟ لابد ان هناك سوانا .. غيري وغيرك من النساء ممن لديهن الاسئلة والتوقعات الشبيهة .. وافكر لو ان هناك كتابا تكتب فصوله عدة نساء ...

ثم تعاود سمية الحديث عن الثوابت والحدود والحفاظ على هويتنا وتقول وكأنها هذه المرة تخاطب أباها الشيخ ظفر وأخوتها الذين تستحضرهم حولها  :

-طبعا لا مساس بكل ذلك .

(طبعا )  لم تكن سمية تعي شيئا مما تقوله . (طبعا ) لم تكن تعرف من هي ولا تعرف المراة التي تقصدها ولا نوع النهضة التي تعنيها ولم تنتبه الى أن نظرتها الطوباوية الى الثوابت ، تنسف من الاساس تصورها عن التغيير !

كانت طبعا عاجزة مثل أغلب الناس من حولها عن التمييز بين الثوابت كمحددات وبين فهمنا المتحرك لتلك الثوابت. كانت تتحصن بالمطلق من العالم وضد العالم ! وسرعان ما تحولت ثوابتها الى عوائق وجدران وحصار كامل ، جعلت من " التجديد"  الذي لطالما تغنى به أبوها الشيخ ظفر في مواعظه وخطبه مجرد احياء للقديم ، واعادة انتاج له ، باي اسم جديد .

 

واعطت سمية حماتها قصاصات متفرقة ، كتبت فيها ما يشبه الخواطر من فيض ذهنها المتوقد وكانت هناك جمل مبعثرة وخواطر اخرى مشوشة وبدا وكأن الشابة كانت تعبر عن قلب العجوز حين كتبت ( انت قريب مني ومع ذلك.. كم اريدك اكثر قربا ) وأوضحت لحماتها بانها مجرد خاطرة ارادت ان تشارك احدا في قراءتها لانه لم يكن ثمة احد معين لتبعثها اليه.

كل ما تريده سمية هو أجوبة ! أي أجوبة في الواقع  ! أجوبة تسد الفراغ فحسب ، لانها لا تعتبر كثيرا بتلك الاجوبة وانما كانت بحاجة الى مستمع منصت وكانت تبدو مرهقة وحائرة ومعذبة وكانت نهبا لمشاعر فياضة و " أعاصير عاطفية " كما وصفتها  .

كرهت سمية ايقاع الحياة الخامل وكرهت ضعفها التكويني الذي تعرف بانه لا خلاص منه وسئمت أحلام اليقظة لانها تكبلها في ادمان خانق وكرهت عبوديتها المستمرة لانها تحتمي بها من العالم المجهول المريع .

وسألت سمية حماتها :

كيف نعرف متى يكون الحب متبادلا ؟

واختلج قلب الحماة دون ان تعرف لذلك سببا

قالت : نعرف فحسب

وأصرت الكنة :

ولكن كيف نتأكد ؟ اننا ننزع الى تصديق ما نريده ..حين نحب

وقالت العجوز:

لابد اننا على الاقل نكتشف حقيقة مشاعرنا

نعم ولكن كيف نقيس مشاعر الاخر ؟

لا ادري

مهما يكن فلن نتوقف عن الحب حتى لو توقف الاخر عن حبنا الا توافقين ؟

وأردفت سمية معلنة عن النتيجة التي كانت تعرفها سلفا :

هذه روعة الامر وسحره ..الا نخضع لقيود الزمان والمكان.. ونتحول الى روح خالصة تختلط بحرية بكافة الارواح والمواد الاخرى من حولنا ..نصير طاقة ..الا تشعرين بذلك ؟

وعندما ابتسمت الحماة شعرت الكنة بانها قد تخطت الادب اذ اصبحت هي من تعلّم حماتها

وتضرجت بحمرة الخجل . قالت :

اسمحي لي على هذا التفلسف  ولكني اعيش تبدلات غريبة ..

 وهزت راسها بعفوية وهي تزيح رداءها المتهدل عن جبهتها وأكملت:

انني مؤمنة بالحب لذلك ادعو نفسي بالعاشقة  لان الحب هو عامل ثابت في حياتي في بحر المتغيرات وانا اعرف ذلك  اعرف باني اتشبث باحبائي ولا افرط فيهم مهما طرأت المستجدات  واحفظهم في حرز مكين

والتفت الى حماتها فجأة وقالت بجذل صاف:

آه ! لو ان عندي خبرتك وروحك الحلوة وكل طيبتك .. وحتى تلك.. اللمسة الخشنة في حسك الفكاهي

وعجبت نهلة القمري كيف أن هذه الفتاة الصغيرة فاقت كل من حولها واستطاعت ان تطلع على جوانب خافية من شخصيتها . كيف لها ان تكون بهذا التبصر وقوة الملاحظة !

 تقافزت سمية حولها بفرح وحماس :

عندي طلب صغير ..صغير ! هذا الكلام الذي قلناه آنفا هل تجدينه مؤثرا ؟ حقا ؟ هل هو مفعم بالمعنى ؟ أهو عميق بما فيه الكفاية ؟ والله ؟ هل تعتقدين ذلك ؟ هل يصلح ان يُضم بين دفتي كتاب ..كتابنا ؟ اذا ؟ هل تشاركينني ؟ لا اظن انني افلح في صياغته وحدي ؟ هلا قمت بذلك ؟ حقا ؟ هل انت متحمسة مثلي ؟

ولكن في وقت آخر سوف تسرّ سمية لحماتها بألم وضيق :

اعرف اني متناقضة وغير مستقرة ! أتعلمين انني ابحث عن التوازن ! ان وعيي مسلط على ضميري ! انني اشقى بوعيي.. اود ان القي بنفسي في اللهب مثل الفراشة اود ذلك ولكني اتردد . لا اريد ان اكون فراشة .. الا انني ناضجة عاطفيا  يمكنك ان تسميني العاشقة المثالية .. هل اخبرك ما معنى ذلك ؟

وتهز الحماة رأسها ايجابا فتجلو سمية حلقها بسعلة خفيفة وتواصل :

العاشق هو الذي يستشعر الطاقة الايجابية فيما حوله ثم يتطور به الامر الى توليد تلك الطاقة وبثها من حوله .. وانني لاتساءل.. هل بامكاننا أن نصبح سعداء وكاملين بالحب ؟

وتجيب سمية عن سؤالها بسرعة وثقة :

على الاقل سوف نملك هدفا حلما وهمّا .. سنملك ما يجعلنا ننهض من السرير ونخطو الى الامام ونحاول ونواصل المحاولة لاننا في نهاية المطاف نفاضل بين الحب والشقاء

وتسترسل سمية في ثرثرتها المحببة الى حماتها العطوف :

قد يتحول الحب الى ذكرى ولكن ستبقى لذة الحب عالقة في قلوبنا مثل بقايا طعم حلوى العيد عندما كنا صغارا . الحب يجعلنا نظن بان بامكاننا الطيران ولكننا نعلم منذ البداية باننا لن نتمكن من ان نطير .. وقد نقوم بامور سخيفة ونتعرض لاحرج المواقف ونجعل من انفسنا اضحوكة...  ونثير حتى شفقة الغرباء.. لاننا نتعذب ونتعرض للرفض ولكن... ما ضر لو حصل كل ذلك ؟

وتهز الحماة رأسها اقتناعا وقبولا بينما تكمل الكنة قائلة :

الحب حررنا من مخاوفنا وجعلنا نلقي بانفسنا في اللهب الخاطف للانفاس.. لن تكون الحياة مغامرة اذا لم نقرا الكتب الخطرة ونجرب المحرمات ونرمي بالحلول الجاهزة من النافذة ونبحث عن تلك الاجوبة التي يخبئونها عنا

وكانت الحماة تنظر اليها ، وتنظر اليها، وتفكر في شيى واحد : لو كنتُ امتلك تلك الروح ! لو كنتُ .. أصغر واكثر جرأة .. لو كنتُ شخصا آخر ! في مكان آخر !

وهكذا توصلت الحماة الى قناعتها بان كنتها شخص استثنائي وافتنت بها تماما .

 

      

              اتخذت نهلة القمري دائما جانب الحيطة والحذر وخشيت فتنة الحرية والاسئلة والعواطف وظللت تردد اكليشيهات محفوظة لعقود وخانت قناعاتها الذاتية طوال حياتها . لقد رددت لبناتها كلمات أمها لها عندما زفت الى زوجها الشيخ ( كوني له أهلا يكن لك ظلا ) وكان ظلا ! ظل رجل ، ظل انسان . حتى قبل انصرافه عنها ساعيا وراء عرائس صغيرات عطوفات شغوفات كان قلبها مفرغا تماما . لقد نظرت اليها نساء كثيرات ، نساء من هذا البلد ، بمزيج من الاستهانة و الحسد والتشفي  بسبب مكانة الشيخ وشهرته لاسيما عندما كان في اوج زهوه وحيويته وظهوره وقد نال احتراما وتقديرا مبالغا فيه على حسابها، باعتباره زوجا كاملا وأبا رائعا وشخصا مثاليا .

بالطبع ميزت نهلة في كلام سمية تلك النبرة المتقلبة التي عرفتها طوال حياتها لاسيما  حين تسمع سمية تقول : يجب التعايش مع الظروف ثم استثمارها وتوظفيها  يجب ان نحسن التصرف ونتصرف بفاعلية لم لا يمكننا ان نقوم بالامرين معا ؟ نستطيع ان نفعل الكثير بالتحايل والفطنة وحسن التدبير.

 ولكن عندما تحدثت سمية عن الاستقلالية و النزاهة والصدق كانت تجسد كل ذلك في نظر حماتها بملائكيتها التلقائية وحماسها منقطع النظير .

عندما تقرآن معا صفحات من كتاب (الانسان المهدور) لمصطفى حجازي أو فقرات مختارة لعبد الكريم بكار او جوزف كامبل او نعوم تشومسكي ، كانت سمية تتوقف لالتقاط أنفاسها وتحملق في الفراغ ثم تغلق الكتاب وتظل تثرثر بافتتان مرددة اقتباسات كاملة استظهرتها بعد أن نقلتها بعناية الى مفكرة نقالها . كانت سمية مثل كل من حولها من افراد الأسرتين المتصاهرتين متحمسة لفكرة ( الاسلام هو الحل ) وتصر على أنه قابل للتطبيق ، تصر على ترديد ذلك ، فيما يشبه الخوف ، الخوف من ضياع ما نشّئت على التشبث به ، ولكنها مثل الاخرين تردده  كما لو كان من جملة تقاليد الاسرة وأورادها اليومية الالزامية  .

لقد اشعرها من حولها بانها جاهلة وصغيرة وغير ذات خبرة ولا تفهم في الامور الكبيرة ولن يكون لديها خبرة  وليس لها حق في ابداء الراي فما الذي تفهمه سمية عن الحياة ؟

وفي قرارة نفسها كانت خائفة وغارقة في الظلام... وغارقة في الحب.

هل تختلف سمية حقا عن قبيلة النساء ؟ النساء اللائي يتنازلن عن امور كثيرة بمقابل او بدون مقابل ينتظرن ان ينلن تعويضا عما يفتقدنه أو قد لا يفتقدنه اصلا . يقضين حياة متزمتة يرقبن الاخريات بعيون صقرية ملؤها حسد وحقد وتشفٍ ، يحاصرن كل حركة وايماءة ويتسقطن الاخطاء لبعضهن البعض ويتحولن في اقرب فرصة الى كلبات هائجات عقورات لاثبات احقيتهن لهالة الصلاح في مجتمع الرياء الفاضح  لان تلك هي الوسيلة الوحيدة التي تجعلهن يتصالحن مع تعاستهن الشخصية الخفية ومع رغباتهن المكبوتة .

 

             منذ عقود من السنين فرغت حياتها من المحتوى الانساني واستغرقت نهلة القمري في الجوانب الميكانيكية من الحياة في ايقاع خال أملس مثل اشرطة كاميرات المراقبة في مداخل المؤسسات ومصاعد الفنادق واقبية المولات  حيث لا يوجد سوى حركات متعاقبة لغدو ورواح، تعبئة وافراغ ، بصاق وتمخط وتسوق وتثاؤب وهرولة وحمل أكياس ومناداة ووجوه كابية وشاحبة اطرافها تحتك وتتقوس وتتمطى وتنبعج .

ماذا تغير الان ؟ هل حصلت على المكافأة المنتظرة ؟

لقد اصبح الآن لديها شخص تفكر فيه وتتبادل معه أحاديث خاصة ، لها طابع مكنون ، شخص يشاطرها افكاره وقصاصاته واحلامه وينظر اليها بتعلق ، شخص تحس معه بتوتر وتحمل رغبة لا تهمد في رؤيته مجددا لانه يملأ حياتها .

لا تعرف ماذا تسمي ذلك .. لا يهم .. انه افضل ما حدث لها منذ ولدت واكثر اثارة وحرارة من كل ما يمكن تخيله من احلام اليقظة ! انه واقعي ويحدث لها  وهو مع ذلك شيىء خيالي ! سحر تام !! 

عندما زارت نهلة بيت اهل سمية لاول مرة ، انما ذهبت بعد ان دفعت بابنتها الوسطى للاستطلاع والقاء نظرة أولية على العروس ، وبعد أخذ مشورة احدى السيدات العارفات. دخلت نهلة القمري صالون اسرة الشيخ ظفر وعيناها ترقبان الباب منتظرة دخول العروس المنتظرة ودخلت سمية بمعية شقيقتها ولم تعرف نهلة ايهما العروس لان زينة سمية كانت بسيطة وثوبها كان عاديا ، في الواقع لم تتزين كلية ! كما اثار شك نهلة ذبولها وشحوبها الظاهر حتى كأنها مصابة برمد في عينيها المنطفئتين ولكن ابنتها اكدت لها بان البنت بهية الطلعة و طيبة ووديعة وعلى نياتها.

 

تريد سمية ان تحلق بعيدا لكنها تدرك بأنها بلا جناحين ولا تريد ان تغادر الدائرة المحمية . تلفق أحاديث وتنسج أحلاما ! ومع كل كلامها عن تجاوز الخطوط الحمراء فانها كانت تتحدث عمليا من وراء المتاريس ، ولم تتمكن حماتها نهلة القمري ان ترى ذلك بوضوح لانها كانت تود ان تكون هي التي " فتحت الاسوار" لكنتها وهي التي " جسدت الحلم " وأن تغدو " الرفيقة الملهمة " لتلك الكنة الساذجة الحالمة ولذلك تبنت قضيتها وحملت همها باخلاص وتعاطف.

ونظرا لذلك التجاوب العاطفي اقترحت سمية على حماتها ان تتبادلا المسجات النقاشية فيما يجول في خاطريهما وما يعرض لهما لكي يتم تدوينه لاحقا ( أي نقله عبر شريحة الى اللاب توب ) ليكون نواة للكتاب ؛ كتاب نهضة المراة أو بالاحرى نهضة سمية. كانت سمية مندفعة وفائرة ومليئة بالحيوية واقترحت ألوان الغلاف ورسمت بعض الاسكتشات التجريدية المعبرة ووعدت بتطويرها  حتى انها فكرت بالمقدمة واقترحت مقدمتين؛ مقدمة لكل منهما !  ووضعت لائحة باسماء الاشخاص الذين ستهديهم نسخة من الكتاب وراحت تؤكد لحماتها بانه لن يكون مشروعهما الوحيد وهكذا اعتبرته أمرا منجزا ومفروغا منه !!

وبالرغم من ان الحماة رأت ان الحوارات بينهما لم تكن " حوارات فكرية " تماما بل غالبا كانت مونولوجية واستطرادية ومشتتة الا انه راقها وصف سمية لها بانها (احاديث عاطفية) وكان ذلك التوصيف على كل حال أصدق وأكثر دقة فهي لم تكن تشعر بان لثرثرتهما ذلك المنحى الذي تدعوه سمية بأنه تصحيح بعض التصورات الثقافية الخاطئة .

لم تكن تلك التساؤلات ما يستفز نهلة ويجتذبها بل هو الاغواء بانبعاث جديد ، ببزوغ عاطفة جديدة لم تشعر برسيسها منذ عقود.

وارسلت الكنة مسجاً الى نقال حماتها :

ماذا تفعلين ؟

 لم اتمكن من النوم

لماذا ؟

لا ادري .

هل كنت تفكرين بأحد ؟

لا . لا أحد

عندي نظرية حول الانسان العاشق هل اخبرك عنها؟

أخبريني

هل انت مهتمة حقا ؟

طبعا

هل قابلت يوما انساناً عاشقاً ؟

ربما

من ؟

 انت ذلك الانسان

حقا ؟ هل تظنين بانه ينطبق علي ؟

لم لا ؟

حقا ؟

وقبل عودتهما الى الدوحة قبضت الكنة على يد حماتها ثم قالت بامتنان وهي تطوق عنقها بذراعيها :

احبكِ يا حماتي

ولم تحر الحماة جوابا .

 

         كانت نهلة منذ صغرها الفتاة المطيعة ؛ فتاة طيعة لينة العريكة ، لم تزغ في دروب الوساوس والاخطاء ولم تجد وازعا ولا نازعا الى التجريب ما دامت في غنى عن كل تلك الدروس. كانت محروسة بحب والديها ، مخفورة بالمرافقين حيثما ذهبت وأتت ، مسورة بخوفها الدفين ، الخوف من العالم والرغبة في الاحتماء من شروره وراء ظلال الآخرين ؛ ظل أبيها وأخوتها ثم ظل زوجها الشيخ شمس الدين .

وكان الشيخ شمس الدين يكبرها بأكثر من عشر سنوات عندما دخل بها وكان قد نذر حياته للدعوة والتنظيم والتدريس وتعرض كثيرا للمضايقة والملاحقة. كان رجلا طويلا نحيلا يبدو محدودبا قليلا ، يسترعي الانتباه في وجهه ، تلك الاستطالة والتجهم الدائم . له لحية قصيرة شائبة متناثرة . كان زوجا فحلا ومتطلبا وشعرت نهلة بالارهاق والاستنزاف لانها آنذاك لم تكد تتفتح بعد لكل تلك التجربة الجسدية وكانت بالكاد تلتفت الى الجانب العاطفي من الاقتراب من رجل لاول مرة في حياتها .

رافقت نهلة الشيخ في بعض رحلاته عندما ارادها ان ترافقه ، وارادت أن تقوم بذلك ، لانه من  واجب الزوجة حسن التبعل لزوجها ، ولانها شعرت بالارتياح عندما اوكلت اليها مهام محددة في تلك البلاد التي طوفت فيها مع نسوة مرافقات مثلها لازواجهن من المشايخ ؛ في باكستان وافغانستان وبنغلاديش وفي محطات اخرى افريقية . صحيح انها لم تكن مهاما ذات بال ولكنها لم ترد في ذلك الحين سوى الخروج على روتين حياتها والتخفف من ثقل رعاية أطفالها الصغار الذين تركتهم  خلفها في عهدة أمها وخالاتها .  وساندته وان لم يكن ذلك ذا قيمة ولا اعتبار كبيرين ولكنها ظنت بأنها تؤازره عندما عانى الضغوط ورحلت معه عندما هاجر وان لم يستشرها فقد كان قرار المغادرة مباغتا ولدواع قاهرة وفي لحظة الوداع بكى والدها الامام القمري وهو يحتضنها مودعا ، فعاهدت نفسها أن تجعل أباها فخورا بها وأن تصبر مهما تقلبت الظروف وضامتها الايام لان الصبر هو عين اليقين .

 لم تندم نهلة على الانتقال للاقامة في الدوحة . لم تأس نهلة على فراق اهلها ! كانت تريد أن تبدأ من جديد في عالم جديد كما أنها لم تأس على شيىء آخر في حياتها ! لقد استسلمت لقدرها لانها كانت تنتظر ان تثاب يوما ، بصورة من الصور . نال زوجها الشيخ شمس الدين جنسية البلد ورضا أهله وامتيازات خيالية في ذلك الوقت واستقرت نهلة مع ابنائها في فيلا كبيرة جميلة ولم تزل تنتظر تلك المكافأة " الخاصة " بصبر وتفان  .

بعد سنوات عديدة سعى الشيخ شمس الدين للزواج من أخرى ! خطب احدى كريمات أسرة محلية ولكنهم رفضوا تزويجه لانه لم يكن يلائمهم أصلا وفصلا  ! وتعلل الشيخ أمام نهلة بان الفتاة كانت عانسا وأنها امرأة مسلمة عرضت نفسها عليه عبر اتصال هاتفي ولكن الله لم يقدر الامر. نمى الى علم نهلة فيما بعد أن الشيخ كاد أن يعقد على فتاة ثلاثينية أخرى ؛ احدى الاوانس من المقيمات العربيات لولا أن صادفته عقبات جمة في طريقه فأيقنت نهلة بأن تلك العقبات هي اذاً مكافأتها ! المكافأة التي يمكن انتظارها ! فلم تعد تنتظر شيئا بل تمنت في قرارة نفسها ان ينجح يوما في مسعاه ، الذي لن ينقطع على كل حال .

 

لا يمكنها التكهن بطبيعة نشاط  زوجها الشيخ شمس الدين فهو دائب الحركة والسفر والاتصالات والاجتماعات وكثيرا ما يستدعى فجأة أو يوفد الى هنا أو هناك وكان الشيخ كتوما كبئر بلا قعر .

 تعلم نهلة بانها في بلد ساكن طيب وتلتقي باناس متشابهين ؛ نساء يرفلن بثياب الطاعة ،  لديهن ازواج يريدون عالما مثاليا تطبق شروطه على الجميع في فردوس ارضي الا انها ترى بعينها بأن الاستثناءات قائمة دائما والناس هم الناس في كل مكان يبحثون عن الامن والرزق والاستقرار . لم تشكُ نهلة يوما لزوجها الشيخ أو لسواه  ! لم يك ثمة من داعٍ للشكوى اذ إنه يكن وسطا معاديا بقدر ما كان فظا و مجافيا لذوقها وآحاديا .. وأجنبيا عنها .

كانت نهلة قد تجاوزت الثلاثين عندما قدمت الى الدوحة لاول مرة . لا يرتبط المرء - عندما يتجاوز شبابه - بالاماكن الفاقعة ارتباطا عضويا بل يظل هائما يحوم خارجها لأن أهم ذكرياته ومناماته واحساسه بالزمن نفسه ، مرتبط بزمن في مكان آخر ، المكان الآخر هو المكان الذي غادره عنوة ، المكان الأكثر حدة وعمقا وحفرا في كيانه ، فالذاكرة مكان في المقام الاول ، ذاكرة ذلك المنحدر الى طفولة المرء وشرخ شبابه مطوقا بأبويه وأهله . من نافل القول أن نهلة لم تشعر بالاندماج او الاستقرار الكلي في الدوحة وان اعتادتها وأنست اليها ، بدا الناس من حولها متشككين بدورهم وحذرين وينظرون اليها باعتبارها أمرا عابرا ، ضيفا مكروبا وتائها وقد قاموا باستضافتها وزيارتها والاجابة عن أسئلتها بصبر وتودد لانها كانت زوج الشيخ ولم ينظروا اليها قط لشخصها . لقد ظلت ( حرمة الشيخ  ) ، لقد أكرموها ولكنهم لم يجدوا ما يبرر أن يدخلوها الى حياتهم وأحاديثهم الحميمة لانها كانت ( أجنبية ) وكان المجتمع نفسه يتفتت ويتذرر بمرور الوقت ويتحول الى جزر ودوائر متمايزة .

كان المكان بأكمله أملس محايدا ومريحا لجماعاته، مثل الاقامة في فندق فاخر ضخم . يهتم الناس عادة باختيار الفندق الذي ينزلون فيه لانهم يظنون بان مستوى الفندق يحدد مستوياهم وقدراتهم ويهبهم بعض الرضى عن انفسهم ويمنحهم سبلا معينة وتسهيلات للتخفف من بشاعة الحياة وتجردها من بعض الاساسيات . يخيم نظام الفندق على أنماط السلوك والمرعيات ويدير العلاقات؛ تعقد الصفقات في اللوبي وتحصل على الترويح في منتجعه وتتجول في أروقته ، ولكنهم لا يحملونه في داخلهم ولا يحتفظون بذكرياتهم عنه ! أهم أحداث حياتهم و ذكرياتهم وقعت في خارجه .

ولكن يظل الفندق فندقا ! مكانا لكي تسجل اسمك وتحدد محل اقامتك وتحتفظ بحقائبك ومتعلقاتك في الأمانات أو في الاجنحة أو الغرف التي تستخدمها للمبيت وقضاء الحاجة شأنك شأن كل النزلاء الاخرين

كانت الحياة تنساب كالرمال بين الاصابع ، بحكم العادة المزمنة ، كأمعاء منتفخة بفضلاتها منذ أسابيع ،  الاولاد يدرسون ويكبرون ويتزوجون وينجبون ولم تكن نهلة من النوع الذي يعقد خيوطا عاطفية سميكة بينها وبين ابنائها . كانت تسمح لهم بالتعبير عن وفائهم بطرقهم الخاصة لان ذلك يسمح لها بالتحرر من اعباء الحضور الدائم لانها كانت تهرب الى نفسها ، الى عزلتها  .

يسكن آل شمس الدين ، اليوم في حي جديد راق ، في بيت كبير ذي حديقة واسعة ، سميت الشوارع حوله باسماء غريبة ومربكة وبلا معنى. بيد أنها شوارع هادئة بلا ضوضاء ولا عابرين تحيط بهم في المنطقة عدد من الفلل التي تشغلها عيادات ومراكز ومكاتب لمؤسسات تجارية. وفي السنوات الاخيرة نزل الشيخ على رغبتها في شراء شقة في المحلة حيث يقطن أهلها وسجله باسمها لانها اصبحت تفكر في المكان الذي سيوافيها العجز و الموت فيه . وكان للشيخ عدة عقارات منها شقة في لندن  سجلها باسم ابنته الكبرى تهربا من التضييق والموانع الاجرائية على شخصه ونشاطه الديني وكان الشيخ شمس الدين رجل اعمال براغماتيا ميالا الى اتخاذ التحوطات اللازمة وكان يفكر بالمستقبل وينوع استثماراته بعيدا عن المتناول وفي بلاد آمنة وكانت شقة لندن مفتوحة لمن يمر عابرا من الاسرة أو يقيم هناك اثناء دورة أو دراسة أو عمل أو علاج  .

كان لنهلة نصيب محدود جدا من الدور الذي أملته في حياة الشيخ حتى عندما ارادت ان تؤلف كتابا حول تاريخ مشاركة العضوات الناشطات في تنظيم الدعوة ، تدخل الشيخ مماطلا ومسوفا واعترض على عدة محاور وردت في الفصل الاول من مشروعها السيري وبعد أن تأمل في ملاحظات سكرتيره ، لانه لم يقرأ الفصول شخصيا ، أبلغها بقراره بضرورة تأجيل طباعة الكتاب لان الوقت حرج ! ولأن الامور تُقرأ في المجتمع التقليدي بصورة بالغة الحساسية وتسىء الى وضعه ! هكذا قال لها وهو يبلل شفتيه بلسانه ويمسح لحيته باحدى يديه ويفرك بالاخرى جبهته. وكان الوقت دائما حرجا ! لم يسهب الشيخ اكثر في الشرح ولا يمكنها ان تلومه ! ومتى لامته على شيىء ؟ تعلم نهلة بانه مقيد اليدين ويتعين عليه مراعاة الكثير من المسائل وقد عانى الشيخ من  بعض التحجيم  لفترة في السنوات الماضية فخسر مركزا كان يشرف عليه و تخلى قسرا عن التدريس تحت وطأة ضغط اللوبي المتعنت ، الطاعن على منهجه ، وذلك بعد أن أثيرت ضده احتجاجات متتالية ، بل لقد تعرض ولم يزل للكثير من الاشاعات المغرضة فيما يتعلق بجوائزه وثروته التي يضخمها الحاسدون وما اكثرهم . تثق نهلة بأن الشيخ  يعرف كل شيىء ويحسن تقييم الامور وبانه لم يزل يقاوم صامدا وسط مزاحمة متنامية ومنافسة تقوى وتزداد شراسة يوما بعد يوم  .

 لم يفل عزم الشيخ ولم يكل في علاقاته المتشعبة ، لم يزل يجتمع اسبوعيا في صالونه طائفة من المشايخ وطلبة العلم ورجالات البلد من الوجهاء من ( عظام الرقبة ) وسائر الاعضاء ، اغلبهم تجار ورجال اعمال واولئك لا غناء عنهم لكسب تأييدهم المعنوي وتمويلهم السخي لمشاريع الخير واغراض الدعوة فضلا عن ارتباط الشيخ باستثمارات حرة في مصارف ومجموعات ومؤسسات لا تخلو من قسم للفتوى الشرعية أو تحمل لافتة الحلال والحرام . لا يني الشيخ يتواصل مع الناس ويجمعهم حول شخصه ويكسب ودهم حتى انه كلف سكرتيره بجمع المقالات التي تتناوله في الصحف ويطلعه السكرتير عليها بانتظام واختصار ويقوم الشيخ بنفسه بالحديث الى اصحابها ، بعد ان يطلبهم السكرتير على الهاتف ، وهم من الاقلام المشايعة له والمدافعة عنه ضد خصومه ويتحدث اليهم الشيخ بنفسه بكل تواضع واهتمام ، وتُدرج اسماؤهم في قائمة المريدين والاتباع لان الشيخ لا يفرط في محبيه ولا يستخف بهم .

 

 

 

جرى كل شيىء على المنوال ذاته مطموسا وباهتا وخاليا من المعنى !

حتى دخلت تلك الادمية حياتها فاصاب حياتها مسا من تيار كهربائي رجها رجا. تيار حمل اليها  توترا وتوقعا وحيرة !واصبحت لا تدري ماذا تفعل بدونها . اي جنون هذا !

اكتنف حوارهما نوع من الحميمية والحنان ، ذلك الحنان مزيج من المداراة والاعجاب والتعلق ، النوع الذي تحتاجه امرأة وحيدة مضى من عمرها أفضله ولم يعد ثمة ما يحصد غير مرارة الذاكرة الانتقائية امرأة قررت ان تترك الحياة لانها لا تستطيع مواجهتهاأو ربما لا تريد مواجهتها اذ انه لم يك ثمة مكاسب تتطلع اليها في الحياة  .

في تلك المرحلة من عمرها لم تظن نهلة انها قادرة على ان تتوهم شيئا  ! أو تتعلق باي شيىء في عالمها . لم تعد تهتم باي امر او تراه مهما أو لافتا أو .. مسليا وجذابا

فقدت حاسة الحياة كما قد يفقد البعض حاسة التذوق أو الشهية عندما يتعرض لقص جزء من معدته أو يصاب بمرض في لسانه أو مريئه . لقد كابدت الكثير في حياتها ولديها كل مبرر للشعور بالغضب والكراهية والحقد نحو الاخرين ونحو نفسها وكثيرا ما ألقت على الآخرين الملامة وعلى ظروفها وأحيانا على نفسها .

لم تعد نهلة تفكر في الامور الصائبة والمناسبة والمهمة لم تعد تكترث بالتفكير الصحيح والانتماء الى الافكار التي نشأت عليها وقدستها حول معنى الحياة وغاياتها ! كلا لم يعد ثمة وقت لذلك لم يعد لديها طاقة ولا صبر. و اخشى ما تخشاه ذلك الالم وتلك الحسرة ، اللتين تلفان مشاعرها وهي تنتظر اتصالا من كنتها . بدلا من ان تستفرغ الكنة جهدها لخدمة حماتها صارت الحماة تنخرط في جهود مضنية للفت انتباه الكنة وكسب ودها . 

ارادت الحماة ان تشتري حب كنتها فأغدقت عليها العطايا ؛ عطور غالية وعباءات فاخرة ، اطعمة وشوكولا ، اجهزة ذكية . كانت تبتاع لها سرا كل ما يجىء ذكره على لسانها عرضا وتقدمه اليها بصورة مفاجئة في اليوم التالي .

كانت الكنة شابة ومفعمة بالحياة تتحلى باللباقة والكياسة بيد أنها قاسية وأنانية ومشغولة بنفسها ،  تتدفق في حديث المستقبل والتغيير والعمل الدؤوب وصنع الفرق . وكانت خائفة ومتلعثمة وهشة لم تحمل رؤية واضحة ولم تعرف أي عالم تستقبل ولم يكن مشروعها الخاص سوى خطط فضفاضة لايهام نفسها بانها لن تبقى على ما هي بعد عشر سنوات وكانت تقع لها انتكاسات نفسية مزرية بين الحين والاخر وتشعر بالاحباط التام وعندئذ تلجأ باكية محبطة الى حضن الحماة التي تواسيها وتبثها كلمات التشجيع وتزين لها وتعدها بأن تدعمها في انجاح خططها وتكذب عليها كثيرا وتخبرها بان كل شيىء سيتغير وأنها ستملك مصيرها وستصبح أكثر قوة وان الظروف قابلة للتعديل وانها ترى منذ الان ان كنتها ستصعد وتتصدر وتعتلي مكانة كبيرة  .

 

كانت الحماة تقول لنفسها انها تحسن صنعا بمساعدة كنتها الصغيرة ، تلك التي لا تعدو أن تكون خامة نقية بريئة . بريئة كبراءتها ، وكأنما تشاطرها في أمور عديدة منها عدم القدرة على مواجهة الحياة لوحدها ، الحياة كما هي فجة ومكرورة وماسخة .

لقد كانت الحياة لكلتيهما كالأعمال الشاقة ، كالمهام العقابية المفروضة دونما أي غرض أو هدف خلا الحاق أكبر الأذى بكرامتهما وسعادتهما الشخصية .

 كانت الحياة ثقيلة ومستحيلة حتى التقتا . وجاء دخول كنتها الى حياتها باعتباره امرا داهما ! أمرا مفاجئا وغير متوقع . لقد وجدتها ولابد أن ثمة سبب وراء ذلك .

لاشك أن الحماة أدركت في محطة ما بأن سمية ليست سوى فتاة متحمسة مندفعة بيد أنها عديمة المواهب فعليا . ولابد أن عاطفتها كانت أكبر من تجعل ذلك الأمر عائقا أمام اسعاد سمية وتشجيعها وكانت معجبة على الخصوص بطموحها وطريقة تفكيرها برغم محدودية الامكانات .. الا أن الحظوظ في نهاية المطاف هي من يتحكم في منعطفات الحياة ومآلاتها .

لعل نهلة نفسها ارادت في شبابها ان تكون شيئا آخر غير ما آلت اليه ولكن الظروف لم تسعفها ولم تخدم كل نساء جيلها على كل حال ! وكذلك سيكون حال سمية في غالب الامر لكنها لا تقوى على اخبارها بذلك. انها مختلفة عن بناتها ، مختلفة ومتوقدة وفائرة تنطلق أسئلتها عفوية صاخبة ومتلاحقة . انها الشباب ذاته بيد ان بناتها الشابات على سبيل المثال لسن مع ذلك على شاكلتها .

لقد استأنفت نهلة الحياة منذ اتصال اللقاءات بينها وبين سمية ومنذ أول لحظة اتفقتا على جملة من الامور، انهما متطابقتان تقريبا ، وانهما توأمان بالروح ؛ كلتاهما تدرك بأن هناك حياة فعلية أخرى بعيدة عن متناولها .

وكانتا تريدان الانخراط في بعض الشؤون الخيرية والتوعوية في محيط النسوة في المجتمع وقد قادهما النقاش الى الاستنتاج بأن الجمعيات الخيرية لا تتيح للنساء المشاركة الفعلية ولا تشركهن في مجالس ادارتها بل تستخدمهن فقط للتغلغل الى عالم الحريم لشفط التبرعات المالية لان النساء أكثر سخاء في قائمة التبرعات فلديهن قابلية أكثر للتأثم والرغبة في التكفير عن ذنوبهن القدرية واقنعت سمية حماتها بانهما ان استخرجتا ترخيصا لمركز تحفيظ ، وهو القناة الوحيدة المتاحة للعمل الاهلي ، فإن بامكانهما ان تنظما انشطة ودورات تخدم الشريحة المستهدفة من النساء الغافلات، بحسب رؤيتهما وتشخيصهما لاحوال النساء وحاجاتهن وكانت الرؤية التي وضعت ، تبدأ من محو الامية الى تعليم مهارات اولية ودورات لغة وحاسوب وصولا الى انشاء مشغل كامل ملحق بالمركز واقامة معارض لمنتجات النساء الماهرات ثم مساعدتهن لاقامة مشاريعهن بالاعتماد على التعاون مع مراكز تسويق تجارية .

وقد اكدت نهلة لسمية بأن المحال الكبيرة والمؤسسات التجارية متعاونة وسهلة الاقناع بالمشاركة في الاطباق الخيرية التي يذهب ريعها في العادة لمناطق الازمات والنكبات وكانت الاثنتان منغمستين في رسم مخطط الدورات وخطوات استصدار الرخصة ووضع قائمة بالمؤسسات المرشحة ولفت انتباه نهلة ان سمية برغم صغر سنها وقلة خبرتها فانها لم تكن فتاة حالمة تماما فقد شرعت في الاتصال ببعض رؤساء مجالس الادارات في مؤسسات خاصة تسألهم العون و المشورة والتزكية ، منبهة الى اسم أبيها الشيخ ظفر واسم حموها الشيخ شمس الدين ، وكان لذلك اكبر الاثر في حسن الاستقبال والتعاون ، وكانت سمية عموما دائبة الحركة والانشغال .

وقد انطوت بعض الخطوات على ضرب من المغامرة  فتكمتا على خططهما وتحركاتهما  خشية الفشل وخشية اعتراض الشيخين أو تعنت بعض افراد الاسرة .

 

 

بدت سمية مغمومة طوال السنة الاولى من زواجها وكانت تبدو في غاية التقلب والتعاسة وما ذلك كله بالطبع الا لانها فتاة مختلفة ، الا أن نهلة كانت بالطبع عازمة على ان تساندها في قضيتها ، أيا كانت تلك القضية ، وكانت نهلة مدفوعة بأسباب عديدة الى أن تجعل كنتها قريبة منها وفي أمس الحاجة اليها والا تستغني عنها

وكأنما علمت الكنة انها تستطيع الاعتماد على حماتها بل تستطيع التلاعب بها فذلك الامر لم  خفيا ولا صعبا  وهو ما كان محط انتباه الجميع على كل حال فقد حرصت نهلة بشكل واضح وصريح على ان تكون المتعهد والراعي الرسمي لأفكار سمية وكانت ظهيرا ممتازا ومدافعة متحمسة لاي فكرة او اقتراح أو نزوة لسمية ظفر .

اتسمت حواراتهما الخاصة بالصراحة والمباشرة وكانت الكنة تبدو عفوية ومندفعة في مصارحاتها حول أفكارها ورغبتها في الانطلاق وطموحها في شق طريقها وخططها الصغيرة في جدول قراءات واكمال دراستها العليا والاشتغال بالتدريس الجامعي وتأجيل انجاب الاطفال.. ولائحة من المشاريع.

وبمرور الوقت شعرت نهلة بان ابنها لا يستحق تلك الجوهرة . لقد اتضح لها مبلغ البلاهة والسطحية والضحالة التي يغرق فيها ابنها قياسا الى كنتها التي تحمل نفسا كبيرة وروحا مفعمة بالاحلام والتطلعات ونبلا وسموقا . لا شك بان تلك الفتاة المتميزة اظهرت لحماتها انها تحمل بين جوانحها مشاعر عارمة واهتمامات كبيرة وفرضت عليها ان تشعر نحوها بالاحترام

كان ثمة رابطة تكبر بينهما بامتداد الاحاديث والمكاشفات المتبادلة ! نعم المتبادلة فقد كانت نهلة ايضا بحاجة ماسة الى انسان ودود شغوف يستفز مشاعرها وافكارها وذاتها القديمة النائمة ولذلك افصحت لكنتها عن مخاوفها وآلامها وخيباتها ، وبالرغم من سلاسة الاحاديث وترابطها وتوغلها بصورة طبيعية الا ان الامر بدا في أحايين كثيرة مشوشا وغير منطقي وغير صائب.

لقد تغيرت الحماة جذريا !

غيّرها كل ذلك الاهتمام والحبور بمرآى الكنة والاحاديث الصباحية والمشاوير والاتصالات المستمرة والرسائل النصية بينهما . غيّرها كل ذلك الاهتمام وايقظ مشاعرها للحياة واصبحت تشبه كنتها الشابة ، تتحدث بحماس وتخطط للالتحاق بدورة ما هنا ، وتريد ان تجرب بعض الامور هناك واصبحت فجأة من المعجبات بدورات الطاقة العاطفية واصبحت تقرأ لنعوم تشومسكي وعبد الله الغذامي وتحاول أن تفهم ماذا تعني الحداثة والنسق والبنيوية .

كان هناك بعض الاستغراب والاستخفاف من أبنائها وحتى بعض التفكه بما طرأ على حال العجوز ولكن أحدا من أبنائها لم يكترث بما تقوم به نهلة القمري وما يعن لها وما تنويه او لا تنتويه . كان هناك بعض التململ والامتعاض من بناتها لانها تتغيب وتعتذر عن بعض المناسبات واهملت بعض العادات التي كانت لصالحهن كما ان حدبها ورعايتها المفرطة للكنة اثار غيرة بناتها لاسيما الصغرى منهن وبخاصة عندما لوحظ بأن نهلة تغدق الهدايا الفاخرة بمناسبة وبغير مناسبة على الكنة المدللة .

 

وقع تراخ  في علاقتهما في منتصف السنة !

 جرى بعدها تحول سريع وهبوط مفاجىء في علاقتهما وانطفاء واضح مع بداية السنة الثانية . و شرعت سمية في الانزواء وتلاشى حماسها للمشاريع وقائمة الخطط و لم يكن وراء ذلك ولادة طفلتها .  كان ثمة شيىء آخر !

لقد رأت سمية حماتها تركن اليها كثيرا وقدّرت ذلك الا انها شعرت بهيمنتها وملاحقتها تخنقانها وسرعان ما اصبح ذلك الحب كابوسا ! حين أغدقت عليها حماتها الهبات واثقلت عليها بالعاطفة المتدفقة صارت متطلبة كثيرا وتفرض عليها ما ليست عليه ، وصارت تلجأ الى عقابها بالانتقاد والجفاء والمخاصمة ثم تتساهل فتستميلها بالهدايا مجددا .

 تنفر سمية من العلاقات الضاغطة ، تفر من الناس الذين يفرضون حمايتهم ووصايتهم ويندلقون عليها بالحب ويلاحقونها بالاسترضاء أو الانتقاد .

لقد ارادت نوعا من المؤازرة والتنفيس فحسب . ربما أرادت جسرا الى آمالها ربما تلاعبت في مشاعر حماتها ولكنها لا تشعر بأي ندم ! انها شابة و صغيرة  .. ومعزولة عن الحياة الحقيقية وأسيرة ومنقادة لسواها .. ولكنها تعرف أمرا لا ريب فيه : لن ينقذها من محدودية النظرة والتضييق والاحكام العاطفية والوصاية باسم الحب .. سوى الحب ذاته ؛ الحر الحب الصافي .

 

لم تعد الكنة تهتم بشأن حماتها وكأنها زالت عن الوجود؛ لم تعد تزورها ولا تتصل بها ولا ترد على اتصالها الا متأخرا وكثرت اعذارها اعذار تافهة واحيانا لم تكن تلجأ حتى الى الاعتذار بالرغم من انها كانت لم تزل تعاتب حماتها اذا لم تتصل بها او اهملت الرد عليها فيما لو عنّ لها أن تطلب شيئا تريده .

تقرر سمية أحيانا أن تنسحب وتنزوي بعيدا عن الجميع وتنطوي على نفسها  وتنفر من لقاء الناس لاسيما حماتها ولا ترد على اتصالها وعندما تتواجهان لا تحير جوابا عن سؤالها ولا تكف الحماة اللحوح :

ما بك ؟

لا تهتمي انا بخير . تعتريني فترات من الضعف والحزن

وكانت الكنة تشكو وتشكو وتئن وتقول بانها وحيدة وضائعة وفي غاية السأم والضيق وانها تريد ان تترك لحالها ! 

ولكن كان ثمة شيىء في عينيها ، شيىء لا يمكن الافصاح عنه ، شيىء يشبه البهجة الغامضة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-2-

 

وضع أنس ( الأي باد) مفتوحا امام امه نهلة القمري وقال لها : تفضلي .. شوفي عمايل الست سمية  .. واحكمي بيننا

وكانت على الشاشة مراسلة على الماسنجر بين سمية وشخص يدعى امين كريم .

واهتزت الكلمات امام عيني نهلة . قرأتها بروح مضطربة ورأت أمامها بلا مواربة  ، كلمات حب وعذاب.ولم تسمع حينئذ سوى وجيب قلبها . لم تعد قادرة على سماع كلمات تهديد الزوج بان يفعل ويفعل وأن يفضحها امام أبيها واخوتها ولم تعد تنتبه لبكاء سمية وتوسلاتها . جثت سمية أمامهما وتفجرت الدموع سخينة مدرارة من عينيها وبكت واعتذرت لهما وكررت بانها ليست سوى هفوة ! غلطة لن تتكرر، وامر عابر ، زلة ومن ذا الذي لا يزل ! وانها لا تعرف ذلك الشاب جيدا . لا تعرفه ولم تره في حياتها وليست مرتبطة به وانه مجرد شخص يلاحقها  . دفعها اليه الملل فقط ارادت ان تتسلى فقط لانها شعرت بانها ضيقة الخاطر ومكتئبة بعد الولادة . وبكت سمية كثيرا وبدت صادقة ومخلصة و كانت بادية الضعف والهزال في تلك الفترة .  

مست نهلة رأس سمية مسا خفيفا ورفعت سمية اليها عينيها الدامعتين وانبعث صوت نهلة رفيقا .. شامخا : يا مسكينة !

ولم يسعفها كلام آخر .

انطلقت من صدرها انة مكتومة . اطرقت للحظات وتجعدت تعابير وجهها بألم ونظرت الى سمية متفحصة مرتابة ثم ارسلت نظراتها بعيدا عنهما وقرع سمعهما صوت خطواتها السريعة المضطربة . انصرفت دون ان تودعهما بكلمة . انصرفت هاربة .

ابتلعت الحماة الصدمة وابدت تعاطفا باردا مع نزق سمية وسذاجتها الا انها تنحت جانبا وكان ذلك لصالح سمية في نهاية المطاف لان زوجها رآها وحيدة ومهيضة الجناح وبلا معين حتى امه تجنبتها كما انه اراد ان يسامحها فكأنه شعر دائما بأنه لم تكن لتحبه  .

طعم الخديعة في فم نهلة كان هو نفسه على لسان سمية التي كانت تجحد أمين وتتشبث به في الوقت ذاته وكان الزوج نفسه مخدوعا ايضا الا انه أغضى عن خطأ سمية لانه اقنع نفسه بانه يمتلك زوجته وان الاخر ليس الا متسلل دخيل.  لقد أخذ سمية الى محكمة أمه لان أمه الرؤوف العطوف ستقف بينهما وتخفف من تصعيد الحادث . كان يتوقع ان امه اكثر شخص ينحاز الى زوجته وانها الراعية التي ستقف معها وتدافع عنها وتتوسط بينهما فتدعوه الى التريث وتدعوها الى التعقل بل تأمرهما بذلك وتحض سمية على الندم والاستغفار وحين تضغط عليه امه لكي يصفح فانه سوف يضطر الى التسامح مع تلك الغلطة الفادحة استرضاء لامه لكيلا تظن به سمية الضعف والتهاون انه يريد ان يكون شهما ولكنه ليس مستعدا لان يظهر حبا وتمسكا بزوجته ولكن موقف امه الانسحابي اوقعه في الحيرة وخيب ظنه فقد نفضت نهلة يدها وقالت لهما : لا شأن لي !

 لحسن الحظ ، حظ سمية أن أنس وقع على مراسلة عادية لم تمحها سمية سهوا ولم يقع  على مراسلات اخرى أقدم عهدا ، كانت أشد وقعا في مستوى المكاشفة والحرارة .  في تلك المراسلة المحفوظة كان الكلام بين الطرفين متحفظا وظهر الرجل الاخر بصورة متملقة ومجاملة يبدي اعجابا بشخصيتها وتفكيرها و يزين لسمية ايجاد مخرج من عزلتها وكآبتها بتوجيه تفكيرها الى نواح عملية وطفقت سمية تتكلم بحزن وتذكر بانها تكره حياتها وتشعر بالفراغ .

 

 

لا تعلم نهلة متى تحول التنافس بين الشيخ شمس الدين والسيد كريم الى خصومة ولكن جذورها بالتأكيد كانت اقوى وابعد من تلك الدردشة المنحوسة على الماسنجر بين ابن غريمه الايديولوجي وزوجة ابنه الخرقاء .

لقد اهتزت مكانة الشيخ شمس الدين منذ فترة ! كان مهددا بتضامن عدة عائلات وفدت على فترات متقاربة واتسقت مواقفها ، مواقف عدّها الشيخ  ذات طابع عقدي مغال و متعنت نظرا لانتقادها المستمر لدوره وفتاويه وظهوره وكان الشيخ يتحسب من أي تحشيد متنام يجري من تحت الطاولة .

 لقد كانوا يحسدونه بلا شك ! كلهم يعدون عليه مكاسبه ونجاحاته ينفسون عليه كل ما أنعم الله به عليه من علم وأهل واستثمارات ! بل وحتى السيارات التي يركبها ابناؤه والهدايا والجوائز التي نالها باستحقاق ويشككون في نشاطه وفي المؤسسات التي شارك في تأسيسها وقيامها واستمرارها ويشرف على تنظيم اعمالها

كان الصراع خافتا باهتا لان ثمة تحييد للصراع او بالاحرى لتفريغ الساحة من الصراع وتركها نهبا للتنازع حول الحصص فقط  .

وكانت خطوة غير موفقة تلك التي اغرت الشيخ بالشكوى بان ابن السيد كريم يسعى للتغرير بكنته ، دون ان يضع اعتبارا لمشاعر ابنه او بناته ولكن محاولته باءت بالفشل فقد تجوهلت الشكوى ونأت السلطات بنفسها عن التدخل.

وكان يوما بائسا عندما التقوا مصادفة بالبروفسور كريم وعائلته في مقهى شهير في بون وكان الشيخ منتظما في علاج بعض اعضائه  وتفادى الجميع النظر الى بعضهم البعض بالرغم من ان الطاولتين كانتا متقابلتين لا يفصلهما عن بعضهما البعض سوى ممر ضيق ولم يسلم احدهما على الاخر ولو بمجرد التلويح باليد واضطرت نهلة التي كان مقعدها في مقابل السيدة نسرين الى التظاهر طوال الوقت بالتوعك ووضعت كفها على جبهتها مدعية ما يشبه الصداع لكي تحصر نظراتها في طبقها وفي زوجها الشيخ العابس بقنوط بينما كان يمضغ مزمزما ومزمجرا بلا سبب .

 

        بدأ أنس بعدها ينسج شكوكا حول سمية . يتسلل وراءها . يباغتها بدخوله . يسير على اصابع قدميه ليفاجئها . يفتش جوالها . يقفز امامها اعتباطيا في اي وقت . يطل في الشاشة بينما تستخدم اللاب توب أو الاي باد و يسالها متعجبا لماذا تضع رمزا على نقالها وكأن لديها أسرارا أو يسألها من هاتفت اليوم ومن راسلت ؟

أنقذها الحمل ، والتعلل بالوحم لكي تبتعد عنه لكي تظهر العبوس والضجر علانية فلا يسألها : مالك ؟ لكي تظهر الالم ولا يتهمها بانها تتألم لسبب آخر ، لكي تبات عند أمها فلا يستطيع منعها . وهي تشعر بالذنب تجاهه احيانا ! عندما يبدي قلقه صادقا ويسعى الى ارضائها ويأخذها الى العيادات الخاصة عندما تشكو أبسط عارض ويتساهل معها في امور الفراش و يتحلى بكل ما يتحلى به الرجل عادة من تملق محسوب ليقينه بالحصول على مقابل مكافىء في آخر الشوط. 

لقد أحبت ذلك الرجل الآخر ! أحبت أمين كريم ، لانه انتشلها من ذلك المستنقع الذي تتخبط فيه ولكن انتهى بها الامر ايضا الى الاعتماد عليه ولذلك عمد الى التملص منها فازدادت تشبثا به وملاحقة له .

تشعر سمية بانها كانت تبحث عنه طوال عمرها فهو الصديق والعاشق الذي تريده وتحلم به وهو يفهمها ويقدرها وهي تظن بأن افكارهما متطابقة ، أو قابلة للتطابق لانها تثق في رؤيته وتهتدي بها  .

 تحب أمين وتريد ان تتحدث عنه وعن مشاعرها نحوها وافتقاده وخشيتها من فقدانه و.. وكل تلك الامور ولكنها لا تتمكن من ذلك ولن تتمكن ابدا من ذلك !  ولذلك فقد اختارت سبيلا ملتويا في الحديث عن الحب مع حماتها حين سالتها مرة :

هل احببت يوما .. الحب الذي يحكون عنه في الروايات ؟

ولاول وهلة ارادت الحماة ان تقول نعم وان يكون لها فعلا تجربة ! اي تجربة معقولة تصلح للحكي ولكنها خشيت ان تتورط عندما تبدأ الكنة في الاستيضاح فقالت : لا

بالرغم من انها في تلك اللحظة كانت تشعر بانها قد عرفت قطعا الحب.. ايضا مثل اولئك الناس في تلك الروايات

قالت سمية بمسحة من الالم العميق على ملامحها: اظن ان بداخلي امراة عاشقة هل تفهمينني؟

واجابت الحماة بسرعة : نعم.. طبعا.. افهمك .

لقد استحوذ على ذهن الحماة حينئذ فكرة ان تكون مثل كنتها امرأة مستعدة وراغبة في الحياة.

 

صارت سمية خاضعة لأنس أكثر فأكثر تسكينا لغضبه واسترضاء لنزواته وامتنت له لانه لم ينفذ تهديده بفضح أمرها أمام أبيها واخوتها . اصبح يدل عليها بمعروفه و يمن عليها لا بالكلام بل بمجرد أن يحدجها بنظراته التي تنغرس فيها فتنكس راسها وتتطامن بعد ان كانت نافشة ريشها . اخبرها بانه قرر انه لا يؤيد ان تستمر في نشاطها خارج البيت وطلب منها ان تنسحب من الفصل الدراسي الجامعي فهي ليست بحاجة الى العمل . هل اراد أن يقلص حركتها ام اراد معاقبتها ؟

ومرت فترة الجفاء بطيئة ثم هدأت الامور بطبيعة الحال بين الزوجين وتصالحا . لم تغب الواقعة عن ذهن الزوج لكنه استغلها لاذلالها بينما أصبحت سمية مهتاجة وحادة المزاج وسريعة البكاء . لم تعد تستطيع النوم أو مزاولة اي عمل باقتدار حتى لو كان عملا منزليا لانها لا تستطيع ان تصرف تفكيرها عن رغبتها في رؤيته والاستيثاق من مشاعره نحوها ولسوف تتصل به مهما يكن ذلك خطرا ولسوف تذهب الى رؤيته مهما استدعى ذلك من مجازفة .

 

كلهم شعروا بطعم الخديعة وابتلعوها ؛ الزوج وأمه وسمية وأمينها ، بيد أن احدا منهم لم يكن ليفكر فيما  يظنه الاخرون أو يعانونه ! كل منهم طوى جنبه على ألمه و لم يجل بخاطر احدهم ان يبرر ما جرى له أو ما جناه من اذى على سواه  !

 لم يفكر اي احد منهم كم كان يشعر الآخر بالخيانة أو الخديعة . الخديعة التي شعرت بها نهلة لم تكن لتستطيع التصريح أو التلميح بها وقد انسحبت نهلة من حياة الزوجين وانسحبت حتى من ..حياتها . الحيرة والعذاب اللذين تلبسا قلب سمية تراكمت ظلالهما على روح نهلة وجسدها فلا تستطيع ان تصرخ ألمها وكل تلك الجوانب الاخاذة في شخصية سمية وتلقائيتها الملائكية تكشفت عن محض نزق واستبداد وأنانية ! الحماة التي كانت تلميذة مطيعة ووديعة لكنتها استاذة العشق لن تستطيع ان تقتفي اثر الكلمات البراقة لان الحب في حالتها لن يخلف ذكرى لطيفة وجميلة بل قصة مخجلة ومحزنة.. ينبغي ان يلفها النسيان !

 

 

أما أمين فمن كان ليفكر بأنه كان يشعر بالخديعة .. أيضا  !

تربى أمين في وسط أكثر انفتاحا لابوين عاشا في كنف نظام بعثي ، قبل قدومهما الى هذا البلد بعد أزمة معقدة ، ومنح ابوه وبالتالي جميع افراد الاسرة الجنسية مع الاحتفاظ بجنسيته السويدية التي يعتز بها كثيرا والتي نقلها الى زوجته و ابنائه  . كان أمين يتنقل كثيرا بين الدوحة واوربا ويعيش عمليا في باريس في شقة صغيرة امتلكها بفضل شراكة ناجحة هي سر اعماله الخاصة المزدهرة .

التقى أمين بسمية في مؤتمر دولي أقيم في فندق كبير بالدوحة. جاء متأخرا وجلس على أقرب مقعد شاغر في الصفوف قبل الاخيرة تقريبا لانه لم يرد ان يلتفت الانتباه الى حضوره المتأخر . بعد أن اسند حقيبة اوراقه الى قدميه ومشط باصابعه شعره الاشعث انتبه الى السيدة التي جلس الى جوارها . لمح بنظرة جانبية خمارها وجلبابها الفضفاض ووجهها المدور المنمش قليلا سألها متى بدأ المحاضر ؟ التفت اليه متثاقلة وقالت بجفاف : ما اعرفش

لاحظ تململها التفت اليها : آنسة ازعجتك ؟ رايدتني اقوم من مكاني ؟

ردت عليه دون ان تحول اليه جانب وجهها : براحتك

اعذريني ما سالتك... المقعد محجوز لاحد ؟

لم تجب . والتفت حواليه :

وداعتك ! ما كو مكان ثاني الا يمك .. رايدتني اقوم ؟

لم ترد عليه .

قال بعد هنيهة :

  آني من اشوفج ضايجة آني اضوج من يمي .

ايه؟

دا نحجي عربي

متأكد ان دا عربي

 قال لها : كاتلني الفضول آنسة .. أنتِ طالبة والا موظفة في لجنة المؤتمر ؟

بتسأل ليه ؟

والتفت نحوه وكأنه وجه اليها اهانة بالغة

العفو آنسة .. آني دا اسال بس

واحتقن الدم في وجهها واضطرب أمين قليلا . أراد أن يعتذر ولم يعرف كيف يقول . أردف برقة :

يعجبك المحاضر الاستاذ كريم ؟ ..اللي على المنصة ؟

لا

وأفلتت منه ضحكة صغيرة :

ول ! هيشي يم ! ممكن أسأل ليش ؟

ولما طال صمتها أردف بلين وأدب : يهمني اعرف

بيقول كلام فيه مبالغات ..وفيه تضليل !

قال باسما :

بابا ..على فكرة يعجبه النقد

وندت عنها شهقة صغيرة :

ابوك ؟ .. الاستاذ كريم ؟ .. انا والله .. ما كان عندي فكرة

وضحك : خلاص تعادلنا ! وحدة بوحدة .

اسمعي آني عندي ورقة مشاركة.. باقدمها باجر ... تحضرين ؟ آبي اسمع رايج

مش عارفة

ترى موضوعي يهمك

ايه موضوعك ؟

عن المرأة .

 

 

حضرت سمية في اليوم التالي ، نقبت عن سبب يبرر حضورها فلم يسعفها تفكيرها . لم تجد سببا ولا عذرا غير انها تود الحضور ، حضور تلك الندوة التي سماها أخوها (مؤتمر العلمانيين) واضطرت لاختلاق موعد مع طبيبة الاسنان وغادرت متعمدة في وقت مبكر لتتفادى مرافقة أختها أسماء، تعللت بأنها متأخرة وخرجت سريعا تتبعها دعوات أمها  الحاجة ووصاياها . أنزلها سائق البيت عند واجهة المجمع الطبي وكان هناك الليموزين الذي طلبته ينتظرها . صرفت سائقها ودخلت أمامه بوابة المجمع الطبي ثم خرجت و استقلت الليموزين بسرعة وارتباك بعدما لبست نظارة سوداء وتلفحت وشاحا رماديا فوق حجابها الاخضر .

بعد انتهاء أمين من تقديم ورقته التي استغرق ملخصها ثلاثون دقيقة تلا ذلك ربع ساعة  لتعقيبات سريعة باهتة وانفض الحضور لاستراحة قصيرة وكادت سمية أن تهرع الى بوابة الخروج  لولا انها شعرت بأنها ينبغي أن تخبر أمين بملاحظاتها .. ألم يطلب حضورها ؟ ألم يهتم برأيها ؟ ووقفت حائرة لا تستطيع ان تعزم أمرها بينما تنقل نظراتها بين الندل وموظفي السكيورتي واعضاء اللجنة المنظمة وحركة الاشخاص الغادية الرائحة . خرج المدعوون من عدة بوابات متفرقين وهم يجمجمون ويسعلون ويهزون رؤوسهم لسبب أو لآخر . وعندما رأت أمين يخرج مطوقا ببعض الاشخاص حولت نظرها بعيدا بحرج لانها لم ترد أن تبدو وكأنها تنتظره ! وسارت نحو الممر متثاقلة ، سمعت خطى حثيثة وراءها التفت لصوت مألوف يقول لها : وين رايحة ؟

وقفا متقابلين وهذه المرة نظر كل منهما الى الاخر بصورة أوضح . تبلغ سمية الخامسة والعشرين الا انها بدت اصغر من عمرها بسبب تدويرة وجهها الودودة وحاجبيها الكثين. بياض وجهها مشرب بالحمرة  الدافقة ، انفها منمش قليلا وشفتاها رقيقتان وشاحبتان ولم تكن تضع أي مساحيق تجميل . كانت اقصر منه واكثر امتلاء ترتدي قميصا فضفاضا طويلا بلون زيتوني وتحته تنورة طويلة سادة  وكان هو يلبس بنطالا من جينز و سترة من التويد مع رقعتين عند الكوعين مثل اساتذة اكسفورد والجامعات العتيقة حليق الوجه بارز الوجنتين وعيناه رماديتان رقيقتان وشعره أجعد كستنائي متناثر لكي يخفي فراغات من الصلع في مقدمة الرأس وجانبيه بالرغم من انه لم يتجاوز الثلاثين .

خاطبها أمين بألفة ثم اقترح : تعالي نشرب قهوة باللوبي ..

وتعللت فورا بانها مشغولة . قال لها مرتابا متهكما : مشغولة ؟ كلها دقايق يا مدموزيل ...

وصمت منتظرا أن تنطق باسمها

قالت هامسة بتردد : سمية

سمية بس ؟

سمية بس .

تلفتت حيرى مرتبكة . قال لها بلهجة آمرة تقريبا : تعالي بس ..

قادها الى مصعد قريب قائلا بتقطيبة جدية : سأخطفك يا سمية

ولان نبرته التهكمية آذتها أبلغ الاذى فضلا عن شعورها بالهشاشة والانكشاف ، اذا بهاتتقمص اللامبالاة هزت كتفها وقالت : طيب اخطفني .

تنحى قليلا لتتقدم وتسبقه ودخل خلفها المصعد. ضغط على زر الطابق الخامس وهي تراقبه . خرجا الى قاعة كبيرة مليئة بالطاولات الدائرية . أشار لها بيده وسارا معا جنبا الى جنب . دلها بيده الى الشرفة المسيجة بألواح زجاجية طولية كبيرة . دعاها الى الجلوس ودفع الجرسون وراءها بالمقعد الوثير غاصت سمية في مقعدها لكنها لم تشعر بالراحة . سمعته يخاطبها :

يهمني اسمع رأيج مدموزيل سمية .

عندي ملاحظات .. سجلتها .. تفضل

ومدت اليه يدها بورقة مثل تلميذة تريد أن تؤثر في استاذها

 صفّر أمين وعلى وجهه علامة استغراب حقيقية :

كل هذه ملاحظات ؟

ونظر في الورقة وعينه تقفز بين الكلمات، ملتمسا في الوقت نفسه، علبة سجائره من جيب سترته الداخلي ثم انتبه عندما رفع رأسه  وقال : العفو .. تفضلي

شكرا . لا أدخن

مدموزيل سمية .. عندج مانع أدخن ؟

لا . خد راحتك

دس الورقة بجيبه

واستفهمت قائلة :

ما فيه تعليق  ؟

ابتسم لها وكأن ذلك هو تعليقه .

كانت تملس على تنورتها بيدين متعرقتين بينما اقترب النادل ووضع فنجانين من القهوة أمامهما وكأنه يعرف امين ويعرف ما يريد دون أن يطلبه .

ناولها أمين الفنجان بيده وعندما ارادت ان ترتشف منه

صاح منبها  :  .. حارة !

كانت سمية بالفعل شاردة الذهن وخائفة ان يراها احد في ذلك المكان، خائفة أن تجالس شخصا واثقا مثل أمين وسرعان ما اعتراها الندم لانها انقادت لأهوائها. ها هي الان تريد أن تنتهي من الامر كله .

قال لها : مبين من كثر الملاحظات انه ما عجبج الطرح ؟

قالت باندفاع : انت راديكالي

وانت اسلاموية ؟

أنت تصنفني علشان لبسي ؟

 أنتِ سبقتي الى التصنيف..ومع ذلك آني آسف .. معك كل الحق . اعترف آني .. تأثرت بهيئتك.. وبملاحظاتك بعد ..

قالت بنبرة بدأت تعلو وتزداد سخونة :

الكل يجيز لنفسه ان يتحدث بلسان المراة . لا يتحدثون فقط عنها او معها. لا . بل يتحدثون بلسانها . يسرقون حتى هويتنا وتعريفنا لانفسنا ..قل لي ماذا تعرف عن المراة ؟

ما اعرف شي ! ما اعرف الا اسمك الاول

واحمر وجهها ودت لو كان بامكانها ان تخفي اسمها !

وتأملها متطلعا فقالت بتحدٍ:

اسمي سمية ظفر

بنت الشيخ ظفر ؟

ونكست رأسها قليلا بصورة لاارادية وهي تقول : ايوه

قال ممازحا وهو يضرب على جبهته بحركة شبه درامية

يا لهوي ! يعني اخوانية بعد ؟

وضحكا معا لاول مرة .

قال لها أمين بانه لا يكترث البتة بأي شيىء خلا شخصها  وأنه غير عابىء بمن تكون وانها تستطيع ان تكون بنت مفتي الديار أو أمنا العذراء وكلاهما سيان عنده ! واشعرها بالفعل بانها قادرة على أن تعبر عما تفكر به باعتبارها شخصا مستقلا ، هي الان بمواجهته ، ذات صوت يخصها وحدها ، ليست ابنة أحد ولا أخت أحد ولا تبعا لاي أحد ولن يقوم بتقييمها ولا الاستخفاف بها لانه ينظر اليها في عينيها مباشرة و لديه اهتمام صادق ان يعرف كيف تفكر ولكنها للمفارقة لم تكن تعرف حينذاك على وجه التحديد بم تفكر ولا ماذا تريد !

جلا حلقه بسعلة وقال كمن يريد ان يترك انطباعا فيمن يخاطبه:

آني اشوف المراة على عكس اي اقلية مضطهدة اخرى تقدر تقفز قفزات هائلة وهي فعلت ذلك لما نالت حريات ومناخ مريح  ..شوفي المراة العراقية والايرانية والتونسية.. لكن آفتها عندنا انها تنتظر أن ينزل الزبيل.. اقصد المنة والعطاء من السما.  ومثلما يرتفع معدل نهوضها بسرعة ..ايضا يهوي مؤشر مكتسباتها الى القاع ..والا خل نقول بدل مكتسبات أرباح  أحسن.. تهبط ارباحها.. لانها ما اكتسبت أكثرها بالقناعات الذاتية ولا بالنضال .. اكثر شرائح النساء فقيرات وجاهلات وعديمات الهوية .

وابتسم وهو يقول :

المراة عندنا مثل حياتنا واوضاعنا السياسية.. متقلبة ومتلونة ومزيفة ومليئة بالمتناقضات

قالت سمية :

لا استسيغ نبرتك الفوقية والجازمة ! نفس النبرة اللي اسمعها في اذني طوال عمري

وطرد بيده دخان سيجارته لكيلا يحرق أجفانه وقال :

لانه ليس هناك امرأة واحدة جسور تجرؤ ان تكاشف المجتمع بذاتها ولا حتى تعترف بينها وبين نفسها انها مطوقة بجدران من تقاليد كراهية النساء .. النساء مكروهات لدى خالقهن كما هن مكروهات عند انفسهن  في كل الازمنة و المجتمعات .

قالت سمية :

اعرف مقصدك ! ولكن لعلمك لا تنشغل النساء بالتمرد ! هكذا خلقن لا تثيرهن الامجاد والسلطة وحب التملك واشعال الحروب مثلما الرجال. المرأة واقعية .. مجبولة على الواقعية ونشئت عليها . انظر الى المخيلة الشعبية ؟ ماذا تجد في الف ليلة وليلة ؟ تجد المراة الواقعية التي لا تهدر وقتها في اعادة تشكيل الواقع بل تسعى الى اعادة ادراكنا له فقط . ليه ؟ لانه واقع أبدي بالنسبة لها .

واستند الى الوراء وهو يفرك يديه :

أها !  انت اذاً تتفقين معي ! المرأة مستسلمة . اين المراة التي تميز نفسها بهدم وكسر القواعد التي تشينها وتقيدها ؟ اين المراة التي ترفض على الاقل الاعتراف بهذه القيود وترفض اعتبارها خلاخيل وتيجان تكريم وتلبسها طائعة وتتبختر بها راضية ؟

وأطفأ سيجارته في المرمدة ونظر اليها رافعا حاجبيه :

بالعكس... انا اجد في الف ليلة وليلة نساء استثنائيات..و جواري حاذقات ماكرات . اجد في الليالي العربية النساء الايروسيات .. النساء المنغمسات في الشهوات الحسية.. اختيارا وعمدا ورغبة وليس انحرافا او انتقاما .. او اتباعا لصرعة النسوية وتقليدها مثلا

صمت لوهلة ثم قال بتلك النبرة المموهة :

ممكن اسالك يا مدموزيل  .. ؟

ووجمت سمية احتراسا من سؤاله فأكمل بصوت هادىء :

قولي لي ..

لماذا هو مكتوب على النساء ان يبعثن الحياة في كل شي بينما هن فاقدات الحياة عديمات الهوية .. يعشن بصورة خادعة ومظهرية ! كأدوات .. كسلع وأكسسورات .. كمكملات تجميلية ؟ أتدرين ماذا رأيت هنا في هذا البلد  ؟

وضع ذراعيه على الطاولة الدائرية وقال :

رأيت النساء النابهات يكرسن انفسهن لمناصب تافهة محدودة ومهام سخيفة رأيتهن يسلكن اسلوبا لا انثويا في العمل تقليدا للرجل يتبعن خطوات الرجل لكي يلقين عليه باللائمة عندما يخفقن .. و يحاولن اثارة الانتباه والاستعطاف لنيل الغنم نفسه الذي مازال الرجل يحتكره دونهن ومن ثم يفرحن بالتكريم.. من الرجل نفسه .. لان الرجل هو من يمنع أو يمنح التكريم .. ويفرحن بلقب رائدة وكل منجزاتهن على كل حال لا تتجاوز تلك الريادة .. تلك الاسبقية التي كانت اصلا  معطاة ... لم يطلبنها ولم يناضلن من اجلها وهي منحة..بشروط.. لاستغلالهن.. لا للرفع من شأنهن .

وهز اصبعا في الهواء وأكمل : .. والمراة لا تعلن الحروب حقا ولكنها هي الشهوانية الخفية ..هي الحقد المؤسس للحروب.. هي القوة الناعمة .. هي فكرة الحرث والبذر والانشاء على أنقاض الآخرين .

وشعرت سمية بانها بنت صغيرة محشورة في زاوية تتعرض للتوبيخ والتهكم بالانابة عن بنات جنسها ! لم تعد سمية فقط بل تحولت الى انثى ، الى صورة الانثى التي تطابق كل انثى ، وكأن كل الاناث ..نوع او فصيل من الطبيعة .

ونفست سمية عن غضبها بخبطة على الطاولة : ياللسخافة .. ولكن ما تقوله الان هو بالضبط المعرفة التي ينتجها المجتمع الكاره للنساء انه لا يحكم قبضته على النساء فحسب بل يحدد هويتهن الداخلية .. وماهية الجنس الانثوي بأكمله.. ويجعلها أداته ومبرره لكل توحشه وخبثه .

وصفق أمين بحبور صادق:

برافو .. برافو مدموزيل سمية

 

 

 

رافقها أمين مودعا ، على اصرار منه وكراهية منها  ، الى بوابة الخروج وفتح لها بنفسه باب الليموزين ، الذي كان ينتظرها منذ زمن . قدم لها كتابا أنيقا أخرجه من محفظة أوراقه ودس

بداخله بطاقته الشخصية وقال لها بود :

Feel free to call anytime

تبادلا الايميلات لفترة وجيزة قبل أن يحضها أمين على حضور محاضرة في المركز الاستشاري الذي يرأسه أبوه البروفسور كريم . دخلت سمية المبنى فاصطحبها أمين الى رواق هادىء في المركز وتحدثا لمدة ساعتين ثم جرت بينهما مكالمات هاتفية متقاربة ثم سافر أمين لشهرين . بدا الشهران طويلين في الدوحة بلا أمين . عندما رجع أمين اتصل بها ودعاها الى لقائه في ( كتارا ) فاعتذرت سمية وكاشفته بتحرجها من اللقاءات في الاماكن العامة المفتوحة ولم يعقب أمين ساخرا كما خشيت بل اقترح عليها أمرا آخر؛ اقترح أن يلتقيا في شاليه والده في اللؤلؤة وقبل أن تفوه بأي رد على اقتراحه أكد لها:  لن نكون وحدنا ولن يشعرك أحد بأي حرج... وماكو أسئلة .. والمكان آمن . أصرت : عندما تعرفني على أحد ادعني باي اسم آخر .. رحاب مثلا وقال لها أمين طائعا : حاضر رحاب خانم .

كان الوقت عصرا وكان الجو حارا خانقا بالرغم من انه كان شهر مايو فحسب ، مايو في الدوحة ، ترجلت سمية من سيارة الليموزين بتردد وطلبت من السائق الانتظار لانها لم تكن متأكدة من العنوان ولم تصل اليه مباشرة لقد استغرقت بعض الوقت في الدوران حول الشارع المطلوب . كانت الفيلا كبيرة وحديثة بالرغم من ان طلاءها بدا كابيا بفعل الشمس والاغبرة وكان المكان هادئا والمدخل خاليا وكأنه منزل مهجور. أخرجت نقالها وضغطت حرف أ في قائمة جهات الاتصال ، ظهر أمين في تلك اللحظة من عتبة باب المدخل لابد انه قد لمح مقدمة السيارة ونزل الدرج بسرعة وتوجه نحوها مستقبلا . كان يلبس قميصا زهريا مفتوح الازرار الامامية في اعلاه ، وبنطالا رماديا عاديا .

ارتدت سمية فستانا ضافيا من قطيفة خضراء ناعمة تزينه ياقة من دانتيلا بلون خمري اختفت تقريبا وراء الشال الحريري المزدوج الذي لفته حول راسها وعنقها وكانت تضع هذه المرة كحلا وحمرة شفاه ومسحة من البودرة الخفيفة وترتدي كعبا عاليا .

وجمد أمين في مكانه على الدرج. وقف للحظة ويداه غارقتان في جيبي بنطاله ، منفعلا لرؤيتها على ذلك النحو من الاشراق الآسر  . تأملها مليا وهي واقفة وسط خجلها وتعثرها، تصالب ذراعيها حول صدرها ، وتنتظر منه أن يقوم ببادرة . اشار بيده اشارة صارفة الى سائق الليموزين ودعاها برقة و حيوية : تعالي.. تعالي خفت تغيري رايج ولا تجين .

فعلا ما كنتش جاية !

وزرّ احدى عينيه وقال بعتب حقيقي :

أهون عليج ؟

 لم يدخلا من الباب الرئيسي للشاليه ن بل قادها نحو ممر جانبي مظلل بنباتات متسلقة ذات رائحة عطرية قوية تشبه الليمون والياسمين و النرجس وكان الممر معتما قليلا يتخلله الضوء من شقوق الحائط الخشبي  وبينما أبطأت سيرها وكادت أن تتوقف مد يده وسحبها بعزم برغم تمنعها وفي بضع خطوات قفزا قفزاً الى  أطلالة باهرة على النور والبحر. كان منظرا مفتوحا وأفقا واسعا كلوحة عريضة . وقف أمين بجانبها لوهلة وقد اعشى عينيها ضوء الشمس بعد العتمة  . ثم رأت على مبعدة منهما  طاولة قريبة من البحر مزدحمة بالاشخاص وثمة خادم آسيوي يقدم القهوة لكل واحد من الحاضرين المتحلقين حول البروفسور كريم الذي كان شبه مستغرق في اغفاءة أو يبدو كذلك لانه كان مغمض العينين مسندا ذقنه الى كفه . وهمس لها أمين بالرغم من انهما على مبعدة ، ولن يسمعهما أحد : تعالي نقعد هنا بعد اذنك .. هذي طاولتنا . وكانت هناك طاولة معدة حسنة المنظر بمفرش نظيف وفازة صغيرة فيها فل وجاردينيا.

وقدم لها الكرسي لتجلس وجلس قبالتها : مو أنتِ طلبتي ما نكون لوحدنا ؟

وابتسمت له ابتسامة ودية ممتنة.

مال نحوها وقال : اشلون عيون عندج سمية ! انا مسحور بيش . كلش مسحور

وتوردت وجنتاهما بالرغم منها وقالت : كل صديقاتك بيجوا هنا معاك ؟

ورد بسرعة : المحظوظات بس !

حدجته بنظرة غضبى بعض الشيىء وأبقت يديها في حضنها تحت الطاولة  .

قال لها أمين وهو يهز رأسه كأنه يحدث نفسه:

النساء مبهمات التفكير كانهن يتعمدن ذلك .. أقصد ان يكن غامضات ويبلبلن الافكار يتخذن من تلك الوسائل اسلوب حياة كامل

وقالت سمية :

الظاهر.. انك خبير بشؤون النساء

وضحك أمين : لست غرا ولا أعذر .. اعذريني لصراحتي

حدق فيها بنظرة حانية وسابرة للاعماق قائلا : من أنتِ يا سمية ؟ أموت وأعرف

كانت سمية تعلم شيئا واحدا تعلم بأنها أنثى وكل أنثى تلجأ بالفطرة تقريبا فضلا عن فروض التنشئة الاجتماعية الى تزييف ذاتها لكي تنجو ، لكي تظهر بالصورة المثلى لكي تصبح امراة شريفة واما مثالية وسيدة مجتمع وكائنا مقبولا ومعفى من العقاب لضعفه أو معرض للعقاب للسبب نفسه . تبني كل امراة حول نفسها حائطا مزدوجا فليس من السهل ان يتعرف احد من الناس الى شخصيتها الحقيقية وليس من الممكن ان تنفذ الى لب ذاتها ابدا

عندما تكون سمية مع أمين تستسلم لشعور الانطلاق مع اللحظة الراهنة . اسندت ظهرها الى المقعد ونظرت بفضول ناحية السيد كريم . تبع أمين نظراتها وقال مازحا :

آه .. ضبطتك تنظرين الى استاذ الكفر والعهر !

اوه ! لا .. لا تقل ذلك عنه . انا احترم آراءه . بجد ! .. أما كنت حاضرة في تلك الندوة لما التقينا اول مرة ؟

اي والله وش كنتِ تسوين هناك ؟ تتجسين على العدو ؟

كان عندي فضول.. وانا كنت اتفق مع نقاط من كلامه لما اشوفه يتكلم على الشاشة بس هو محيرني . لكن.. انت اللي ناقم على الاسلاميين.. وبتحملهم تبعات كل مصايب الدنيا ؟

قال أمين وهو يحك جبهته  : اعترفي انه الاسلاميين نبشوا و اظهروا كل التعصب والتوحش اللي صاغ الذهنية العربية وصبغها من قرون.. وهم وراء كل اوضاعنا الاجتماعية الباقية على حالها من عهد الاقطاع والقنانة الاولى ..

وادار رأسه وهو يتحدث فرأى من بعيد أطياف مبان تلوح في غمام الغبار تصطف على خط الافق مطلة على بحر رمادي ساكن واشار بيده نحوها  :

دا هسا شوفي اشقد حولك مسارح وصالات سينما وقاعات موسيقى ورقص وعروض فنية  وفنادق ومطاعم ومعاهد في بلد ماله اي خلفية ثقافية .. كلها مباني وهياكل وقصور اسمنتية منفصلة وشكلانية واهدافها تجارية بحتة ما لها علاقة بالفن .. اصلا هذي الاشكال المفرغة من محتواها تتكدس بلا معنى في بيئة تلبس مسوح التقية والورع وتنظر شزرا وبعدائية الى كل صور الفن وتجلياته .. تنظر اليها على انها وثنية ! تماما مثل حكاية التماثيل والنصب.... والازلام.

 وأفلتت منه ضحكة وهي ينطق الكلمة الاخيرة .

وقالت سمية بمكر : وماذا عن مراكز الابحاث ؟

حك أمين جبهته ونظر اليها مليا : صحيح بابا يدير مركزا...

واسند رأسه الى قبضته واكمل :

بابا عرضة للاشاعات  .. يرمى دوما بأنه عقل متعجرف وانعزالي وامور اخرى ..هو موضوع حقد وغيرة من جميع من حوله.. حتى الذين لا يخالفونه... ولا يختلفون عنه في كثير أو قليل ...

ذبّ أمين عن أبيه بالرغم من أن سمية لم تفصح عما قد تكون قد فكرت فيه وبالرغم من أنه هو نفسه قد كره تنظير والده منذ صغره ولقاءات والده الفضائية. اعتاد ان يسمعه يقول كلاما مختلفا عما يقوله في البيت مع خاصة رفاقه كما أن أمين برغم عدميته ن لم يرتح لعدمية الاب المترفع المستقيم المتجهم .

شاطرته سمية ذلك البغض للفضيلة المزدهرة في بيت والدها الشيخ ظفر . لم تكن سمية مستعلنة مثله في دحضها لمواقف أبيها لانها لا تملك أن تعي ذلك  ولانها كانت عالقة بين طوباويتها وطوباوية النسق التي تريد الافلات منها

كانت تسقط دائما في شرك منسوج و مستوحى من عظاته وكتبه وتصريحاته وفتاويه من كل المآثر المطلقة التي تضاعف من قدره ونورانيته . لطالما تُيمت به ! لطالما كان أبا مثاليا ؛ زاهدا متورعا طهرانيا  ، يجمعهم حوله صغارا ويقرأ عليهم من كتيب (أفراح الروح ) لسيد قطب بصوت متهدج وعينين نديتين ويحذرهم من المدن المزدهرة الفاسقة ولكنه كان مثل الاخرين ايضا وقع في الشراك ذاتها. لم يكن في نهاية الامر سوى مجرد شخص يتحلى بفضيلة الانكار ويتشبث بكرامة التظاهر . لقد احبته دائما لانه كان اباها ، يفترض أن نحب أباءنا مهما كانوا عليه ، بيد أنه كسر قلبها أيضا ، خيب آمالها فيه لانه زعم بأنه جُبل على خدمة الدعوة وسوف يعيش لها ويموت .. ولكنه انتهى الى خدمة شخصه واشخاص الآخرين  !

ولم يكن ينتظر سوى معجزة صغيرة وعندما حانت تلك الفرصة وتحولت الظروف لصالحه انخرط في العمل السياسي الذي اتضح انه لم يكن يزدريه تماما ! خلافا لكل تعاليمه المستوحاة من عظاته ودروسه ! أين ذهبت دروسه ؟ أين طريق الدعوة والتربية ؟  شعرت سمية بالاضطراب والقنوط في تلك الفترة  ! هل كان صعبا على أبيها ان يعتزل دنيا الفتنة ، الفتنة التي حذر منها ، الفتنة التي لطالما تنبأ بها ! ها هو بيذق تافه في هذا العصر الاخرق العاصف  ! وهاهو الدين الذي لطالما شدد على تعاليه وترفعه وقداسته يغدو اشد ضعفا وانقساما على يديه .

 تقاطعت عدمية أمين وطوباوية سمية في اللحظة التي وجدا فيها نفسيهما على مفترق طرق ، ووجد كل منهما الاخر ، وحيدا وخائبا ومغتربا في محيط أسرته وفي محيط عالمه ، غريبان ضائعان على اعتاب ديستوبيا فائقة العهر في مدن متسامقة متطاولة ، تلطم بثرواتها العالم دون ان تملك أن تتبنى تصورات جديدة لعالم افضل ! لم يكن ثمة يوتوبيا قابلة للتحقق في عين سمية ولا يوتوبيا قابلة للتصور في نظر أمين .

 

أقبلت نحوهما امرأة ممتلئة القوام تلبس فستانا قصيرا له فتحة مقورة في الصدر يتدلى عليها صليب ذهبي صغير . شعرها أحمر مصبوغ وجبهتها عريضة وانفها حاد وعيناها زرقاوان لها ساقان جميلتان وفخذان مكتنزان وتبدو كنجمة من الستينيات وكانت تسير بغبطة وخطوات عجلى وقد توردت وجنتاها من الجهد وألقت التحية عليهما بمرح وهي تنظر الى أمين بحذر : ممكن نسلم والا ملكية خاصة ؟

وابتسم أمين بانزعاج ظاهر وقال : ماما ... هاي زميلتي رحاب

والتفت السيدة نسرين الى سمية واحتضنتها فورا وقبلتها على الخدين بينما بدا أمين ممتعضا لتطفلها وقالت لهما السيدة نسرين :

انضموا لنا .. الحقوا بنا بعد شوي رح يحضرن صديقاتي ويصير نقاش بالصالون عن التصوف

وقال أمين بنبرة متأففة : زين ماما .. ما يخالف

 اقفلت أمه راجعة بالحيوية نفسها يطقطق كعباها على بلاط الممشى الحجري وقال أمين لسمية : صديقات أمي يشبهن مصففات شعرها ثرثارات ونمامات ويقرأن الطالع أكثر من الكتب.. ويثرن أعصاب بابا لكنه دوما محتاج جمهور

أمك .. جميلة.. ومدهشة !

ماما استاذة فيزياء ! كانت نابغة ! شديدة الذكاء ومتفوقة... الاولى على دفعتها بجامعة بغداد طلبوها جامعات اجنبية بعقود ممتازة لكنها ... رافقت بابا فضلت ان تقف وراءه .. وآمنت به كما تقول .. تحجم طموحها كثير . بس يمكن هي واقعية !  ما كو مكان للعلم عندنا.. كما تعرفين ! بس فيه مكان فقط لامثال ابويا وابوك .. ماما الان  .. نصف متحققة في وهج بابا الفكري . بابا بيعوض عنا جميعا في الاسرة .

وسألته سمية :

مالك تقولها بمرارة ؟ انت طبعا معجب به .. وفخور ؟

اي نعم . نحبه كلنا... مولعون به اشد الولع  لكننا.. لا نستطيع ان نحبه اكثر من ذلك . وضلوعه في السياسة وتقلباتها اكثر مما نطيقه .. لذلك احنا بالبيت عندنا قانون ما نحجي سياسة .. مسموح بشوي تفلسف و ثقافة لان ماما صار عندها صرعة بأفكار التصوف .

وتعجبت سمية :

والسياسة .. لا  ؟

السياسة تقف حائلا في طريق قدرات هذه الاسرة وطموح افرادها . اخوي فؤاد مثلا في خلاف معلن مع بابا .. هو هسة معتزلنا في مرسمه . هذه الحالة اللي نعيشها .. آني دا اسميها متلازمة ( لحس الدماغ ) متلازمة المدن النفطية .. تسلبك روحك وانت تتوهم انك من يستغلها لتهذيبها وأنسنتها وتحويلها الى مشروع !

بابا مثلا يظن انه تقدمي بما يكفي .. ان يستوعب دوافعها ومتطلباتها الضيقة والمرحلية في مشروعه الفكري الخاص . .. مشروعه اللي يتقلص وينكمش كل يوم ويغدو مشروعا لانقاذ الفكرة باغراق الروح .

ما فهمتش حاجة ! يمكن انا ساذجة لكن ...

وقاطعها أمين  : لا .. لا . سذاجتك أمر طبيعي .. سذاجتك رائعة . سذاجتك أمر آخر.. لا تخجلي منها . أنا أحب سذاجتك . لكن انتبهي.. السذاجة ممكن تصير فلسفة .. أو ماركة تجارية مربحة . سذاجة المتنفذين وسذاجة الانظمة وسذاجة المشروعات .. سذاجة تعتمد على أحلام يقظة وأخيلة جامحة .. جامحة بلا عنان لا عندها مسؤولية ولا وراءها محاسبة  . هذي السذاجة خطيرة الشأن وتصنع وحوشا وتهدم التحضر وتسحق الانسان .

 شوفيهم ! يجلسون ويشربون ويتحدثون بابهة فارغة عن مواضيع تافهة وهم يظنون انهم بهذا السلوك المتحضر وذلك الهراء وتلك الاكاذيب ينفضون أيديهم ويتبرؤن من الاسهام والتواطؤ في تدهور العالم وتدميره .

ونظر اليها بعينين هائمتين :

ولكن أقل لج سر ؟ .. يستحق هذا العالم ان ينتهي ويدمر ! انتهت صلاحيته ! انتهت مدته من زمان .. حتى لو ما كان بديله منظورا الان !

ثارت جلبة عندما قام الحاضرون ودفعوا كراسيهم بعيدا وساروا يتبعون البروفسور كريم الذي دخل الى المبنى متأبطأ ذراع فتاة شابة ، من خلال باب خلفي ، ولوحت السيدة نسرين بيدها لتحثهم على اللحاق بالركب .

عندما دخلا الصالة كانت السيدة نسرين تعدل وضع اسطوانة على سطح الجرامفون الحديث وتضغط على زر التشغيل وهي تلتفت باحثة عن امين ثم  تطلعت اليه بايماءة فهمها أمين وتقدم نحوها بعد ان دل سمية على مقعد بعيد نسبيا عن الحاضرين . وصدحت من مكبرات الصوت فائقة الجودة ، انغام المقدمة الاستهلالية لاغنية كوكب الشرق (وصفوا لي الصبر) وكانت وصلة لرقصة فالس . وتقدم أمين طائعا نحو أمه ورقصا بانسجام وبراعة وسط الصالة الفسيحة ، وسط تصفيق وجذل من الحضور، تمايل رأس السيدة نسرين واغمضت عينيها وتبادل امين نظرة مفعمة بالهيام مع سمية التي اسندت رأسها للوراء واستسلمت لخيال عذب ودغدغت مشاعرها صورة ستحتفظ بها في اقصى ذاكرتها وتأملاتها الشاردة . بعدها رتب الخادم الكراسي على عجل وجلس السيد كريم بانتباه موليا ظهرا لحائط من الكتب التي اصطفت على ارفف مثقلة بأحمالها . جلست سمية بقرب أمين على طرف من جانب من الحضور بحيث كان بوسعها ان ترى وجوه أكثرهم . قال لها امين : هذي اللي بالوسط أختي ليلى .

كانت اخته شابة جميلة التقاطيع متكلفة، بوجه ملبد ، مموه بين الجمود والعبوس ، في منتصف المسافة تقريبا ! كأنها لم تعزم أمرها بعد .

وكأنه قد  قرأ افكار سمية فقال لها : ليلى تحب تنتقم من بابا وماما .. تحب ان تظهر تعاستها ومرارتها من حياتها..  ولكنهما يظهران عدم الاكتراث بها  .. لا ادري كيف يحتملها زوجها .. هذا اللي واقف كاللوح وراءها .

وعلت مسحة من التأثر وجه سمية :

مسكينة !

ليش مسكينة ؟

كده  !

انظر اليها والى ماما واقول لنفسي .. أهذه هي الخواتيم التي تدخر للنساء الذكيات ؟ ماذا تفعلن بأنفسكن ؟!

 

كلما نجحت ليلى في صدم مشاعر أسرتها ، كان شعورها بالرضا اكبر فقد تحقق الانتباه اليها والى آلامها . أمها التي تحبها بطبيعة الحال ، تنتقدها باستمرار ، تنتقدها لانها تريدها أفضل ، أفضل مما هي عليه ، أفضل مما تطيق .لذلك كان لسخطها وامتعاضها هدف حي هو أمها . كانت تخشى أن تصير نسخة عنها وكانت تخشى أكثر الا تستطيع ان تكون كذلك .كانت تسخر من كل ما تحبه ؛ نبوغ أبيها وحنان زوجها وأهواء أمها واتزان أمين ودونكشوتية فؤاد    وبالنتيجة فانها كانت توقن بأن كل من يبدي اعجابا بها أويمتدحها فهو أخرق رسميا لانها كانت خالية من المواهب . تكره ليلى البكائيات والنزعة العاطفية بالرغم من انها تبدو هي ذاتها شخصا مثيرا للشفقة وتحرص أن  تبدو كذلك بمظهرالباردة المتحجرة العاطفة وتبخس قدر كل عاطفة أسرتها نحوها . تحب زوجها حبا معذبا ولانها تبطن خشية متنامية أن يتركها يوما بغتة  تبقي نفسها على مبعدة عاطفيا منه ! تشعر بأنه يستحق شخصا أفضل منها ! ولكنها لا تبذل ما بوسعها لتحسين حياتها ! الحياة لا تتحسن ! اما أن تكون محظوظا أو لا تكون لذلك هي تحشو نفسها بالحقد والزهو .وهي عقلانية بدرجة كافية ، فالعقلنة لمثل ليلى ،  مثل قلعة وهمية ولفظية تحتمي بداخلها ، وسلاحها الاخر هو مجاملاتها المفرطة ، مجاملاتها السهلة المجانية التي تغرق بها الاخرين ، لكي تضمن ان تكون اكثر انعزالا واستغناء عنهم .

 

تنحنح السيد كريم وشرع في التحدث بصوت رخيم عميق بينما جلست في الصف الاول ست سيدات وشت ملامحهن بحماس وانبهار. اكتست وجوههن بالمساحيق وايديهن بالخواتم . وصدر صرير من فم امراة قريبة قالت شيئا لم تسمع منه سمية سوى كلمة التغيير .

والتفت السيد كريم الى تلك المرأة ونظر اليها من خلال نظارته ثم رفع نظارته الى جبهته :

يا سيدتي الجميلة ... الوضع الان يتطلب ديكتاتورية .. نظام استبدادي كامل لضبطه والا وقعت فوضى . كل مستبد سقط تباهى وتفاخر بانه سيفتقد لانه كان يعلم بانه يحجز الطوفان بعده.. وتلك هي فضيلته الوحيدة ومهمته الاساسية .. من صدام الى بشار... وحتى عبد الناصر كان فرعونا ايضا بطريقته ...

وصمت قليلا وهز رأسه :

أما عن .. التغيير وكيف ياتي ؟

ونظر حواليه ولبرهة بدا كانه مرهق وضجر معا . اخذ نفسا عميقا وقال وهو يمط حروف بعض الكلمات ويلوح بكلتا يديه كأنما يقود اوركسترا خفية :

لابد ان تكون هناك أولا قابــــــــــــــــــــــــــــلية.. للانتقال الى طور اقتصادي وعلاقات انتاج.. وظــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهور قوى حقيقية...قوى تمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلك.. وقوى على الارض ..تعمل وتتحرك في مجــــــــــــــــــال وفضاء معقول .. هذا ايضا.. متلازم مع قابلية النقــــــــــلة الفكرية والثقافية ..

وصمت لبرهة وكانه تذكر أمرا :

ثورة الجياع وثورات الاقليات وهوجة الفتن الفئوية والاضطرابات التي تندلع من شرارة القشة التي تقصم البعير حمال الاثقال تلك انتفاضات و ثورات عرفها تاريخنا مرارا ..  لكنها لم تغير فعليا اي شي..  لم تنقلنا من طور الى اخر ... لم نزل مجتمعات ريفية وريعية ومتخلفة فضاؤها محدود وثقافتها مؤبدة وتطورها مسدود

وختم بقوله :

لم يزل هناك سوق رائج للاستبداد ... الاستقرار والامن لم يزل غاية الغايات .. الحديث عن التغيير الان ليس واردا . هناك تطلع الى الاصلاح ..

في ذلك الاثناء ، ظهر فؤاد فجأة على الباب ! شاب ممتلىء الجسم مربوع القامة على وجهه زغب خفيف بمثابة عارضين واسع العينين وعلى شفتيه المتقلصتين ابتسامة مبهوتة ، وصاحت السيدة نسرين مرحبة بحرج واضح وقد التهب وجهها سخونة ، بينما أومأ فؤاد برأسه للحضور دون أن يلقي نظرة شاملة عليهم وتثاقل جالسا على كرسي مهمل في زاوية ، ضاما ذراعيه . لم يبرح السيد كريم ينظر اليه بتوجس بينما اعطى الاذن باشارة من رأسه لاحدى السيدات القريبات منه والتي قرأت بدورها مقدمة قصيرة حول التامل في الفلسفة الزنية وقاطعها فؤاد مدمدما و مبرطما ببضع كلمات متناثرة حتى ان القريبين منه التفتوا نحوه فصمت حتى أكملت ثم هتف باندفاعة شخص طوى جنبه على الم يمضه :  الوحدة مع الكون ؟ الوحدة مع البشاعة والوحشية وكل الشرور التي من حولنا ؟ التي ننجذب اليها.. بقدر ما ننفر منها .. و نخشاها ونحن نكتشفها في اعماقنا .. وفي المياة الداكنة لدوافعنا.. موجودة بالرغم من الانكار والصدمة ! كل الكراهية والعدوانية والخوف .. والنقص  الذي نولد به... ونتعامل معه بحس لا يطاق من الشعور بالذنب

وهتف في سخرية ماكرة : تلك الموضة الشائعة في الاوساط النسوية المترفة ! لا تؤاخذوني ! ما معنى ذلك ؟ أهو القبول بالامور والاشياء كما هي ؟ كم هو مريح  !

الا يمكننا ان نطلق عليه هروب .. هروب فحسب ! حيث يسترخي الوعي.. ويتمدد في الهوامش الامنة.. والمساحات التي يخلفها التفريغ..

وسط سكون مربك رن صوت فؤاد في الصالة :

لا احد يقر بالهروب ! يخجلون من الهروب ! لكن الهروب مع ذلك ميزة ! والهروب ينسج روابط ومخاتلات لذيذة تحررنا من مطالبات الواقع واكراهاته  

واستمع السيد كريم بصبر وأناة الى هياج ابنه . لم يزل يستمع الى الكثير من المهاترات حوله ! لم تزل الاتهامات و الاشاعات تلاحقه حتى ممن يفترض أنهم أصدقاؤه ورفاقه وأشباهه . كانوا ينقلون عنه كلاما سرعان ما يؤول ضده او يحرف او ينتزع من سياقه . اصبح يخشى من موظفيه وزواره ومن كل الناس من حوله اكثر مما يخشى من اعداء او خصوم غرباء وبعيدين. اصبح يتظاهر بالقسوة لئلا يشاع بانه يمكن الاستخفاف به اصبح يعزل نفسه لانهم صاروا ينهشونه . اصبح يتظاهر بالصدق بالرغم من انه كان يظن نفسه أصدق منهم ، لكيلا يحسبونه اكثر طموحا مما ينبغي او اقل حذرا مما يتوقعون ومع ذلك لم يكن مخلصا ولا صادقا ولا طموحا بما فيه الكفاية في نظرهم  ! كل واحد منهم اراد مزقة من لحمه و قدحا من دمه . لم يعد يجدي ان ينفي ما صدقوه ، ولا ان يدعي ما لا يريدون تصديقه اصبحت كل تلك الاكاذيب والاشاعات جزءً من مكانته وثروته ونفوذه الواسع . كان يزجر الاشخاص فيزدادون ولعا وتبعية له حتى فؤاد ؛  ابنه البكر ، شرع في بادىء الامر يلاحقه بالملاحظات والاسئلة حول خبر هنا أو مقال هناك حول ما يسمعه في مقهى أو يقرؤه في وسائل الاتصال الاجتماعي ثم صار ياتي اليه مشحونا بالعذاب والمرارة ، وكان مزاج فؤاد العصبي يعكس طبيعته الصريحة بينما يقاوم السيد كريم حساسيته وانفته وكل اعبائه وحرقة المعدة والقولون التي تعاوده كلما ضيق عليه الخناق ويتنازل ويتحاور مع ابنه ويربت على كتفه ثم يرسله بعيدا لكي يعود مجددا بقائمة مكررة من الاستجواب الخفي !

وكانت السيدة نسرين في ذلك الاثناء تستمتع بالاستقبالات والدعوات وباعجاب رجالات البلد واطراءات الموظفين ومجاملات زوجاتهم وحفاوة الناس الذين يتعرفون عليها ويبذلون لها الهبات والهدايا في مناسباتها الملائمة ولا ترى السيدة نسرين شيئا خاطئا في كل ذلك . لا شيىء خاطىء في الحياة الجيدة ، والتمتع بالمستوى الافضل من كل شيىء . تحب نسرين الموسيقى ورقص الصالونات واحيانا القمار (للتسلية ليس الا ) يتناظر زهوها بنفسها أو يكاد ،بسأمها من الحياة الرتيبة والجو الخانق حولها وكانت تسعى وراء كل شيىء يهز روحها ويرج مشاعرها بيد انها كانت تحافظ دائما على سلامة المظاهر الخارجية وتراعي كل قواعد السلوك المطلوبة. شغلت نفسها في السنوات الاخيرة بدورات الطائفة الزنية التي يأتلف أعضاؤها في بيتها كل اربعة اشهر بشكل غير علني لكيلا تتعرض لهجوم من ( الخفافيش الظلامية ) كما تدعوها نسرين .

 

كلما طلب كريم من فؤاد ان يتجاهل ما يسمعه يرجع اليه بأنباء أخرى !

يشرح السيد كريم لابنه :

= هذه بلد يافع يا ابني ! ينمو بسرعة وعشوائية.. بخطط قد تتغير كل سنتين او ثلاث بسبب الوتيرة المتسارعة والانفاق الهائل الذي يجتذب كل المغامرين واشباههم .. بلد يتفجر وفيه فرص واعدة ومنافسة حامية .. بالسكاكين والسواطير . وفيه اسرار كثيرة والاسرار لا تتكشف ابدا والا لما صارت اسرارا

= ولكن مالنا وللسياسة ؟

 = يا ابني كل شي سياسة ! دعنا من المثل العليا جانبا ! كلنا نتلطخ  أحيانا ما دمنا نخوض غمارها في سبيل مبادئنا أساسا

لم يظن فؤاد بان اباه متملق ذليل فحسب ، بل اتهمه مباشرة بأنه يجر ويلات وبلاوي على بلادهم المنكوبة و مسقط رؤوسهم وانه وراء الانحطاط السياسي والتقسيم وضياع الوطن

ولم يفاجأ السيد كريم تماما بتلك الاتهامات  . جذب ابنه البكر وأجلسه أمامه :

لا تسمع لهولاء الناس يا فؤاد ! ماذا افعل لهم ؟ هؤلاء حاقدون ..هم مكروهون من النخب ولا يستطيعون مهاجمتها فينقضون علي ...

كان السيد كريم قد اشتغل بالسياسة ردحا من الزمن وتمرس على اساليبها ويعرف بعض دهاليزها كان كامل الثقة في نفسه وكان يضع بعض ثقته ، بحسب ما يمكن ان يثق المرء ، بالنخب السياسية وكان يعي بصورة ما بأن تلك هي لحظته التاريخية وفيما يخص النتائج فتلك دائما مسألة اخرى . يعرف البروفسور بأن النتائج ليست مضمونة وليس هناك من هو قادر على التنبؤ بالمستجدات . في الحقيقة لا يبدو أن احدا في العالم يولي النتائج أكبر القدر من الالتفات مهما ادعوا خلاف ذلك لان اللحظة تملي شروطها ومصالحها وتفرض الاهداف والتحركات وتوجهها . ليس بوسعنا استيعاب كامل الصورة فيما يحدث في حينها وعندما نقوم فيما بعد باعادة تنظيم الصورة نقوم بذلك بحسب المعنى الذي كنا نلاحقه منذ البدء .

قفز الى ذهن فؤاد ارث أبيه النثري بألم وخيبة ، تلك النصوص التي تطفح بالامال والبشارات وتفخيم النهايات . يتساءل أحيانا هل يؤمن أبوه بذلك حقا ؟ يثير السيد كريم اشفاق ابنه لان وقته يكاد ينفد وهو يبدو متفائلا وسط ساحة من الخراب ويظن فؤاد بان والده سيواجه حائطا مسدودا وان فرصته ليست سوى سراب وأن كل سحرها سيزول ويخبو تدريجيا ولكنه لا يخشى على والده شخصيا ! يحدس بأن ثمة ملاحق وادوارا اخرى قادمة ستبقيه مشغولا ومقيد اليدين لعقد آخر ، الا انهبات يخشى من انحدار صورة والده في نظره من تغبش فكرته عن والده ويخشى فؤاد انه سوف يساق الى الحاق الاذى بأبيه بغير ما تعمد ولا ارادة . يكابد فؤاد كل ديماغوجية الاعلام والحياة الاجتماعية المزيفة ودنيا البزنسس المتوحشة وعبثية الحياة وقد اراد ان يجعل كل ذلك خلف ظهره .. وأن يهرب .

تغضن جبين فؤاد بينما انحرفت شفتاه في ابتسامة باهتة :

هناك تقوضات.. هناك انهيارات .. هناك نهايات  . لنسم الامور باسمها انه انحطاط شامل ! والقبول هنا ليس موقفا ساميا ولا نبيلا ولا عميقا.. بل ... هو ترجمة حرفية للتحول الى... الهباء.

 واشار فؤاد باصبعه الممدودة الى الكتب على الارفف خلف ابيه ، تلك الكتب التي يعلم الجميع بأن كثيرا منها من اصدارات المركز الذي يديره والده  وقال  :

انظروا الى تلك الكتب ؟ انها زبالة ! اللغة ذاتها ماتت ! مات المنطق... صارت اللغة اصواتا تصدرها كائنات هلامية..

وخاطب والده قائلا :

قل لي يا بروفسور .. ماذا تقررون في مركزكم ؟ الى اين تريدون ان تقودوا .. هذا .. العالم الاعمى ؟

واعتدل السيد كريم وقال بمهابة ولكن كمن يتقاسم سرا مع من يخاطبهم  :

 انا صريح في معارضاتي .. لا اتفق مع كل ما يجري.. ولا اتوقف عن التعبير عن آرائي... ولكني.. ايضا .. لا يسعني أن اتجاوز .. ولا أن اكشف آرائي في أمور بعينها  الا .. لاصحاب الشأن... عندما يطلب مني ذلك

ثم أكمل في نبرة استسلامية رافعا كلتا يديه :

انا لست من يدير الامور ولا  حتى من يحركها خفية ! انا لست مسؤولا عما يجري ولا احد مسؤول عما يجري ! ان ما يجري أكبر منا جميعا .. وهذه التحولات..كلها .. تاريخية ومحتومة

ورفع فؤاد صوته مقاطعا :

لكنك تقف في الصف الاول للدفاع عن مجريات الاحداث .. لا تنفك تقدم التبرير والتنظير

وقال البروفسور بحنكة :

يخلط الناس ، ويجب الا تكون مثلهم ، بين ما اتحدث عنه وما املك بت القرار فيه ..انما انا اعالج الامور تحليلا بعدما تقع ..انت من دون كل الناس يجب ان تنصفني لانك قريب مني وتعرفني .

 

انه لمن المحير حقا ان يشاطر الشيخ شمس الدين ، السيد كريم ، موقفه الشائك نفسه ! كلاهما يباهيان بانهما غير ملزمين وبانهما يصرحان بارائهما وتحفظاتهما وانهما يعبران عن قناعة كاملة شخصية ولا يدافعان عن أحد ولا عن شيىء وأنهما ليسا رأسي حربة ، كما يوصفان ، بل انهما يعلنان امتعاضهما كلما سنحت الفرصة لرفض كل الاراجيف ونفي الاكاذيب التي تزداد رواجا وقبولا و التي ما فتئت تجد آذانا مصغية لأسباب تخص النفوس العليلة المبغضة . المفارقة انهما الشخصان الأشد تنافرا اذ أن كلا منهما ينطلق مبدئيا من خندق مخالف لصاحبه اللدود بيد أن كليهما راض عن موقعه ومتكيف مع مجريات الامور !

 

تزداد حدة صوت السيد كريم كلما ضاق ذرعا بتكرار نفسه واضطر الى التبرير لسلوكه ومواقفه لكنه بعد زمجرة صغيرة يعود اليه هدؤه ويشرح لفؤاد مستعيدا سمته الفكري : خليني اوضح لك شغلة .. اوضح لكم جميعا .. عندما تكون الانظمة شمولية تنزع الى تشكيل وعي الامم بشكل صلب يصعب التعامل معه..ونحن لحسن الحظ  لا نواجه الا .. سلطويات رثة بالامكان التدخل للتخفيف من انحطاطها واضطرابها ..

تحدث السيد كريم الى الجميع لكنه كان يخاطب ابنه :

قد يشعر المرء بانه بصدد انجاز شي مهم هنا  .. بالرغم من الانعطافات المشؤومة والتعثرات .. الا ان هناك مساهمة ممكنة  .. . لا يمكنني الاسهاب والتفصيل ..  ولكني ساكون صريحا ... احيانا اواجه تهديدات كبيرة واشعر باني مقبل على مجازفة شخصية ومهنية وينتابني شعور بالقلق وهذا أمر طبيعي يا صديقي .. ولكن لا ينتابني التردد ولا الندم على اية حال !

 انتم يا بني لم تعيشوا ما عشته لكي تثمنوا الظروف الجديدة  لم تعرفوا ما اعرفه لكي تقيموا الامور بميزانها الدقيق .. واكرر واؤكد لك ..ثق بانني لا اريد ان اصنع مجدا شخصيا .. بل اريد ان اصنع فارقا وأن أترك أثراً

وعاد السيد كريم الى الوراء في مقعده الدوار قائلا :  ومع ذلك فانا اؤكد لك .. لا دور لي  .. ولا املك اي شأن  .. مما يتوهمه الواهمون.. ويظنون اني استحوذ عليه  . الناس يعشقون التنمر والتخويف ولا يخجلون الا قليلا .. وهم يخضعونني للصورة التي كونوها عني. ما فائدة ان نفيها وقد صارت مكتملة في اذهانهم ؟

ومال نحو ابنه ووكزه بسبابته في صدره مرارا : من يسالك عني ومن يستدرجك للكلام عني .. قل له بثقة وفخر ان اباك لا نشاط سياسي له... نحن في بلد لا يسمح بالانشطة السياسية. نحن في بلد لا يستوعب اي صراع ولا ترى من حولك وجهات نظر متباينة الكل شبه متفقين. الكل متلهفون على معرفة ما يجري لا سيما ان كان يمس سير مصالحهم التجارية وتلك المصالح محددة سلفا بلا نزاع.

 

 

وانهى مرافعته بقوله :

الناس هنا يعدون كل ممارسة تملقا ونفاقا لانه ليس ثمة سبيل آخر .. ويرونها على انها تودد ومحاباة وسلم للصعود ويخشون صعودك اذا تراءى لهم أنك تأخذ حجما أكبر مما يطيقونه ..لانهم يقدّرون بان صعودك أنت ، لا يمكن أن ينفعهم هم ، اذاً فهو يضر بمصالحهم.هم يحسبوها كالاتي : انت تحصل على درجة .. اذاَ.. هم يخسرونها !

 

لامر ما خيب البروفسور كريم ظن سمية ! رأته اعتذاريا وقاسيا بعض الشيىء ومبهما . توهمت أنها سوف تسمع منه شيئا رائعا شيئا استثنائيا جديرا بالسرد فيما بعد . لم تفهم ما قاله ! لم تفهم مرمى لكلامه ! بدا لها شخصاً تلطخت ثيابه بمحبرة ضخمة ارتوت منها الكتب وبيده عصا الحكمة ، عصا يهزها في وجه مخاطبيه مخطئا و يتقلد مفتاح المعرفة ولكنه لا يسخو بها ! لا يبوح بالمعرفة ان كان يحملها على الاطلاق !

تتوقع سمية الاجوبة الجاهزة . تريد سمية الاجوبة الجاهزة . تريد شيئا مطلقا تركن اليه وتتشبث به ويحميها من كل العواصف والانواء !

راى أمين أثر ذلك في ملامحها فاخبرها مازحا أو جادا ، أن اباه كان ذات مرة رجلا ألمعيا اعتاد التزلف الى النساء خاصة لاسيما الحالمات والقارئات البسيطات اللاتي كن يتابعنه بشغف بيد صحته اعتلت في السنين الاخيرة واصبح في منتهى القحة والصراحة وفي احيان قليلة كان كاسا أو كأسين من الجن تهدأ اعصابه فيسترد براعته في الفكاهة والتظرف حتى ليخاله المرء لم يعرف الغضب يوما في حياته .

 

يفيض قلب أمين شفقة وحنانا على تلك المخلوقة البائسة الصغيرة الساذجة التي تكره سذاجتها وتعي هشاشتها ومسح بيده دموعها عن خديها عندما بكت وتملقها متزلفا بان موهبتها المعطلة ستجد فرصة وان مخيلتها المعذبة ستجد فضاء .

شعر أمين بأنه مضطر دائما لمواساتها فأكد لها بان كل ذلك عابر ومؤقت. اراد ان يقول لها بانه بامكاننا ان نتحرر من وظيفة التكيف لواقعنا لاننا كائنات مجبولة على خلق عالمها الخاص عالم جدير بالعيش فيه عالم يخلقه الابداع عبر المخيلة او يصنعه الوهم عبر الخداع  لان الواقع ذاته حسب معرفتنا به قد يكون زئبقيا وواهنا وسرابا

لم تكن سمية لتركن الى الخيبة واليأس ولم تكن لتفقد براعتها فواصلت وثباتها المباغتة وافكارها المفاجئة بالرغم من انها كانت سرعان ما تنكفىء في الشكوى والتحسر وتردد بأسى بالغ بانها ليست سوى امرأة عادية تافهة لم تخصها الاقدار باي مواهب استثنائية وحتى لو كانت ذات امكانات فلن تصادف الا العثرات والدفن .

 

لقد وجد نفسه دائما مجبرا على مواساتها . وعندما خابرته فيما بعد لتخبره بانها مخطوبة بصوت باك . كان في سالزبوغ في مهمة عمل وقال لها باندفاع أخرق : انا راجع يا سمية .

وقالت له :

عقد قراني كان من يومين يا أمين  . ماذا بيدي ؟

وقال لها :

مبروك

تحدثا لنصف ساعة . تماسك وسكّن من روعها . وقدم لها نصيحة قامت باتباعها. نصحها ان تتقرب الى  حماتها ما دامت تبدو كما تصفها امراة طيبة وتكسبها الى جانبها

نفذت مشورته بالرغم من انها شعرت فيما بعد بانه لم يرد سوى التخلص منها وتوجيهها نحو شخص اخر للتخفيف عن كاهله . وقد وجدت تجاوبا من حماتها فافرغت في علاقتها بها كل مكنون قلبها . كانت سمية غارقة في الحب آنذاك وكان أمين بعيدا ويحاول التملص من تشبثها وشكواها ولواعجها .

 

اتصلت به فيما بعد وتحدثا عن امور كثيرة كما اعتادا ان يتحدثا ولكنه في نهاية المكالمة استجمع شجاعته وودعها بعد أن سألها متى تقرر موعد عرسها  .

واتصلت به وهي في شهر العسل. أجهشت بالبكاء عندما رد عليها ..كانت تعيسة وكانت يائسة . واتفقا على ان يعاودا اللقاء عندما ترجع الى الدوحة .

وعندما التقيا مجددا ، تشكت من ان زوجها بليد ثقيل الظل متحكم ويستخف بها وانها تحتاجه هو صديقا في حياتها وانها في غاية التعاسة وانها تموت ببطء .

وكان الامر يبدأ على هذا النحو معاتبة  مبطنة وتهدئة خواطر وتطلب منه ان يقدم اليها نصحا ومشورة وتتحدث بصورة عامة عن شعورها بالوحدة وخيبة الامل والفراغ وتفكيرها المستمر فيه  وتتقصى عن احواله وبمن يلتقي والى اين يذهب وهل تأخر عن الرد لانه مشغول باخرى  وتؤكد له بأنها لا تنشد الا صداقته واستشارته .

اصبحت تناشده أيضا ان يبحث عن اخرى لانها تريد سعادته ولانها تشعر بالذنب ولانها لا تصدق بأنه لم يتعرف الى أخرى بعد ولكنها في المرة التالية سوف تستجوبه لتعرف من باب الاطمئنان عليه بالطبع ، هل التقى بأخرى أعجبته ؟ هل يفكر بالتعرف الى غيرها ؟ هل يفكر فيها اذا ؟ هل تراوده احلام ؟ هل يمقتها ؟ هل سامحها ؟ هل يتألم ؟

وبالرغم من انه لا ينالها بأي تقريع أو تأنيب الا انها تسوطه سوطا لانها تتأذى من بروده ولامبالاته ! ماذا تريد منه ؟ لا تعلم !  في الاتصال القادم سوف تعتذر منه وسوف تلقي عليه باللائمة لانه يستفزها ! ولانه بقسوته وبروده يعذبها أكثر من احتمال اي انسان

وهكذا اخبرها أمين يوما بانه لا يحبها . واستفسرت بشك :

تقول بانك لم تحبني ؟

اقول ..لا احبك .

لا اصدقك

على كيفك

 

كانت تشعر بالخوف ، الخوف ان تفقده فتفقد حياتها ! ولم يبرح أمين شديد الحدب رقيقا عطوفا شفوقا، مهما تهرب منها يعاود الاتصال في نهاية الامر ردا على اتصالاتها . هي اذاً  لا تثير سوى شفقته !  وكان ذلك الامر يثير حقدها على زوجها وكراهيتها لحياتها المصطنعة . عندما حبلت اخفت الخبر عن أمين ؛ شعرت بالخجل ! لم تبتهج بانها ستصبح أما لان ذلك جعل من زواجها علاقة دائمة قاهرة وربط بينها وبين حياتها التي تنكرها وتكرهها وأثار ذلك كراهيتها لزوجها شعرت بانها تحبل وتلد لكي تؤدي مهمة من اجله.

وقد وجدت سمية في حماتها ملاذا ؛  ملجأ للتنفس ، مغارة للاختباء ، مكانا للفرار اليه من وطأة وجود زوجها وثقل طينته وكل الواجبات المفروضة عليها وقد استطابت رفقة أمه . ولان حماتها لا تعرفها ولا تستطيع قراءتها فقد استغرقت في احاديث مزدوجة المعنى، لكي تستطيع المجاهرة بوجودها وبروحها العاشقة . كانت في تلك الفترة تشعر بوله هائل وكانت تفكر بأمين طوال الوقت ولذلك تفجرت اسئلة وحكايا وكانت بحاجة ماسة ان تبث مشاعرها لأحد . وفي صراعها للتخلص من ذلك العبء العاطفي تقمصت دور الشخصية التي يريدها الناس وراحت تتحدث عن اظهار العاطفة وامتلاك الشغف والاستمتاع بكل ما هو في المتناول في حين كانت عاجزة عن القيام بكل ذلك ولم تملك خيار الحب أو الصداقة كما لم تستطع ان تنسب الى الحب ولادتها الجديدة وعندئذ سعت الى اقناع الاخرين وأولهم حماتها بان الظروف امر نسبي وان هناك فرصا عديدة يسهل اقتناصها وان هناك متعا متاحة ولا يستطيع اي قمع ان يطالها مثل غبطة الانسان بنفسه وبالحب بلا موضوع معين .

وبينما كانت نهلة تستعطف تلك الفتاة عديمة الشعور وعديمة الشفقة لكيلا تقطع ما اتصل بينهما من رابطة عاطفية وذهنية كانت سمية مستغرقة في مشكلتها الشخصية في استمرار التواصل مع امين.

 

عندما التقيا بعد زواجها القت عليه نظرة تفيض فضولا ودلالا لكن أمين قال لها بحزم  :

تريدين الصراحة ؟ ارى انكما لائقان ببعضكما البعض

قالت بخيبة وألم  : حقا ؟

قال أمين:

عندك نظرة متحيزة ضد الزواج التقليدي ولكن كل الناس من حولنا يتزوجون بتلك الطريقة اذا لم تكوني قد لاحظت ذلك .. واكثر الزيجات من ذلك الطريق ناجحة ومستمرة .. ومزدهرة بالابناء.

وأردف بنبرة لوم : ماذا تريدين اكثر من ذلك ؟

= انت اذاً لا تؤيد زواج الحب  ؟

= الاختيار المبني على العاطفة  قد يسبب لأصحابه آلاما قاسية .. على المرء الا يطمئن لما يختاره قلبه..

= هكذا اذاً ؟

= لدي موعد بعد ربع ساعة

= لكن الحديث لم ينته

ووقفت في وجهه دون ان تتزحزح وأحمر وجهه وزفر زفرة خفيفة رافعا ذراعيه كأنه يقول : واذاً ماذا سيحدث الان ؟

قالت:

قل لي بصراحة .. هل ستخبرني؟

بماذا ؟

عندما تقع في الحب مجددا .. هل ستخبرني ؟

 

تشعر سمية بانه لا يحبها . لم يعد يحبها . لكنها لا تسال نفسها : هل احبها قط لانها لابد ان تعتقد بانه قد أحبها ذات يوم ولعله لم يزل يحبها وربما يتعذب اكثر منها الا انه اكثر تجلدا ومكابرة ... وتعقلا منها .

 

 

 

كل شيىء يمنعها أن تكون ذاتها ! كل شيىء يعوقها أن تغدو شخصا !

تخشى أن يكتشفوها . يكتشفوا ماذا ؟ يكتشفون انها ليست ما تبديه انها ليست ما يظنونه انها ليست ما يريدونه . يلاحقها الشعور بالذنب ، تشعر بانها خاطئة ، لاسيما عندما تكون سعيدة لانها كانت تعلم بانها تخدع كل من حولها تخدع زوجها وأمها وأباها واخوتها فهي ليست الزوجة ولا الابنة ولا الاخت التي يظنون . وكانت تشعر بالخوف، الخوف بشكل مريع كانت مرتعبة وخائفة طوال الوقت . وكانت مهددة ، تعيش على حافة الانكشاف والافتضاح ، لكنها لم تكن لتتخلى عن التشبث بوجود أمين في حياتها ! لم تكن لتتخيل ان تفقد أمينها !

قالت له : انت الحاجة الوحيدة الحلوة في حياتي

وقال لها:  تعالي نغادر سويا نروح استراليا والا اليابان أو... اي مكان... في آخر الدنيا

وقالت له : أحسن لي اموت بالحيا ! .. هل تعرف كم شخصا سوف تؤذيهم عملتي ؟

قال لها : وانا ؟ روحي عندج ماهي روح ؟

قالت له : كلهم يأخذونني الا أنت  . كلهم يمتلكوني الا .. انت . انت ملكي.. حاجة تخصني حتى لو صرت لغيري .

 

 

             تزدري سمية كل ما حولها تقريبا تنفصل عنه وتكرهه. هناك مسعورون يهاجمون الابرياء والاماكن التي تبيع الخمور ! يقبحون النساء ويحكمون الحصار حول حركتهن  لكنهم لا يحركون ساكنا من اجل الحريات ولا يحتجون على قمعها ولا يقدرونها لذاتها .

 تتمنى سمية زوال كل ذلك العالم الذي لا تنتمي اليه ومع ذلك فانه يشدها اليه لانه كل ما تعرفه في الواقع ، ولانه ما تنطلق منه وتركن اليه في نهاية اليوم .

قال لها أمين : سيكون هناك عالم آخر ..

وقالت له سمية : رباه ! تلك فكرة غريبة وغير قابلة للتصديق حتى انا نفسي انا الحالمة كما تصفني لا اصدقها ! لا اصدق ان ثمة عالما سيولد من رحم هذا القديم ، القديم جدا . لابد أن يزول كل هذا لينشأ شيىء آخر ... لان هذا العالم في نظري لم يزل كما هو بل هو مرشح ان يكون اسوأ.. فأسوأ . قل لي اليس التطور أمرا مستمرا ؟ ولكنه مع ذلك فانه ليس ملموسا ! انا لا اراه ! لا أعيشه ولا أحمله !  في كل مرة يقنعونك بان ثمة ثمنا لكل تطور ويتفق دائما ان تكون انت جزءً من الفاتورة ! قل لي من ذا الذي يحصد كل مكاسب التطور غيرنا في كل مرة ؟

 

 

 

 

-3-

 

 

بالتأكيد لا تذكره سمية كما كان ، بل كما تراه الان بعدما حدث كل ما حدث .

لا ترى أمين كما هو ، بل بحسبانه الشخص الذي أحبطت مشاعرها نحوه وهو جزء منها ربما يكون اصدق اجزائها

لا تقوى سمية على الاعترافات ولا تريد ان تصطنع اعترافات كبيرة غير ضرورية . تعتقد سمية بأنه يسعنا ان نتحدث عن أمور كثيرة عدا تلك الامور التي التي نود حقا التحدث عنها والتي تمسنا وتمس مخاوفنا ومشاعرنا وافكارنا الحقيقية .

كلما بدأت سمية في كتابة شيىء تنتهي الى قول شيىء آخر سواه . شيىء غير ما كانت عازمة على قوله ! من الصعب ان تقبض على فكرتها ، أن تعبر عما تنوي في الحقيقة ألا تعبر عنه بل أن تمارس الهرب منه . تنوي التحرر من قبضة ذكرياتها، بتذويبها ، بنسيانها باطلاقها بعيدا .. عنها .

لم تكن سمية نفسها موجودة  ! لم تكن مرئية حتى نظر اليها أمين فرآها وصارت منذئذ تنتمي اليه ! صار هو مكانها الأثير .. الوحيد . ثم غادر وافترقا .

كانت قد كرهت حياتها ولم تكن في آخر الامر سوى كائن مسخ مضجر لم يكتف بوضعه العاجز ، عاجز عن رسم لوحته الخاصة بل طفق أيضا يعمل على تخريب لوحات الآخرين وحيواتهم نعم كانت تقوم عمليا بايذاء الاخرين بينما تتظاهر بانها تسعى لاصلاحها وتحسينها  . هي اذاً شيىء مزيف وغير مكتمل .

ثم تغير كل شيىء منذ عرفته !

تحدث اليها أمين بنبرة صادقة ! خاطبها باعتبارها شخصا ! وتحدث في المسائل الاكثر اصالة ، تلك المسائل التي يرغب كل امرىء ان يلتفت اليها ولو مرة في حياته .

كل الاسئلة التي خبأتها سمية خرجت من مخابئها ! كل الاسئلة التي تعاملت معها باعتبارها اجوبة مقلوبة انتصبت أمامها عارية .وكانت تلميذته النجيبة ! كانت تختلق معه الجدل وتخالفه لتجد نفسها بعدها تستخدم حججه ذاتها في نقاشها مع شخص آخر حول مسائل مماثلة .

لم تنحز اليه فحسب بل كانت تذوب فيه ولذلك شعرت بأنه قد سئم منها ! لذلك أراد أن يتحرر منها . لذلك افترقا .

 

أما ما جرى في ذلك اليوم فقد جرى بسرعة خاطفة وبصورة طبيعية ايضا  !

كانا في الليلة السابقة لما وقع ، قد تبادلا الكلمات الفظيعة التي لا تشكل أي معنى أو أهمية سوى انها تعني اعلان القطيعة وفي هذا العالم التعيس المأبون كان الاثنان ضحيتين مثاليتين . ظلت سمية متيقظة بكل حواسها حتى الصباح . أرسل اليها مسجا أنه مسافر في ذلك النهار وأنه لن يعود وأنه مقبل على الزواج . حاولت الاتصال به مرارا . ارسلت اليه عشرات الرسائل على هاتفه النقال حتى انها تضرعت اليه أن يتصل لكي يودعها على الاقل ! حاصرتها أفكار أغلبها هواجس ومشاعر غضب . فكرت ( انا لست كومة خراء يتركها وراءه ! ) وعندما حلت الساعة السابعة صباحا ، غادر أنس البيت وكانت منهكة تماما وراسها يدوم كعش دبابير واتصلت بأخته ليلى وسألتها مباشرة عن سفر أمين ولدهشتها نبحت أخته في وجهها : اطلقيه ! خليه يسافر ويشوف حاله ! لن يعود . ماذا لو تزوج ؟ مالك وماله ؟

وكالمجنونة لملمت ثياباً كيفما اتفق وحملت حقيبتها وجواز سفرها وأرسلت الى أمين تخبره بأنها ستكون قبله في المطار ولن يغادر بدونها !!  اتصل بها أمين . كان صوته خائرا وواهنا وبدا متألما حاول أن يهدأها وخاطبها كطفلة متبرمة نزقة . أحدث كلامه نتيجة عكسية لان عقلها المرهق أفلت من عقاله في تلك اللحظة وقلت له بغيظ واندفاع : لا تصدقني ! ها ؟  سأثبت لك .

أرادت أن تثبت له أنها قادرة على فعل شيئ ! وانها ستفعله من أجله وأرادته أن يعلم ذلك لكي يقدر تضحيتها ويكافأها الى الابد . اصطحبت ابنتها مع الخادمة  وانزلتهما عند باب بيت حماتها لم تكن لتستطيع مواجهة اي احد في تلك اللحظة. أمرت السائق أن يأخذها لاقرب مركز تجاري . رمقها سائق البيت بنظرة غريبة ونقّل نظراته بينها وبين الحقيبة التي تقبض عليها بيد متشنجة . كان يراقبها بفزع. بدت له وكأن جنيا شريرا تلبسها فصار وجهها الهادىء معقوفا وممتقعا هذا الصباح . استقلت سيارة أجرة ومضت الى بيت أسرة أمين .

عندما آب أنس الى البيت بعد اخفاقه في الاتصال بها. وقع على هاتفها النقال على منضدة المطبخ وتفقد رسائلها فجن جنونه .

وصلت سمية بيت السيد كريم واستقبلها أمين جامد الوجه ذاهلا ومشغول البال ، ولكنه امسك بيدها طوال الوقت وكأن أحدا سوف ينتزعها منه . تبادل حديثا قصيرا مع أمه التي بدت منزعجة وقلقة بدورها واجرت اكثر من اتصال هاتفي ثم حضرت ليلى كذلك وجلست على مبعدة  ترمق سمية بنظرة ريبة وتفحص . قالت سمية لأمين: متى رحلتنا ؟

قال شارد الذهن : قريبا..حالا

قلت له : خذني .. خذني الان بسرعة

صار خوفها المتعاظم فقاعتها الآمنة. لولا خوفها لم تكن لتتحرك ، لولاه لم تكن لتفكر بالفرار . اصبحت مثل حيوان مذعور تحفزه دوافعه الغرزية الاولى للبقاء ، للنجاة بنفسه ، والابتعاد عن مكمن الخطر . حمل أمين حقائبهما وودعتهما امه واخته بفتور وارتباك وعانقتا أمين دون بكاء . تعلقت عيناهما بأمين الذي كان هادئا وواجما . ضغطت ليلى على خد سمية بخدها وهمست : لا تخذليه ! حطيه بقلبك وعيونك .

 كانت سماء الدوحة متوشحة ببعض الغيوم في شهر فبراير وتتأملهما بلامبالاة تقريبا وشعرت سمية بان هذا المكان كالفخ ، وانها لن تخرج منه ، عرفت ذلك من البداية ، عرفت بانها لن تتمكن من الهرب ومع ذلك فربما كل ما ارادته هو أن تحاول .

 تلقى امين اتصالا هاتفيا  . احتبس صوته فجأة وغرغر صوته في حلقه صاح : فؤاد ! فؤاد ... وينه الحين ؟

التفت سمية الى الخارج لم تحتمل النظر الى وجهه وسمعته يخاطبها : لازم نرجع .. فؤاد منصاب وفي المستشفى !

لم تقل شيئا . لم تساله ماذا حدث . هزت راسها بصمت واجف .

ادار مقود السيارة وعادا ادراجها في حركة شبه مباغتة اربكت السير . قال لها : سمية

فؤاد تعرض للضرب ... حالته سيئة .. انا رايح صوبه . وين تريدين أنزلك ؟

قالت له : سأرافقك

قال : زوجك .. واخوه .. هم اللي ضربوه  !

 

 كان انس قد أخبر والده الشيخ شمس الدين بأن زوجته غادرت البيت بحقيبة السفر لتلحق بابن السيد كريم في المطار. توجه الشيخ بدوره الى شخصية مهمة وحرر بلاغا عاجلا  . صدر على اثره  تعميم بمنع سمية ظفر من مغادرة البلاد من اي منفذ حدودي  . تم ذلك حتى قبل ان يقدر لهما ان يتوجها صوب المطار !

 واتصل أنس بأخويه لكي يلاقيانه في مركز السيد كريم ، لانه لم يكن يعرف أين يقيم . دخل الاخوة غاضبين  واثاروا جلبة وصاحوا في وجوه رجال السكيورتي وكسروا بعض الاشياء عندما منعوا من دخول مكتب الادارة الا انهم انصرفوا لما تأكدوا بان السيد كريم غير موجود وعندئذ صادفوا فؤاد وهم خارجون . توجه فؤاد اليهم مستفسرا عن شأنهم عندما أخبره حراس الامن بان أولئك الرجال تعدوا على المكان وسألوا عن والده فجرى بينهم تلاسن فتشابك لاسيما انهم سبوا والده باقذع الالفاظ . كان اخو انس يحمل مسدسا في جيبه ، أكد فيما بعد بانه حمله لمجرد الحماية، وقد وجه ضربة قوية الى فؤاد بعقب المسدس على صدغه فسقط على الارض . تشاور الاخوة الثلاثة وقرروا في اول الامر حمل فؤاد معهم فقد حسبوه مغمى عليه فحسب ولم يدركوا وقتئذ انه يعاني نزيفا داخليا وبعد بضعة أمتار عادوا ادراجهم أوقفوا السيارة  ورموه مرة اخرى على قارعة الطريق  .

 

 

قالت سمية لامين: انزلني هنا

قال لها : في الطريق ؟ انت متاكدة ؟

قالت بلهجة آمرة  : انزلني يا امين. وفتحت باب السيارة قبل ان تتوقف تماما وسحبت شنطتها من الخلف وعندما اغلقت الباب اشارت له بيدها بنفاد صبر ان يذهب . لابد انه راقبها ما وسعه في مرآة السائق الامامية قبل ان تغيب عن ناظره لكنها لم تلتفت نحوه .

شعرت لحظتها بانها لوحدها وتمنت لو كانت كذلك بالفعل ، وحدها تماما ، وحدها في هذا العالم كله . ترنحت قدماها قليلا وهي تسير ومع ذلك فقد شعرت بانها قد تخففت من احمالها فجأة وكان ذلك ايضا مرعبا لكنه كان مريحا ومتوقعا  !

تراءت لها حينئذ صورة ابنتها كانت قد ازاحتها جانبا طوال تلك المدة لانه لم يسعها الا تفعل ذلك . لم تعد تشعر بأي ألم  أو خوف فائض . كل شيىء عاد الى طبيعته الباهتة اليومية

 

الان ! وبعد مضي بضع سنوات تستطيع سمية أن تعتقد وأن تقول لنفسها : لقد ولدت في تلك اللحظة .

لطالما ظنت سمية ان العقوبة التي تلاحقنا هي صنيعة الذكرى التي لا نحتملها

وتلك العقوبة ليست محددة بل هي خوف مبهم وحشي يجلدنا ويطاردنا ، تهديد مستمر ،  بيد ان الذكرى هي مجمل دوافعنا .. وهي قابلية الحياة ذاتها

عندما خرجت من بيتها في ذلك الصباح البعيد ارادت اثبات شيىء لامين أما عندما مضت عائدة الى مواجهة أهلها .. وحدها ، فقد كانت على وشك اثبات شيئ آخر و فكرت ( اني مستعدة أن أقف مع نفسي ، من اجل نفسي )

تم استجواب انس واخويه وجرت سعايات كثيرة واجتماعات ترضية وتهدئة . افرج عن انس وسجن اخيه تمهيدا لمحاكمته . واشيعت انباء حول الحادث بزيادات ومبالغات وقيل بانه شجار سببه امرأة  .

قضت سمية ستة اشهر في محتجزها في بيت أهلها  . بعدها سمح لها بالسفر حيث تقرر أن تقيم زمنا عند خالها ورحبت أمها واخوتها بسفرها ما دامت ستختفي فترة عن الانظار . كانت قد نالت كفايتها من المخاصمة والتعنيف وصنوف الازدراء والاهانة . لم تزرها حماتها ولم يزرها أحد ولم يؤذن لها باصطحاب ابنتها معها .

 

لقد دفعت الى الخارج !

تعرضت الى اكثر من الدفن ! ولأكثر من مرة !

 وقد تركت نفسها تسقط ، تسقط تحت تنفيذ ذاتي لحكم الموت !

أهو اخضاع أم خضوع للعقاب ؟ ومع ذلك لم يكن لديها أي قدر من الارادة الحرة بحيث تفكر جديا ولو لمرة في قتل نفسها مثلا.. لانني خشيت ايضا أن تدان وأن تلطخ سمعة أبيها واخوتها .. وابنتها الى الابد !

 

لا يمكنها حتى بعد مرور السنوات ان تتعقب مشاعرها وافكارها  الا انها مدفوعة الى تأمل نفسها ! تتأمل نفسها من جديد  وتدرك بأنها لا تملك بعد صوتها الخاص ..

 فالامر لا يتعلق بوصف جاهز تقدمه عن نفسها ( نفسها التي كانتها ، ونفسها التي تتأملها ) ان الامر بالاحرى يتعلق بمحاولة تأسيس علاقة بمن تخاطبهم اليوم ولم تكن تخاطبهم بالامس

انها تنسحب الى ذاتها ..وتوجه سردية صغيرة ، الى نفسها الجديدة .

ان الذات تحيا من خلال امكانية السرد ، من خلال امكانية اعادة بنائها ، وامكانية اعادة نسج الاحداث فكيف يكون حالنا عندما نعيش حياة غير قابلة للسرد !!

عندما تنبثق حيواتنا من بنية استبداد صلبة فاننا لا نواجه شروطا متغيرة ولا احداثا تروى بل نواجه وصفا متطابقا مع الذات ، وتصبح الذات ، ذاتنا هي محض العذاب والخوف.

 

 

 

 

 

 

 

 


ليست هناك تعليقات: