الجمعة، 12 ديسمبر، 2014

قصة ( الرحلة )




الرحلة

قصة


كان عمه مفلح يسير متمهلاً متراخياً متثاقلاً . يوكز عصاه في الأرض الدماث حيثما لا نبت . وينشد راجزاً بصوت رخيم مشدود ومن حولهما نبات المرخ تناثرت أشجاره وتباعدت بعضها صغير وبعضها الآخر أكبر حجما . بدت أغصان المرخ الرفيعة المستدقة تتجه بضراعة نحو السماء واكتست بعيدان خضر شعثاء فاتح لونها تبدو مشعة في ضوء النهار وكأنها امرأة حلّت شعرها لتغتسل في نهار ماطر. ونظر العم الى المرخ كأنه ينظر الى شيىء آخر يستدعي ذاكرته المنداحة وخاطب ابن أخيه حمد قائلا :



- لا تعجب من هذا ؟ قد ريت* أكثر منه في العريق وفي القلايل وفي وقاب الطير جنوب العامرية وعند النقيان على خط سودانثيل.

 وسحب حمد تنهيدة كمد أطول من سنوات عمره وقال متأتئاً : اشــ اشـــــــ ..تاق اخــخــــ اخاو..يك ياعمـــــــــــــ ــــــي..

 

*ريت : رأيت


واصل عمه كلامه متجاهلا ما سمعه :

- أما الحميض يا حمد فالعام الأول غطى القصيرة .. شرقها كله وصار الجري على مد البصر لونه حمر من كثر الحمّيض..

قاطعه حمد مغضبا  : اعــــ.... رف  ..اذ..كـــ ...ر.... الحــــ حـــــ حميض  شــ..فته في مقــــ..برة مــــ ميسيمير  وحـــــ  .... حوا ليها

ونظر مفلح الى ابن أخيه مستريبا:

-وانت رحت المقبرة والا تدلها ؟.. تعرف وين هو قبر أبيك يا ولد؟

ورد حمد مزدردا ريقه وحرجه : ماااا   .... ما..ني بــــــــو..لد 

بيد أن خاطر حمد هدأ وسكن وهو يتناول طاسة اللبن من تلك اليد الودودة ؛ يد عمه مفلح ، لاسيما بعد عرضه غير المتوقع ، بالسماح له بمرافقته في رحلته القادمة وقال حمد في نبرة توجس : و... واخـــــ.... أخي.. فــــــ ..هد ؟ وحرك مفلح يده في الهواء ولوى عنقه نحو الفضاء الواسع خلفهما : ما عليك ! أخيك فهد ازهله .

 نظر اليه حمد بامتنان وتبسم في سكينة ، عندئذ تفكر فيه عمه ورمقه بنظرة فاحصة وأشاح حمد بوجهه محرجا . أخفى وجهه الذي تغطى بالتراب والدماء داخل قبة الطاسة . لاحت كدمات زرق وبنفسجية مطبوعة على عظام وجهه النافرة ، وثمة رضّات أخرى توارت تحت ثيابه .
 
 



أشعل عمه مفلح لفافته بروية وقال له وهو يراقبه : وسنزور أمك في حايل.. إن كان ودك؟ . غمغم حمد شيئا أم لعله كان يتجغم اللبن فحسب أو يتلهى بذلك . هز مفلح  عود الثقاب ثم رماه .

كان حمد مثل كل الأطفال الذين ولدوا دون أن يرغب أهاليهم بهم ، ففقدوا الإحساس بقيمتهم ، بقيمتهم الحقيقية باعتبارهم أشخاصاً وقد اضطر حمد الى تجميد مشاعره والى إيقاف نموه ؛ لقد قرر ألا يكبر. ولن يتورع حمد عن فعل أي شيىء ليكون قذى في عين أخيه الكبير فهد لا لشيىء إلا لأنه السبيل الوحيد  للمطالبة بأحقيته في الوجود . لقد فقد حمد الأمل في أن يحبه أحد من الناس ؛ لم تحبه أمه ولم تحرص على الاحتفاظ به ولم يحبه أخوته قطعا ولن يحبونه ! وكلما أيقن من ذلك الأمر ازداد هوسا واصرارا على الحصول على اهتمامهم ، على أي فتات من اهتمامهم.  

لم ينفك حمد ابن السابعة عشرة يركب غصن السمر* كمن يركب فرساً متخيلة ، ويدبك راكضا في كل ناحية ، في صخب واضطراب ، كطفل في الرابعة من عمره ، تاركا آثار قدميه الحافيتين على الأرض. رث الثياب طويل الشعر تصحبه تلك التأتأة والفأفأة وغفلة طاغية عن كل ما حوله .

*السمر : شجر بري

 وعندما يلمح حمد أخاه الكبير غير الشقيق ، فهد مقبلا نحوه بسيارته الكروزر يبسط كفيه مرحبا وملوحا بينما تعلو وجه أخيه تكشيرة معهودة . ويصرخ حمد بصوت عال مدو : مــــــ من  هــ هو  فـــــــيـ..ــــــــــنا  التـــــ.. ـــــــتيش * ؟ تطــق* .. مـ..ني ؟ يا...قلـــ..بك  الخــــ..وّا.ف

فهد ذلك الرجل الضخم المهيب الآسر الذي لم يزل يشكو بانه محاصر بأصحاب الحاجات والمتزلفين بينما يدمن في الواقع تواجدهم حوله يردد بأنهم يؤذونه يطرقون بابه ويعدون نوى تمره ويحسدونه على ما ناله بجهده ويجحدون عطاياه ولا يشبعون كالنار تلقف كل ما يرمى اليها.

في الماضي سعى فهد الى تقويم أخيه حمد (الخبيل) بالعصا والكرباج والجلد والربط والتقييد والحرمان من الطعام . وحمد لا يبكي ولا يشكو ولا يصيح تائباً ، حتى تكسر العصا في يد أخيه فيتقافز مستشيطا من الغضب و ينزع منه العصا ويتباكى عليها  : كسّـــــ رت الخــــــ يــــ. زرانه ؟ كســـ .رتها ؟ ويش يــــــ.. يحـــلّك منها يــــــ ..وم الـــــدين  ؟

  منذ وفاة والده تنقل حمد كثيرا بين بيوت أخوته غير الاشقاء بالرغم من أن أخاه العود فهد رفض ان يدعه وشأنه وطالب برده اليه دائما ، خشية كلام الناس وتعييرهم إلا انه ضرب صفحا عنه في السنوات الاخيرة فلم يعد يجبره على حضور مدرسة أو التقيد بمواعيد المبيت في البيت وتغافل عنه في كثير من الامور الا انه لم يسمح له

*التيش : الخبل * تطق: تهرب

 

 أبدا أن يلتحق بعمه مفلح كلما أراد مرافقته في أسفاره ومقانيصه. كلما ناشده حمد أن يخلي سبيله صرخ فيه معنفاً : ماذا سيقول الناس عني يا ابا الخيطان ؟

يشعر حمد بالأمان والملاذ بين أستار تلك الخيمة القديمة المنسولة وينعم بوجوده في العزبة بعيدا عن حبال أخوته وأصابع العالم ، التي يقاومها كلما امتدت لتخدشه وتتطاول الى عالمه. ومن ذا يلومه على عشقه للمطية ؛ عشقه لمرآها ووبرها ورائحة بعرها وهو يسير وراءها في حزة*المغباش وسط الخلاء.

ينعته أخوه بالسفيه ويوجه اليه كل صنوف الاهانة والتقريع والزجر و يعامله بأسوأ مما يعامل به رعيانه في عزبته لانه كما يردد على مسمعه يربيه ويرمي الى تأديبه و يريده أن يصير رجلا.. مثله !

لكنه ليس بأبيه ! لا ، ولا يشبه أباهما في شيىء ولا يمكن المقارنة بينهما ! كان أبوه حتما شخصا مختلفا . لا يذكره حمد فقد توفي وهو بعد رضيع لكنه كوّن صورة مكتملة عنه من حديث عمه مفلح ومن ذكريات الناس الذين عرفوه ويترحمون عليه بأسى عندما ينظرون الى حمد ويقولون في أنفسهم بأسى أكبر وأشد عندما يرون فهد

 ( أهذا خلف... ذاك ؟ )  .

*حزة : وقت

 

في احدى الليالي منذ سنوات دخل نمر الاعيرج مجلس فهد وعرض على الحاضرين بكرته قائلا : (أبغي أودعها *عند أحد الحاضرين .. فارقوا بيني وبينها) .

كان اسمها الشرسة وكان اسما على مسمى. بكرة عنيدة متغطرسة فاجرة تأبى العساف يخشاها الرعيان ولا يقتربون منها (خبيثة عوّاصة.. تهبد وتضرب البيب واخشى خسارة نفسي قبل خسارتها ..لانها ستكسر رقبتها و رقبتي ..خذوها مني.. أناشدكم  )  ولم يقبلها أحد.

قدمها الاعيرج لثلاثة بالاسم وردوه و تشاغل الاخرون عنه بالحديث الى سواه. زهدوا فيها وأخذها فهد . وعدّ فهد ذلك (جمالة) ؛ اعتبره جميلا ومعروفا يؤديه الى الاعيرج الذي قاسى منها وعجز عن اطعامها وخشي هلاكها بسبب رعونة مسلكها قال الاعيرج شاكرا :

-  هي عندك ! فوضتك فيها ! لا اسالك عنها ابدا .. افعل بها ما بدا لك .

 واحتفظ بها فهد في (عزبته) وظل يكرر في عدة مناسبات انه لم يأخذ الشرسة الا

 ( سحا وحياء ) من ذلك الذي دخل عليه مجلسه يائسا محبطا ، عارضا ان يتكفل احد ببكرته وأنه لما راى القوم يتعذرون ويتعللون اضطر الى التكفل بأمرها.

 *ودّع مطيته: اذا عجز عنها كفّلها شخصا آخر وفوضه فيها على أن ذلك الشخص لو باعها تقاسم الثمن مع مالكها ولا حق للمالك في جوائزها اذا نافست. أما اذا نفقت فلا يضمنها.

 

وأقامت الشرسة عنده خمس سنوات. مقيدة مزدراة ، تربط ولا تحشم، ولا يقترب منها

الا مجنون يعاف الحياة ، حتى لقد نسي الناس أمرها ثم رآها حمد و تولع بها . كان عمره آنذاك عشر سنوات ونهاه أخوه فهد عنها خوفا أن تدوسه أو تلطمه فتقتله وتلحقه معرة بين الناس سيقولون (همّل اخاه اليتيم وامه غائبة ) .

 أمه ليست في البلاد معه. تزوجت أحد أقارب أبيها ورحلت معه الى حائل أو إلى الهفوف أو يعلم الله أين صارت واين تعيش .

 كان حمد فطيماً ، تركته وراءها في السنة الرابعة من عمره لأن أخيه فهد رفض أن يسمح لها باصطحاب أخيه معها، فهو أولى بأخيه من الغريب ، زوج أمه ، فأودع حمد في عهدة أخته الكبرى غير الشقيقة ، وقد تلك العمة مزنة وكانت آنذاك في الخمسين من عمرها. امرأة سوداوية وحامضة النفس . مطلقة وفي عهدتها خمسة صبيان وأربع بنات صغيرات انتزعهن أبوهن منها بالتتابع ، بمجرد البلوغ وزوّجهن لأقاربه واستحوذ على مهورهن .

 لم يزل حمد يدعو عمته ( أمي ) ولم يعرف سواها أماً ! وقد شاخت تلك المرأة المسنة سريعا وأصابها العطب والخرف حتى أنها لم تعد تتعرف على أحد من أبنائها أما اذا رأت حمد فانها تهش له وتبش وتدعوه باسم أبيه وتظنه أخاها. صارت تلعب معه وتشد جديلته فيشد ضفيرة شعرها الشائب فتصيح المسكينة ويتكالب على حمد أبناؤها يضربونه ويبصقون عليه .

كان حمد عنيدا حروناً ركب رأسه وراح يتقرب من بكرة الاعيرج (الشرسة) دون علم أخيه . وقفت الشرسة في ( شبكها ) ، محاطة بالبيب * ، رافعة رأسها تشول ذيلها وتتحرك يمنة ويسرة في مكانها ، بسبب تقييد قائمتيها الاماميتين. وهمس عمه مفلح في أذنه مشجعاً :

- قف صلبا بمواجهتها صدرا بصدر ولا تشح بنظرك عنها .

 اقترب منها حمد متجلداً وجمدت هي مكانها تترقب دون أن تلوي رقبتها أو تحنيها فلما تراجع حمد خطوة الى الوراء ، حدست خوفه فعاصت الخبيثة ورفعت يدا لتضربه فجرّه عمه إليه بسرعة خاطفة ولولا ذلك لحطمت وجهه بفكّها القوي وسحقته بقائمتها.

شعر حمد بالخجل وقد تضاحك عليه الرعيان وطردوه مهددين أن يخبروا أخاه فهد لكنه عاود الكرة في تلك الليلة نفسها وعسف خوفه وعسفها وعرفت الشرسة من أي معدن قدّ قلب ذلك الصبي فأناخت له وركبها في الأيام التالية ! وسط عجب واعجاب أهل المطايا كلهم .

 

*البيب : الانابيب. *عسف : روّض

 

في تلك السنة ذاتها أشرك فهد الشرسة في (مركاض) الامارات ومنذئذ ولمدة سبع سنوات متوالية لم تخسر الشرسة المركز الأول في أي سباق خاضته و نافست فيه عشرات الابكار العمانية والمهجنة ، وتغير اسمها الى النادرة . وقد سيمت في أول الامر بمبلغ 800 الف ريال وكان ذلك أعلى سعر بلغته أي بكرة سبوق على الاطلاق آنذاك وتعلق حمد بثوب أخيه يناشده ألا يبيعها وقال له فهد: لا تخف يا هبيل لن أبيع .

وجلبت النادرة لفهد سيارة بيك اب ، ثم نافست على نيسان و فازت بها ، ثم جاءت بلكزس ، وعندها اشرأب طموح فهد الى البنتلي ونالتها النادرة بسهولة ويسر، ثم أعلن فهد في مجلسه( نفسي تاقت الى الرمز.. هذه المرة سأنافس على السيف )

وتململ الحضور وهزوا رؤوسهم وتجرأ احد الشيبان فرفع صوته: ماذا يقول هذا الخبل ؟ لم يكن لديه من الابكار السريعة (السبّق) سوى تلك البكرة ، ويريد ان يدخلها شوط التنافس؟ و على ماذا ؟ على سيف ؟ مجرد سيف مطلٍ بالذهب يعلق على الجدار ! من يقوم بذلك وهو يستطيع ان يفوز بسهولة بالسيارات الفارهة تلك السيارات المصفوفة للعرض في طرف المضمار يكاد بريقها يخطف ابصار الرجال تحت سطوع اشعة الشمس وتنهب الغيرة والحسد مشاعرهم وهم يغدون ويروحون عليها.  

ولامه الناس ولامه أخوته وأعمامه وتحدث عنه أهل العزب بالشحانية كلها ونظروا اليه بازدراء وغيرة ! قالوا (هذا والله  الشبعان البطران ! ) وقال له أخوه مفلح :

- لو انك شاركت في احد تلك الاشواط بهذه السبوق النادرة لفزت ! أشواط تشارك فيها في كل مرة  ثمانية او سبعة ابكار فقط.. يعني التي تأتي الخامسة فيها .. تحصد 50 الفا فكيف بمن يسبقها من مراكز ؟

وأصم فهد أذنيه فقد كان يفكر أبعد مما يفعلون  . وفي يوم المهرجان اقترب فهد من النادرة وهي تتململ بينما يشد عليها الراعي ( الركبي )* ويصلح شعارها . مسح براحة يده على غاربها بحب وامتنان ثم التفت الى أخيه الصغير حمد وقال له : ناظرها ! ماشاء الله تبارك الرحمن ! اليست نادرة ؟

ولم يكن ينتظر اجابة حمد فقد كان يحدث نفسه  . وأردف بصوت خفيض خاشع (بتجيب الرمز... بتجيب المجد)  ..

 وتفحصها بنظراته. ها هي ذي الان بكامل قوتها وبهائها وهذا هو موعدها ! لن يحظى بفرصة أقرب ولا أسعد من هذه الفرصة وخاطب حمد كأنه يخاطب العالم من حوله : من ذا اللي لا يريد الناموس اليوم يا حمد  ؟ وهز حمد رأسه مجمجما .

نعم أراد حمد الفوز و المجد لاسم والده ! لاسم عائلته وقبيلته ، ونظر بوله وتدله الى النادرة ورفع رأسه لينظر نظرة مستريبة الى أخيه فهد وهو يولي مدبرا . فهد كبير العائلة ، الرجل الحكيم الذي غدت له علاقات رفيعة وصلات عالية ، و سرعان ما

*الركبي: الراكب الآلي الصغير

 

التف حوله الرجال يسلمون عليه ويثنون على النادرة ويسيل لعابهم للبشارة وهم يتنومسون . *

لم يدرك حمد أن ذلك (الانجاز) كان مقصد فهد ومرماه لان فهد علم بأن السيف سيرفع قيمة النادرة  وسيميزها من غيرها ولأن السمعة تصنع تاريخ الرجل وتفتح الابواب . ولم تخذلهما النادرة حطمت النادرة رقمها بثوان وجاء رسول الشيخ وقادها من خطامها من فوره بعد أن سلم ثمنها عدا و نقدا . اجتمع اخوة فهد ليعدوا الفلوس التي عبأت أربعة أكياس وسلمت نقدا لا شيكا !  قيل بأن مقدارها اربعة ملايين ريال من فئة الخمسمئة وعبقت رائحة النقد الجديد أنحاء المجلس بكراسيه المنجدة وسجاده الفارسي بينما علّق السيف على الجدار فوق رؤوس الأخوة ، تلك الرؤوس التي انحنت منهمكةً في عدّ أوراق البنكنوت الجديدة مرتبة رزما رزما  ومبسوطة على سماط ممدود.  وجاء الاعيرج يضلع ويرغي كالبعير لما سمع بالصفقة العظيمة فألقموه 500 الف ريال وقالوا له لم نقبض الا مليون ريال ! تأبطها وهو منقبض آسٍ على نفسه ، يتباكى على فراق بكرته التي كان يتوسل منذ بضع سنوات أن يخلصه أحدهم من شرها وله المنة والثواب .

في ذلك اليوم لما علم حمد ببيع النادرة لم يتوجه الى مجلس أخيه بل مضى اليها ، إلى النادرة ، يسعى الى رؤيتها في العزبة الكبيرة واجف القلب، زائغ العينين، جاف الحلق .

 أراد أن يدخل الى حيث النادرة فأبوا أن يدخلوه وقالوا له : ليس هناك بكرة باسم النادرة لقد تغير اسمها بتغير مالكها . طاش لبه وأهوى عليهم بالحصى فشتموه واغلقوا البوابة الكبيرة دونه لكنه لزم المكان وصار يدعو السابلة ويصيح بالرجال والصبيان ويتعزوى ويستنجد بالغادين والرائحين الذين لم يستبن أكثرهم فحوى ما يقوله الا أن بعضهم أخذته به الرأفة والبعض الآخر وقف يتفرج عن بعد ولما حضرت دوريتان من المركز القريب تفرق الجمع على صوت زعيق سيرنة الشرطة واختفى حمد لكي يعاود الكرة في اليوم التالي.

نهره رعيان العزبة الكبيرة ولما نفد صبرهم زادت شكوكهم وغلب على ظنهم بأن ذلك الصبي الاخرق قمين بارتكاب عمل انتقامي و قد يؤذي البكرة الثمينة فأحاطوا به وتعدوا عليه بالضرب وكسروا أنفه وشجوا رأسه بالعصي والسياط التي تستخدم لزجر البعارين .

 

ما أسرع ما انهار عالم حمد الفانتازي !

 خاب عالم الحكايات ! عالم من الزهو والوقاحة والتصعلك ، سلسلة من الخوارق وأحيانا الافعال الشاذة التي تبدو في ظاهرها اعتيادية في سياق القص الرتيب بيد أنها ليست سوى شكل آخر هزلي للحياة !

 الحياة مختلفة عن الحكاية ! من كان ليتنبأ بذلك ؟

 لم يعِ حمد أن الخراقة ليست هي الخارق حتى بعد أن سلبت منه النادرة في

 وضح النهار ! ظل مؤمناً في داخله بالشخصية الخارقة التي تحتال وتخدع الآخرين وتنتزع منهم مرادها وتهزأ بهم وتصل الى مخادع نسائهم وتسفه أكابر الناس ولكن ماذا يريد ذلك الخارق الماكر المتخابث الفطن المتحامق المتملق المغامر ؟ لا يريد شيئا بعينه !  يريد أن يعيش لنفسه ، سيد نفسه ؛ يختط سبيلا لكنه لا يحض الآخرين عليه لانه لا يعبأ بسواه.

انه فارس شاعر حر ،  شخصية ملفقة غامضة فاحش جدا عطوف للغاية يحتقر الحياة الا أنه مولع بكل مشتهيات الحياة الحسية . هو جانح نحو الشر لكنه ذو قابلية للخير المطلق .

فارس يركب حصانه بالمقلوب ويحمل عصا بدلا من السيف يسخر من تفاهة الحياة ويهزأ من عبثية الغزو والصراعات وتقلبات الدهر . أهو شجاع أم مجنون ؟

 انه حكيم غير مكترث . هو فاضل غير مبال برذائل الاخرين . هو متمرد ينصاع فحسب لطبائع الحياة وسننها الجارية .

استهوت حمد الحكايات ؛ حكايات عمه مفلح ورحلاته ومغامراته ومبالغاته والان.. أخيرا وعده مفلح بأن يصطحبه معه هذه المرة . سيرافقه لاسترداد طير فقده منذ عامين في منطقة في السعودية . وقد تنازع مفلح مع شخص آخر استحوذ على الصقر، بعد ان اصطاده وعالجه من كسر في جناحه . أخبر مفلح حمد بأنه سيدعو طيره إليه ، سيناديه باسمه ولسوف يجيب الطير النداء ولسوف يعود به أدراجه و سيتدبر أمر دخوله عبر الحدود بدون جواز سفر للطير ولا أوراق ثبوتية و اذا حال أحد ؛ أي أحد،  بينه وبين مراده ، فلن يقف مكتوف الايدي. وأشار بيده الى سلاحه . التمعت عينا حمد و تعاهد الاثنان ألا يخبرا أحدا بسرهما وقال مفلح لفهد انه سيأخذ حمد معه ليزور أمه ولعل فهد صدق أو لم يصدق ما سمعه  لكنه كان أحوج الناس آنذاك الى من يخلصه من حمد وحماقاته وتهديده لمصالحه .

 

كل ما خبره حمد في حياته الهشة جعله يدرك بأن الحب - في نهاية الأمر- ليس سوى نوع من القبول بالسُخرة .

 عندما تحب أحدا عليك أن تبتلع كرامتك وتقحمها في زورك ، في جوفك ، في أمعائك الغليظة ، وعليك أن تداهن من تحب وتتملقه لكيلا تبدو غير أهل لوده المأمول وعليك أن تخفض من معاييرك وتتنازل عن ذاتك وتلبس أفكاره وقناعاته وتغدو متوائما معها غير مستخف بها. لمَ ؟ لان دعمك مطلوب لمن تحب ، فانت لا قيمة لوجودك الا لكونك داعماً لوجوده .

الا يستحي ذلك الطرف ؟ كلا انه لا يشعر بك ، لا ينتبه إليك .أنت تعطيه ما يستحقه فحسب ! أنت تبذل له ما أنت بحاجة ابتداءا ، الى اعطائه وهو يمّن عليك بأنه يقبل عطاءك .

 يعاقب حمد الاشخاص الذين يحبهم ! يمتّن عليهم بحبه ، ويشعر بالذنب تجاههم لانه يظن في أحيان كثيرة بأنه يكرههم . لعلهم يظنون ذلك أيضا ! لأنه بارع في ايهامهم بذلك . وسرعان ما يحنق على نفسه ثم ينقم عليهم لانهم دفعوه دفعاً الى تلك التصرفات . لا يعلم ماذا يضمر لهم بيد انه يرغب ان يشعروا بالالم لأنهم يوجعونه ويهملونه وهو يتحين الفرص ( يبدو كمن يفعل ذلك عمدا وبلؤم شديد ) ولكن عندما يستفزهم فيجتمعوا على توبيخه ويجمعوا على ابعاده الى حيث تكون أمه يستكين الى حالة من الوهن والاستسلام  وكأنهم قد أصابوه في مقتل ! لقد أثبتوا ما كان يخشاه و يدركه منذ البداية ، وهو أنهم لن يحبوه ولن يقبلوه أبدا .

 

 

أوقف مفلح جيبه (الشاص) العتيق موديل الثمانينيات عند بيت قديم متداع مقشر الدهان واحتضنت وضحى ولدها بقوة ، أحاطته بذراعيها القاسيين حتى كاد يصيح مستوجعاً ثم التفت الى مفلح الذي عراه الارتباك وتصبب عرقا في الشتاء تسأله عن حاله وحال من أتى من قبلهم .

وقف مفلح ناحلا طويلا وساكنا . وجه مجعد أصفر وفي عينيه الغائمتين نظرة عبوس متجهمة بلا سبب معروف وحك بظاهر كفه لحية متناثرة قصيرة شائبة بها حتت في مواضع حروق قديمة وجلا حلقه وقال مقطبا :  

 -يسركِ الحال يا بنت عمي

لكنها لم تكن في الواقع من بنات عمومته . نظر اليها محدقا : و كيف انتِ؟ وش وقعكِ ؟

عندما رفع رأسه وتأملها رآها على حالها الأول . لم تتغير بل ازدادت عرامة وفتوة . كانت ترتدي (دراعة) تكاد تتعارك مع جسدها الريان المرتاح دراعة من قماش لب الجوخ الأسود دراعة عتيقة وثمة ترابيع على الظهر والساعدين . طرز على أطرافها وعلى الاكمام والجيب بعض الترتر الباهت والخرز متقادم العهد وثمة غرز يدوية من حرير قاتم على شيلة تلف بها رأسها بها خطوط طولية خضراء ولفاح اصفر من نسيج خشن على عاتقها بدت من تحته طرف من جديلة طويلة كستنائية تطل وتختفي وعلى رأسها عصبة من منديل مدعوك وقد أخفت وجهها وراء لثمة من طبقتين بيد أن عينيها هما ذات العينين المألوفتين . العينان اللوزيتان العنيدتان الساخطتان. ولاحظ مفلح انه ليس هناك أثر لاي مصوغ ! لا قلادة ولا معضد ولا مسكة ، وخلت أصابعها من الخواتم وليس في قدميها سوى اثر لخضاب باهت  يلوح كلما قرفصت أو قامت من مكانها .

اسْتُقبل الضيوف في حجرة معتمة بها فرشة ممزقة ومساند قاسية منجدة بقماش مشمّع ودندن الذباب حولهم وليس أمامهم سوى صحن صغير به تمر حال عليه الحول ودلة قهوة قميئة وطاسة بها غسول وفناجين ثلاثة .

بعد وفاة أخيه صدته وضحى عندما جاءها خاطباً ورفضت ايضا خطابا آخرين  . أكل ذلك من أجل أن تقترن بهذا الشيبة الواهن العيي الأخرق الذي يقعد بجانبها ؟  أحقا أرادت رجلا ضعيفا مسكينا (تدوس في خناعه ) بعد ان جربت زوجاً صلفاً شرساً صعب المراس لم تستسغ معاشرته حتى مات سريعا بعد مرض مفاجىء .

منذ وعى مفلح نفسه وهو يكرهها؛ يكره وجهه ويديه وفكيه البارزين ورأسه المنداحة كالبيضة العملاقة والتي لطالما أثارت سخرية من حوله فيدعونه تارة ( بو جما )* وتارة أخرى ( بو قحز )* وألقاب أخرى تذكره بعيوبه وقبحه ودمامته  . ويكره أيضا حدّة طباعه وافتقاره للكياسة بين الرجال وضيقه بالمجاملات ويسخط على كل من حوله . حاول أن يدرس في المدرسة الليلية لكي يفك الخط وبلغ الصف الخامس ثم ترك المدرسة. تنقل بين وظائف محقّرة  ليس من وراءها مردود ولا دخل معين .

 يدرك مفلح انه لم يفلح في عمل أو أمر له شأن عند الناس ويدرك بأن قوته في عزلته عن الناس ومع ذلك كيف يحيا المرء بلا رغبات ؟

لقد عرف جسد المرأة في مواخير دبي وبغداد وسوريا والاردن والمغرب وغيرها، عندما كان يسافر في حاشية فلان أو علان وقد اصطحبه بعض (خوياه) من الاقارب في حاشية أشخاص نافذين وكثيرا ما كانوا يسدون اليه معروفا بتسجيل اسمه

 

*بوجما وبوقحز : ألقاب تهزأ من بروز فكه وعدم استواء رأسه

 

 

 ويحصل على المقسوم ثم يفترق عنهم بعد أول محطة ويسافر وحده .

  لقد أحب مفلح نساء عديدات ، نساء سمع بهن أو رآهن مرة أو مرتين أو حتى التقاهن بشكل عابر . هذا ما تفعله المخيلة الخصيب للنفوس المرهقة الملول انها تجعل المرء عاجزا أمام الجمال والبساطة والعيون الواسعة الطاهرة .

 

أهي حقا ذاتها ؟ هذه هي وضحى عينها ! المرأة التي أخضعته لانفعالات متجددة من الألم واللذة واشعرته بنفسه وأحيته وقابلت كل مشاعره بالجحود بل بأقسى من ذلك بالاشمئزاز .

فضلت عليه هذا الشيبة المكدود الفقير لأنها أرادت مخرجاً . أرادت أن تهرب من وجه اخوته وتبتعد عن سطوتهم . كلا لم تتغير وضحى وهل يزداد البحر ملوحة؟

قبل اليوم كان يظن أن وضحى قد اختارت الشيبة الأرمل زوجاً لأنه ميسور الحال ! لعل عنده نخلا أو حلالا من ماشية ! ولكن لا ، ها هي ذي تقطن بيتا قديما و تسوق أمامها بضع دجاجات هزيلات وعنزة ضامرة مشمّلة* لعلها عاريّة* على الغالب ! وتشهد كفاها المسفوعتان بانها تعمل بكدح تحت وهج الشمس . ورجلها الشيبة ليس لديه سوى قمل ثيابه ، لم يقرِ* ضيوفه وقد جاؤا من سفر بعيد سوى (القرصان)* وتمر( حويل )* .

عزم مفلح في نفسه الا يطعم وجبة في دار وضحى. أراد ان يغادر ذلك البيت وكأن حيطانه وجدرانه تضيق وتحطم ضلوعه وتخنق أنفاسه فحلف بأغلظ الايمان انه لن يتناول عندهم وجبة متذرعا بحجة أن لديه موعدا مضروبا لدليل خبير بالاماكن سيقوده في طريقه بحثا عن طير يغليه ويحبه ، فقده بل انتزع منه انتزاعا ، منذ أعوام ولم يزل يتنسم أخباره و يتعقبه وقد بلغه بانه عند فلان من العرب في هجرة قريبة على مسافة حوالي أربع ساعات  .

ناحت وضحى وهي تمسد ساعد حمد وتدعكها دعكا : ما اكثر ما بكيت على فراقك! وأخذت أمه تتحدث بنبرة أنين بخنة مصطنعة وطفقت تلوم أخوته وأعمامه أيضا

وتذكّر حمد بمواقف ليس يذكرها فقد تركته صغيراً لم يتجاوز الرابعة وكان حمد ينظر اليها وعلى شفتيه ابتسامة ساهمة شاردة وبدت وضحى غير قادرة على السيطرة على انفعالاتها فظلت تقوم وتقعد . وتارة تطل على قدرها في مطبخ صغير في ركن غير بعيد وتارة تتعقب دجاجاتها المعدودات لكيلا تبتعد في الطريق المترب وارسلت صبيا بخبر وصول ابنها الى بعض صويحباتها في بيوت الحي واشفقت على الصبي

*مشمّلة: غطى الضرع بكساء *عارية: مستعارة من صاحبها للانتفاع بها على أن ترد  * القرصان : أقراص * حويل : حال عليه الحول فهو قديم *لم يقرِ : لم يكرم.

 

المرسل فسقته ماء ثم نادته مرة أخرى وأعطته بلحا بسرا لأنها كانت على حال من الابتهاج واستوقفها حمد وامسك بطرف دراعتها* وسحبها لتجلس قربه وقال لها : أمـــــ مه* انتِ عــــــ ... عـــــطــّــــانة * ؟ وقالت له بسرعة : اي بالله .. شفني مستناسة ! أنا وأنت في سرور وسعادة اليوم .. اصبر.

وقامت لتدخل مطبخها ثم تعود ومعها بعض الاقط الممتزج بالسمن وارادت أن تلقمه بيدها فكف يدها فنهنهت : ستخبرني بكل ما في نفسك . وهزّت يدها متوعدة وهي تمازحه  : لن تخفي عني أي أمر

قال لها : وتحــــ......بيني.... د...دايم ؟

وردت باخلاص ظاهر : سأخنقك بحبي. سأعذبك وتعذبني ونتخاصم ونتصالح .. ونتعاهد كالعشاق .

 ثم تملصت منه لاداء مهام لا مفر منها ودخلت مطبخها الصغير تقرقع مواعينه في ضجة متعمدة. وعندما علمت وضحى بعزم حمد أن يرافق عمه في رحلته المزمعة ناشدته وتضرعت اليه أن يمكث عندها ريثما يعود مفلح من مهمته واضطرب حمد أشد الاضطراب.

*أمه : نداء للأم مثل يا أمي . *عطانة : مبتهجة

 

 لا يكاد يستقر في مكان كالممسوس وعندما جره أخواه سعد وسعيد الى المجلس أخذ يتململ بينهما لا يستقر على اليتيه الخائرتين ولم يلمس طعامه .

 

قالت له أمه : اذن خذ اخويك معك. والتفت اليها مفلح محتجا لانه كان المعني بالكلام : ما هذا الكلام ؟ آخذ معي مبزرة* ؟ انا رايح اكشت* فيهم ؟

 تفرس حمد في أخويه اللذين يصغرانه بسنتين أو ثلاث على الاكثر، كلاهما فارع القامة لم يخط بعد شاربيهما . أحدهما أشبه من الآخر بأمه له شعر كستنائي غليظ  ونظرة ماكرة وطبع محترس والآخر هادىء لا يني يراقب أباه بطرف عينه مراعياً مدارياً ، لا يريد أن يفارقه.

واستأنفت وضحى بلهجة دامعة مدروسة مخاطبة حمد : لا اوصيك بأخوتك يا حمد

وضحك مفلح منها ودفع حمد في صدره : توصين حمد ؟ وقال حمد متبرئاً : لا ... مـــ ..من همّــــ.ل أمه ف...فلاني بالـــــ..ــوصي* 

 وتنهدت وضحى وسوت شيلتها على رأسها وقالت : بصرك فيهم.*

 ثم أدبرت عنهم مطمئنة . وأذعن الجميع لتلك المرأة التي لن تنثني عن رغباتها ما دامت قد قررت أن تظهر تلك الرغبات .

*مبزرة : البزران اي الاطفال *أكشت: أذهب في نزهة* مقولـة( من همـّل أمــه فلاني بالوصـي) تنسب الى الشاعر الغيهبان *بصرك : افعل ما تشاء .

 

وسأل حمد أخويه ، من منهما الجيد في المدرسة فأشار كل منهما نحو أخيه وتجادلا وتشابكا بالايدي ، كل منهما يدفعها عن نفسه وكأنها تهمة فنادى حمد أمه : ودعــــــ..يهم.. يا. أم... حمد... ســ..... سيـــــ.عود  لــ.ك.... الجـــ.يد..أما..الر.دي فـــــــــــــــــــــــ    فــلا تبــــــ...كي عليه

وقالت أمه مداعبة : أنت أجيدهم وأغلاهم وأدناهم يا حمد.. عساكم في حفظ الله وعقلانه.

عندما ركب الصبية جيب مفلح ، حمد إلى جانبه والصبيان الآخران في القمارة خلفهما ، لمحهما مفلح في مرآة السيارة الأمامية يتمطيان ويتحسسان مقاعد السيارة وسقفها ، خطر في  باله انه لو كان قد أعرس مثلما فعل سائر اخوته لكان أولئك الصبية عياله ومن صلبه .

 وتفرس مفلح بضغينة باهتة في هيئة وضحى وهي تودعهم على باب بيتها الطيني الكسيف وتنظر الى السيارة التي تحمل ثلاثة من أبنائها هم كل عيالها . ومن خلفها وقف ابوهما الشيبة مستندا الى باب بيته المتهدم وادعا هادئا على ظهره فروة من قماش سميك منسولة الأطراف مبقعة ومحروقة عند الكمين لان صاحبها مدخن او مشعل نيران ومن تحت فروته بان ثوبه القطني وطرف صديرية حمراء. كان يلبس مداسا مفتوحا بالرغم من الطقس البارد الا ان في قدميه جوربين شاحبين وبيده عجراء * وباليد الاخرى لوح للسيارة الجيب حتى اختفت ثم سعل وتلطم* وعاد الى الداخل.

 

          اقترب منهم رجل أسحم الوجه يلبس أسمالا تفوح منها رائحة السلأ * وسلّم على مفلح ؛ تحاكّ أنفاهما وتصاكا بعزم وتلفت مفلح حوله وسأل الرجل:

وين موترك ؟

موترك موتري

ابشر

حي ذا العين

واقبل عليه الرجل مرة اخرى وحك أنفه .

وتضاحك الصبيان سعد وسعيد وهما يغطيان أنفيهما بكمي ثوبيهما.

 *عجراء : عصا غليظة*تلطم : تلثم *السلا: كيس الجنين والمشيمة يخرجان مع دم الولادة

 

قفز الدليل الى مقعد المعاون بجانب السائق ، وركب حمد مع الصبيين في الخلف . كانوا جميعا ساخطين على الدليل القذر. لقد تقيأت ناقة على ثيابه ولم يغسلها جيدا وقد خرج توا من المصلى ! وركب معهم فورا . وانزل مفلح زجاج النافذة التي تواليه وفطن الى ذلك الدليل ولم يقل شيئا . حدثهم دليلهم لمدة ساعتين عن ابن عمه الشاعر وانشد من اشعاره وحكى محطات من تاريخ قبيلته ولما رأى تراخي الشباب وتزحرهم كلما همّ بالكلام . رمى غترته واعتدل وراح يحكى مازجا الجد بالهزل عن معارك خاضها وحده في وادي عبقر حيث واجه جنيات سبع كأنهن الحور العين في واد سحيق وضاجعهن الواحدة تلو الاخرى في ليلة واحدة في كنف مغارة في الربع الخالي ولشد ما افتتن الاشقياء بحديثه حتى سالت سعابيلهم* وهم فاغرو الافواه منكفئون على المقعد الامامي تخدرت أيديهم وغامت عيونهم حتى وصلوا محطة بترول قديمة فيها استراحة متهالكة وبقالية صغيرة نزلوا جميعا وافرغوا مثاناتهم واستلقى العم على ظهره على ارض رملية بعد ان فرش الاوفررول العتيق وأخذ يتوجع ويئن من طول القعدة وراء مقود الجيب اللعين  وعندما استقلوا السيارة مرة أخرى حلف الدليل الا يقود السيارة سواه بقية المسافة . وسرعان ما شك الجميع بأن الدليل الاسحم قد قاد قط سيارة في حياته او استخرج رخصة قيادة فقد انحرف عن الاسفلت وسار بهم حصى وقطوع وارتجت السيارة وتمايلت وعوى محركها وحنّ وجنّ جنونه ودليلهم يحلف لهم و يؤكد بأنه يسوق قبل أن يفطم وأنه يعرف طرقا مختصرة وسيوفر عليهم الوقت.

 ثم بدأ دليلهم يشدو وكان صوته أشجا عميقا وساد سكون غريب داخل الجيب القديم المرتج واستهاض ذلك العم مفلح فشاركه الغناء بصوت خفيض حاد لكنه مقبض بعض الشيىء.

لم يحلم مفلح يوماً ان يجد كل ذلك الاهتمام الذي محضه إياه حمد . بالطبع فكر في أن ينال تقديرا ما ! وأعتقد دائماً بأنه محروم منه وأنه يستحقه ! وأنه سيلقاه ذات يوم ولكن لم يصدق أنه سيناله حقا ! و لم يكن يظن بأنه جدير به فعلا ، فهو يعلم بأن ذاته العادية التافهة لن تجد صدى عند الآخرين . عدّ نفسه مسخاً منكود الطالع منبوذاً ومنسياً . عدّ نفسه كالمجذوم يتجنبه الناس بل ينبذونه ! وكان مخلصا لوجهة نظره في الحياة بانها (لا تسوّى )  لا لشيىء الا لكي يملك الحجة لتخطئة الاخرين والانعزال عنهم وليجبههم بسخريته وهجائياته و لم يكن شاعرا مجيدا لكنه كان حافظا لا يجارى ويبز كثيرين من أقرانه إنما ضامه الدهر وأخنت به الحظوظ فلم يملك سوى صعلكة ودمامة وسمعة سيئة بالإضافة الى بندقيته وموتره القديم . لا سكن ! لا زوجة ولا عيال.

ومفلح مثل كل الذين لم يحظوا بالحب ، لا يستطيع أن يتصور فكرة الحب وصورته بمعزل عن صورة المتعة التي يمارسها ملايين الناس اذا واتتهم فرصة الحصول على اللذة الحسية.

أنشب مفلح أظافره بشدة في حريته وقد دفعه الخوف من الوحدة والموت فرماه مرارا وتكرارا في العلاقات الحسية العابرة المستأجرة . أصبحت موهبته العظيمة في افراغ حقده على الحياة وكراهية البشر حتى انه عندما قيل له ان الناس تذبح وتموت في الشوارع ، في المدن والبقاع ، هز كتفيه وقال : موت الحوت*.

 

 

تحلقوا جميعا حول النار التي اشعلوها وسط خيمتهم الصغيرة التي نصبت بعد نَصَب ومشقة وتواروا فيها من هزيم الريح وسياطه الباردة اللجوج .

تناولوا خبزا وبعض الجبن والتمر والمعلبات التي سخنت على مقلاة احترق قعرها مرارا وذاب البلاستيك حول مسكتها العارية والتقط مفلح بعض المكسرات من جيبه وحاول كسر جوزة فانثلم سنه وانقصف فقعد على فرشته ، لاعنا شاتما وهو يبصق دما ، لعن مفلح النهار والليل وكل الازمان  . انقلب الدليل المتوسد عباءته وقد التف بفروته وغطى رأسه ووجهه بشماغه ووضع ساعده على عينيه وفحّ بتخابث :

- يا رجل قد شبت وما عدت قادرا على ..كل ما عهدته من قبل.

 رد مفلح : تخسأ من اللي شيّب يا بو عثنون يا فاسق ؟

وتصاوخ الصبيان للمعركة القادمة

دق مفلح صدره : ما زلت شابا نضرا وعزمي كالجبال

*الحوت: المقصود هنا الدود .

 

لا توقظوا العم من نومه ! ما اسعده باحلامه!  قال دليلهم :

حكى لهم مفلح :- لطالما امسيت في الخلاء وحدي وانا صبي يافع أصغر من هؤلاء الذين تراهم أمامك .. ليس حولي من الاحياء الا حمار علقت عدوله على ظهره.. تقعقع الحجارة تحت حوافره فيطير قلبي من الهلع من كل صوت وحس.. أرعى قطعة * لاهلي وتأكلني الحسرة لاني لم أهرب بعد من وجه الشيبة ابي وسُخرته وعذابه  .

 وانقلب الى جنبه الآخر وهو يتمتم :- يجب ألا نتمنى ما ليس لنا مقدرا.

سكن ثم قال :

ما زالت منازلنا مصّورة في مخيلتي.. أكاد ألمسها بيدي -

 لا يني مفلح يحس بأنه وسط عالم بغيض لا يعنيه ولا يعتني به . قال وهو يضرس: -  حن رجال التبن .

  وأمسك علبة التنك بقربه  : انا محشور كسردينة في علبة معدن .. معبأة بمحلول مواد حافظة غير ان صلاحيته محدودة ... وكأننا ما ولدتنا امهاتنا ولا كتبنا في اللوح  .. من يبالي بنا ؟ وبصق مجددا دماً ونخاما

*قطعة: بضعة رؤوس من الابل *حن: نحن

 

تثاءب الدليل : والخلاصة ؟

وبينما كانت عيونهم تصافح النوم هز حمد ساق عمه وهمس : يا عـــــ..م ..  وشو  الـــــ..لي... مــــــــ......ما تــــــ..قدر عليه فـــــي الد..نيا ؟ قال له مفلح : عمك ما يعجزه شي يا ولد ! عمك قد عاصر أربعة أمراء من العايلة الحاكمة

قال الدليل الذي تناوم منذ قليل  : وش يعني ؟ حياتك زق في زق من درى بك ؟ من درى ان امك جابتك يا خيبة !

وقال مفلح متأملا :  بلى شي واحد ما اقدر عليه. ما اقوى أقتل نفسي. وأردف : وما هي بشجاعة ان تقتل نفسك

وغمغم الدليل نافد الصبر : نمْ انت وياه ! أمسوا يا حضران .

وفي الفجر احتسوا قهوة مهيّلة وصلّح الدليل حليبا بالزنجبيل لم يذق أحد منهم مثله قط وغمسوا خبزهم بعد تسخينه على الحطب في حليبهم ولحسوا ما تقاطر منه على اذقانهم ومسحوا أكفهم في ثيابهم وأخذوا يفركونها وينفخون فيها نشداناً للدفء وهم متلفلفون بفرواتهم .

خرج مفلح من الخيمة . عقد ذراعيه على صدره . سحب نفسا عميقا طويلا من سيجارته ثم مجّه برفق وهو يتطلع إلى الافق والى الصخور والزبارة البعيدة والرجوم تهزه ذاكرة تحن الى ما لا يدركه . يشعر بأنه يتلاشى فيما حوله يمتزج بالرمال وحشرجة الريح وتهامس الكائنات الدقيقة المتواضعة التي يستشعر وجودها ، يحيط به كأشعة الشمس الواهية التي تفيض على المكان وتحتويه خفية . يطفو مفلح فوق هذا المكان الهائل الغامض الدائم كجنين يسبح في عالمه الأول في زمن لامتناه . كم هم زائلون ! ويا له من أمر يدعو للارتياح لان الديمومة لا تحتمل ! لا تغتفر !

 وصاح فيهم مفلح استدعاهم صوته الآمر فخرجوا من الخيمة . اعترتهم هزة من دهشة ونشاط بسبب ذلك النهار المضىء وأنفاسه الصقيعية وركبوا السيارة وهم يفركون أعينهم وينفضون ثيابهم .

أخذهم الدليل الى المكان الذي سمّاه له مفلح حتى اذا ما وصلوا نزل مفلح وتفحص التربة وتنسم روائح المكان مد بصره في الأفق وقال لهم الطير قريب وركب ثانية . ساروا لنصف ساعة ولم يلح لهم سوى ظل مكسور لسيارتهم وصوت هديرها الذي اعتادوه حتى لم يعودوا يميزونه ثم تلاشى كل شيىء ! المكان شاسع متشابه على مد البصر والزمن بلا معنى ولا تقدير وتمايلت الرؤوس ضجراً ونعاساً وتدلت على الصدور ومد مفلح سبابته فجأة وصاح : ذاك طيري وربي ! وصاح ينادي الطير الحر مكوراً يده حول فمه : همّام يا همـّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام ..همـــّــــــــــــــــــــــــــــــــام    

طاردت السيارة طيراً أو شبحا من ظلال وغمام لمدة ساعتين ثم توجه مفلح ناطحا شمس الشتاء المائلة الواهنة فاعترض الدليل ناهيا اياه فلم يأبه به . تنافرت عروق مفلح وغلى الدم في رأسه وطاش لبه ، نهاه الدليل مرة أخرى عن سلوك ذلك الطريق وامسك بالمقود بيده  فلطمه مفلح غير فاطن لنفسه . وفجأة صارت الأرض تميد تحتهم. كانوا يسيرون على طبقة جليدية تتكسر وتتقطع وانزلقت السيارة  وتمايلت بهم . كبح مفلح الفرامل فدارت السيارة منحرفة تزحف بشكل أفقي . انحطمت جباه واصطكت اسنان واصطدمت الركب بمقدمة المقاعد ولم يستطع حتى الدليل حينئذ ان يفتح فاه ليلوم السائق .  ترشرش الثلج الممتزج بالطين والحجارة وتطاير على مقدمة الجيب وعلى جوانبه وشغل مفلح المسّاحتين فتعكر الزجاج وانعدمت الرؤية تماما فقام مفلح بانزال زجاج نافذته  يدويا واطل برأسه وكتفيه لكي يرى الطريق أمامه. ليس ثمة طير في السماء ولا دابة على الأرض لكنه أزبد وأرغى وأقسم ( علي الحرام  هاهو ذا ..ها هو معلي حدرا ) واستداروا وتلفتوا وقلبوا أعينهم في السماء . لم يروا شيئا فانطووا على الصمت ثم لاح ظل طائش وتلاه خفق جناح عنيف غليظ قرب نافذة حمد. تملك الجميع العجب وعقدت الدهشة ألسنتهم وأنفاسهم حين حام الطير فوقهم ثم ظهر باسطاً جناحيه وغقّ بصوت رقيق حاد موجع وخيّم عليهم شعور صاف نقي بوجودهم الهادىء الوادع ! لو أن انسانا اطلع عليهم لهاله مرآهم  !

رباه ما تلك الوجوه التي لهم !

ماذا رأوا ؟ ماذا جرى لهم ؟

ليس ثمة مكابدة ولا خوف ولا رغبة ولا فراغ ولا توجس . بدا العالم كالحلم ! تستطيع دغدغته وتلوينه ومحوه وطيه وايداعه في جيبك !

قطع حمد الصمت بصيحة ظفر وتخبط في مكانه ولوح بعصابة رأسه بينما انطلقت صيحات وصراخ وصفير تقطعها ضحكات متفرقة جذلى وراحت أيديهم تدق عشوائيا على سقف السيارة وبابها الجانبي وتقلصت على فم الدليل ابتسامة مبهوتة . حط الطير لوهلة خاطفة ولكن بصورة حاسمة على يد مفلح التي امتدت خارج النافذة واخترقت مخالبه أنسجة عباءة الفروة لتنغرس في لحم يده كالخطاطيف. تلاقت أعينهما وتعرف كل منهما على الآخر ثم زعق الطير وانتفض عاليا وكأنما يصدع لنداء لم يسمعه غيره او لعله راى ما لم يتمكنوا من رؤيته بعد . نزّ الدم غزيرا من يد مفلح ولكن عينيه ما فتئتا تلاحقان طيره الذي كان يصغر كلما ابتعد.. وانطلقت السيارة في اثره مجددا..

في تلك اللحظة دوت قعقعة من تحت إطارات الجيب وطقطقت رفاصات سفلية ودومت السيارة كالخذروف في يد صبي ثم انتكست السيارة وتدهورت تهوي رأسيا في واد ضيق على جانب الطريق . لم تكد تنقلب سوى مرتين و استكانت بهدوء في بطن الوادي بينما تناثرت منها أجساد ركابها الذين انقذفوا منها على مبعدة مرتطمين بصخور وجلاميد . ظلت الأجساد الباردة الساكنة مرمية حيثما وقعت يوما وليلة . لم يسمع حمد أنينا ولم يتمكن من رفع رأسه او النداء على رفاقه فقد كسر فكه وتجلط الدم يابسا حول عينيه وأحس خدرا كاملا من أسفل حقويه حتى رقبته . كان جسده عاريا و باردا ومبتلا ولكنه لم يشعر بشيىء . كانوا هناك يظهرون للناظر-  ولكن ليس ثمة من ينظر اليهم-  وكأنهم نائمون فقط ! قد تكور بعضهم وتمدد آخرون بلا حراك  .  وانهمر المطر طوال الوقت ، في سكون الليل. ثم سمع حمد ضجيجا صاخبا، خرخرة عظيمة لم يدرك حمد ما الأمر . كان السيل قادما ؛ سيل عرم قدم من زبارات ثلاث تشرف على ذلك الوادي المنخفض والتقى الماء وتدفق جارفا حاملا معه أشجارا وجيفا وأقذارا وصخورا ورفع الماء السيارة الجيب المقلوبة بكل يسر ورقة وجرفها كما جرف من تحتها التربة في مجرى السيل وتلاطمت أمواج المياه في جلجلة عظيمة . ربما تلامست جثامين الرجال أثناء اندفاق السيل ربما تلاقوا واحتضن بعضهم بعضا ولكنهم لم يتعرفوا على بعضهم البعض فقد لفظهم السيل وبعثرهم ، وكأنهم لم يكونوا يوما سوى أشياء فحسب ! وهم الآن بقايا حطام أو نفاية تطرد من وجه الطبيعة التي تؤدي مهمة عادية في يوم عادي.

 

  ووسط زمزمة الريح ورشاش المطر طفا حمد للحظات وترنح جسده وانثنى كغصن رطيب ثم غاص عندما علقت ملابسه ببقايا أقذار قذفها السيل في بطن الوادي . لو فتح حمد عينيه حينئذ لرأى جذوعا لها أطراف بشرية مثنية بطريقة عنيفة ومزروعة في السيل الوحلي الرائب لكن حمد لم يشهد مقتل عمه وأخويه لأنه كان يغرغر محتضرا وهو يظن بأنه إنما يحاول فتح عينيه لأنه كان يقاوم الظلمة وسمع بجلاء صوتاً يناديه ، صوت يسمعه لأول مرة بيد أنه مع ذلك تعرّف على صاحبه ونادى حمد ولكن صوته لم يخرج أبدا : أبي ..أبـــــــــي  

وتعجب حمد ! كيف فعل ذلك لانه لم يقدّر له قط أن يدعو أباه من قبل !  

واستسلم حمد للنوم العذب الرقيق ولكل تلك السكينة المخملية التي ابتلعته واستغرقته تماما.

 لقد بلغ نهاية الرحلة .

 




ليست هناك تعليقات: