السبت، 7 مارس، 2015

آلبوم صور - قصة قصيرة




 قصة قصيرة

 آلبوم صور

السبعينيات

 

 

 

 

صورة رقم (1)

 نعل أمي المطاطية تصأصىء وهي تسحب قدميها سحبا على القاع . تقرفص أمام طشت الماء في الحوش بالقرب من مصطبة غسل المواعين . زلقت كفيها الى الماء في الطشت الباهت وشطفت وجهها بسرعة غرفت منه مرات ومسحت على رأسها وترشرش الماء على كميها وجيبها. دلفت الى حجرتنا التي كنا ننام فيها وخلعت ثوبها المبلل تناولت ثوبا معلقا على مسمار دق في الجدار، واسقطت الثوب على رأسها الى كتفيها وجلست على حافة السرير وادارت ظهرها لنا وفكت شعرها من ضفيرته ، فانسدل مرسلا أجعد ثم أرسلت أناملها من خلاله . نفضت شعرها الشاحب المنبعج الى الوراء والتمست مشطا بين طيات الفراش فلم تجد. تخللت شعرها بأصابعها لتفك ما تعقد لكنه كان كالفتائل الملتوية . أبي غير موجود معها . أبي خارج الصورة .




صورة رقم (2)

ليس شعري مفرودا ولا متساويا . شعري بني ويابس وشعث ، وثمة خصلات قصيرة لم تنضوِ في جديلة الفرس المربوطة خلف رأسي ، فلويتها وراء أذني كيفما اتفق . ألبس ( دراعة ) ؛ هي ثوب عادي . لا يدعى فستاناً لا أحد يسميه كذلك ! من المضحك أن يعتبر فستانا ! هناك فتق في جانب منه لانني تسلقت جدارا وانا ألعب ! (هكذا نلعب على كل حال !) وقفت أمام الباب الصغير لبيتنا الصغير . لم يكن هناك شيىء يحدث من حولي ولم أكن أفعل شيئا . لم تسلم الشمس بعد لكي ينتهي اليوم . مر رجل عربي يلبس بنطالا وقميصا . سلم على أخي الكبير . الرجل يعمل مدرسا في مدرسة أخي . اصطحب الرجل ابنته . ابنته دمية جميلة شعرها أشقر قصير مرتب وبشرتها نضرة بيضاء كالقرطاس لم يسعني أن أحول عيني عنها للحظة ! ولكني لم أحاول الاقتراب منها . لم يدعُني أحد لأقترب . كان الأمر كالحلم الذي تراه لكنك لست فيه ؛ لانك لا تنتمي اليه ! كانت تلبس قميصا أصفر بلا أكمام و جونلة خضراء قصيرة مهفهفة وحذاء أحمر لامعا ! لم أعرف لمعاناً كهذا في دنياي .

لم تفارق صورتها بالي لأيام ( لم ازل أذكرها حتى اليوم !  )

 


 صورة رقم (3)

نلعب في حوش بيت جيراننا . حوشهم أوسع ومنفصل عن سائر البيت اذ يتبع مجلس الرجال . كان سعد يلعب مع رفيقه واخوته الصغار وكنت بقربهم أقف وحدي على دكة صغيرة وأتخيل انني على مسرح . منذ أن عايره اخوه الكبير لم يعد سعد يقترب مني ولا يتخاطب معي . أنا ايضا كنت أعلم بأنني يجب أن ألا ألعب مع الصبيان . رحت أتلو ابياتا من قصيدة لشوقي قراتها في كتاب أختي( النصوص)  للمرحلة الثانوية واغمضت عيني ورحت اشوح بيدي بشكل دائري كما يفترض بالملقي ان يفعل امام الجمهور . ورفعت صوتي تدريجيا . لم يثر ذلك انتباه سعد . فتحت عيني وئيدا وخيل الي أنني رايت شيئا يتحرك في شق الطوفة امامي وصرخت : دعلوي * (الدعلوي : القنفذ ) والتفت الي الصبيان اللاهين وصحت مرة اخرى بثقة : شفت دعلوي.. هناك

وتجمعنا حول الشق الذي كان ممتدا جحرا في الارض وانحنينا متزاحمين لكي ننظر خلل الحفرة المظلمة واحضر رفيق سعد عصا قصيرة واخذ يوكز بها ليخرج ما بداخل الجحر . جرت محاولات اتسمت بالعجلة والبلاهة رمينا ترابا وسكبنا ماء من علبة صفيح وبصقنا وصرخنا في الحفرة وكنا نتسلى كنا نلعب مرة اخرى معا . اردت ان اظفر باعجاب سعد مددت يدي داخل الجحر تخلفوا الى الوراء واخذوا يراقبون . لم التفت كنت واثقة انني كنت على منصة المسرح والكل ينظر الي بترقب .

كنت خائفة . غاصت يدي في معجون الماء والطين وجير الطوفة وانحشرت بين الحصى والتراب ظننت ان وحشا ابتلع يدي وقبض على ساعدي . واخذت انشج وانهج واطلب المساعدة وهم يصيحون دون ان يقربوا مني : طلعي يدك ..انزعيها

وانفتل اخوة سعد الى الداخل وانا اسمع صياحهم يتبدد ( الدعلوي أكل يدها )

شعرت بيد سعد على كتفي . جرني بقوة آلمتني . خرجت يدي متسخة متسلخة ومدمية عند براجم الاصابع لكني توقفت عن البكاء نفضت ثوبي ولم اشتكِ .اكتفيت بدعك مواضع الالم والتزمنا الصمت

 لا استطيع تذكر ملامح سعد الان . كان أهم شخص عندي ولا استطيع تذكر ملامحه ! أحسب أنه سيكون محبوبا لدى النساء عندما يكبر . لابد أن عينيه غير عاديتين مثلا لوزيتان وشعره سبط فاتح اللون وشفتاه مزموتان متعاليتان ويصعب ارضاؤه . كان قابلا لان يستوعب اي خيال لدي عن الوسامة والابهة .

 

صورة رقم (4)

عدت من المدرسة . وجدت خالتي وابنتها في بيتنا . جاءت خالتي لتقيم عندنا . أخذت حجرة في بيتنا . في بيتنا حجرتان. و تلك الحجرة (الأخرى ) كنا نستقبل فيها الضيوف والزوار . تتصل حجرة خالتي من الداخل بالحمام الوحيد في بيتنا . بيتنا لم يكن ملكنا . لم نكن نملك شيئا . هو مسكن عربي قديم ؛ فيه حوش وله ( ليوان ) بأعمدة اسطوانية ، تصطف حجرتان مطلتان على الحوش الصغير وعند الباب الخارجي هناك ( أدب) الادب يعني : كنيف خارجي ليس له باب !

   هناك بعض المتاع في حجرة خالتي .  لم نكن نملك الكثير؛ سجادة قديمة ومساند ملطخة وطاولة خشبية عرجاء . كنت اختبىء تحتها احيانا ، ولم يعر أحد بالا  لغيابي الا بعد أن تجاوزت العاشرة. أصبحت أمي تتفقدني حرصا على ألا أتسلل للعب في الشارع . في حجرتنا التي ننام فيها جميعا يوجد سرير واحد تتناوب عليه أمي وأختى الوسطى . أختي الكبرى انتقلت بعد زواجها واخوتي ينامون على الارض. يوجد في حجرتنا كل ما نملكه ؛ فرش  تطوى وتراكم بعضها فوق بعض في سائر النهار وتلفزيون صغير له هوائيان وخزانة ثياب تخص أمي لها بابان . وفي حجرتنا نافذتان احداهما مغلقة دائما لانها تطل على مكب اوساخ من حجارة وخشب في داخل بيتنا من الخلف ! وفي الخلف ولدت قطتي يوما وجاء قط ذكر كبير (نيروزي) وقتل صغارها بلا سبب  . كثيرا ما تحدث الامور بلا سبب !

 خالتي مثل كل النساء الكبيرات صارمة ومتطلبة وصعبة الارضاء الا انها فوق ذلك كانت صموتا وبكاءة لكنها تبكي فقط عندما تكون وحدها في " الحجرة الاخرى" ( التي أصبحت " حجرة خالتي " ) . عندما كنت أدخل لكي أستخدم الحمام الوحيد في بيتنا ، تحدجني بنظرة كريهة ؛ كنت أتطفل على دموعها السرية .

صورة رقم (5)

رافقتني خالتي حتى باب البيت الخارجي ونظرت الى ابنتها التي كانت تصغرني بثلاث سنوات ثم انحنت وانتزعت الحقيبة من يد ابنتها ومدتها نحوي لأحملها عنها . حملت الحقيبتين ؛ حقيبتي وحقيبة ابنة خالتي ومشيت متثاقلة كسقّاء الماء في حينا . كنا نذهب مشيا على الاقدام الى مدرستي التي أصبحت الآن" مدرستنا " أنا وابنة خالتي . كانت المسافة أقصر عندما كنت أحمل حقيبة واحدة. كنت أهرول عائدة الى البيت متخذة طريقا مختصرا . التفت ورائي وألمح ظلا ؛ ظل خالتي أسود وراء شق الباب. عندما غيبنا زقاق بيت أم مرزوق رميت الحقيبة الأخرى على الارض ونهرت ابنة خالتي  : لا تتسحبي وتؤخرينا.. يلا ! ومشيت بسرعة عمدا . كانت عالة علي . كانت دملا نبت في راحة يدي. ابنة خالتي أصبحت حقيبتي الاخرى !

صورة رقم (6)

عندما كنت صغيرة كنت أردد كلمات غريبة ! لا أعرف معناها حقا ولا.. جدواها . أقولها لإبهار من أخاطبه ! أصبحت بعدها أجمع الكلمات غير المألوفة لان اثارة انتباه الناس تشعرني بأني منظورة ومرئية.. وهذا يسعدني فقد كنت غير موجودة في غالب الاحيان .

وكنت عديمة الفائدة . كنت عبئا على أمي وكنت "اللاشيىء" الذي يريد أن يصير شيئاً . لا أحد يرغب في وجودي يذبونني كما يطرد الذباب  ! يتهمونني بالكسل ! بأنني أتسمّع وأتصنت على كلام الكبار ! رأيت أخي يدخن على السطوح ولم أشِ به ( فعلت ذلك الان توا ) لم يكن أحد يرحب باصطحابي او مساعدتي في حل واجباتي المدرسية ناهيك عن التحدث معي أو إلي ! توجب علي مبكرا أن أقوم بتحميم نفسي و غسل ثيابي أيضا ! لم تكن كثيرة ولكني لم أكن مستعدة للقيام بذلك . قالت أمي ( توسخين ثيابك ولا تحملين همّ غسلها ؟ ) كنت حتما بذلك السوء ! لماذ يأتي الاطفال الجهّال الى هذه الدنيا ؟ من يجلبهم بهذه الكثرة !

صورة رقم (7)

 

 كان يقعد كل عصرية مسندا راسه الى الجدار. بيده مسبحته الكهرمان . يسوك اسنانه ويمج الشوائب جانبا . وكان يطرقع باصابعه عندما يراني وكان ذلك يفتنني ولا احسن تقليده وينظر الي بمكر ويدعوني إليه بغمزة ويقول: تريدين ان تتعلمي كيف افعلها ؟

وأهز رأسي إيجابا ويجذبني الى حضنه ويقبض على جذعي الصغير بفخذيه كحركة المقص ويمسك بكلتا يدي واشعر بضغط شديد وضيق وأسمع في أذني حمحمة وحشرجة وهو يشدني اليه وانفاسه تلسع رقبتي ووجهي ويلتصق بي وتحك لحيته وجنتي ولا استطيع الانفلات منه ولا اتعلم كيف اطرقع اصابعي ولا اخبر احدا عما حدث ولا يسألني أحد .  

 

 

صورة رقم (8)

خبأ نسيبنا الشاب أجزاء رواية (أنف وثلاث عيون ) الثلاثة عندما رآني أطل فيها بفضول . نهرني وقال بسبابة مرفوعة : احذري ان تفتحي هذا الكتاب ! وتملكني الفضول وسرقت جزءاً من أغراض أخي الكبير وخبأته في حقيبة المدرسة. لمحت ابنة عمتي الكتاب وقالت بنبرة كريهة : تقرأين لعبد القدوس ؟ .. ايه ! وفي الصدر رمانتين.. هاه ؟ لم أخجل من السرقة وخجلت من نبرتها ونظرتها الاتهامية ! رحت أبحث في الكتاب عن الرمانتين . هل هناك رمان في الصدر ؟

صورة رقم (9)

كل من حولنا فقراء .. مثلنا ! غير إني لم ادرك ذلك بالطبع لاني لم أكن اعرف معنى الا نكون كذلك. لجارنا الاقصى ثلاثة أبناء متخلفون عقليا ، وجارنا الادنى لديه ابن يصرع في اليوم مرات على قارعة الطريق ويبصره كل المارة ، وابن آخر ولد بساق أقصر من الاخرى . لم يكن الناس من حولنا الا بعاهة او آفة أو خلل ؛ قدم حنفاء او شفة شرماء أو عور أو بهق او على الاقل نوع من البلاهة ! هذا صحيح كل رفاقي بلهاء وعبّود ابن جيراننا مثلا يسير بلا سراويل ولعابه يريل على عنقه طوال الوقت ! أنا.. نفسي كنت بلهاء ..قليلا ! كلما أرسلتني أمي الى الدكان أضعت الريال أو ابتعت شيئا آخر غير ما أرسلت في طلبه !

  وكانت ثيابنا مهلهلة . لم نكن نمتشط قبل أن نخرج للعب في الطرقات . كل ما حولنا كان باهتا مهوشا مشرعا ومشروخا . الناس في غاية الدمامة وثيابهم مرقعة ومجعدة ومبقعة . ليس لديهم خزانات للثياب لكي تكوى وتطوى وتحفظ ! ليس لديهم ثياب كثيرة وغالية لكي يقتنوا دولاليب . يشترون الملابس لأطفالهم ، مرتين في السنة؛ في العيدين فقط .

حذرتني أمي من كل شيىء تقريبا . جمعتنا وحكت لنا قصصا مريعة عن شرور الدنيا و الناس . اعتبرت كل كلامها حكايات . اعتبرت حكاياتها تصور عالما آخر، عالم بعيد عني ، لا يمسني ولا يمكنه ان يؤذيني . بيد أنه العالم الذي لم أرد يوما أن أعيش فيه فلم أعترف قط بأنه عالمي.
 لم أعلم بأن كل كنوز الحب في صدري ، سينطوي عليها صدري ، ولن يحبني أحد ..قط .

 

ليست هناك تعليقات: