الخميس، 19 مارس، 2015

قصة ( المعصية )


قصة

المعصية

 

 

                     لم يكن على نيلة أن تعترف بأساليب التونسي أو أن تقر بفاعليتها أو حتى أن تعتقد بجدواها الا انها في الواقع لم تستسغ مجرد دخوله الى بيتهم دخول "  أجنبي "  ،  " أجنبي ذكر " ، الى صالة بيتهم حتى لو زعموا بأنه قادم ليجري معالجة ضرورية لأمها . وكان عليها أن تلازم أمها منذ اللحظة الاولى التي وضع فيها سليمان قدمه في بيتهم . لم تشعر نيلة بحاجة الى التفكير في كيفية التعامل مع وجوده ؛ ذلك أن وجوده الطارىء لم يشغلها بل حيرّها ونغص عليها . كان بلا شك باعثا على تسليتها قليلا  ، الا أنها لم تسمح لنفسها بالاعتراف بذلك واضطرت الى تأمل وجهه مليا في الزيارة الثالثة لاسيما أنه كان لا يفتأ يستدير نحوها ويتحدث اليها لسبب او لآخر. لا يتجاوز سليمان الثامنة والعشرين. حاجبان متساويان كثيفان وغامقان وبشرة قمحية شاحبة شعر سخي أكرت قليلا وذلك يكسبه مظهرا شبابيا وعصريا . هناك بعض الوداعة في عينيه الضيقتين. له شارب رقيق غير مشذب وفك رجولي عريض وصوت أبح دافىء يهدهد سامعه. صوته كجدول الماء يتدفق .

 

 


قابلته لاول مرة على مدخل البيت . كانت قطة البيت المكتنزة تتمدد بلا اكتراث تحت أشعة الشمس الدافئة لشهر مارس . وكأن نيلة لم تكن تعلم بأنه قادم وكأن أخاها لم يخبرها بأمره وكأنها لم تلحظ وقوفه منتصبا على عتبة المدخل ، واصلت زجر قطتها وتوبيخها ، وتوعدتها بالعقاب، بسبب مبيت القطة في الخارج وتخلفها عن طعامها وسلوكها المعيب . وتنحنح سليمان وحياها رافعا كفه في الهواء ثم أعادها الى صدره مربتا ، علامة للاحترام وقال :

-أنا سليمان .

بدا وكأنه من الطبيعي أن يردف قائلا : أنا جني المصباح السحري.

رشقته بنظرة فظة وجافة

 -سليمان.. من ؟

-الممرض ! المدرب ! أخوك اتفق معي و ...

-نعم .. نعم

وتطلع الى عينيها الذاويتين من وراء فتحتي النقاب :

 -انت مريضة ؟

ردت بفتور:

-لا . امي المريضة

-تبدين لي مريضة

ردت بحدّة هذه المرة:

- قلت لك لست مريضة

-وأين هي الحجّة ؟

-أمي .. لا تريد هذا التمرين . اخي يريده ويصر عليه

وانت ما رأيك ؟

-أمي تقرر بنفسها حتى لو لم تكن تستطيع الكلام

وقال سليمان بصيحة ظفر:

-هذه هي المشكلة انها لا تستطيع الكلام.. بينما بامكانها ان تتكلم... رويدا رويدا

قالت نيلة بنبرة شديدة الاعتزاز : أمي امرأة مؤمنة صابرة محتسبة.

وكانت تمسك بمظروف في يدها سحبت منه ورقتين ودفعتهما في وجهه  

-شوف.. هذه قسائم أيتام.. أمي تكفلهم عن طريق جمعية خيرية . تدفع 200 ريال شهريا لكل يتيم . هذه الصدقة سترفع عنها كل بلاء وسقم .. انظر . انظر بنفسك الى التقرير .

وكان تقرير الجمعية يقرر بأن اليتيم المكفول يحفظ خمسة اجزاء من القرآن ويواظب على الصلاة ويتلقى الدروس الدينية ويؤدي الطاعات

ورفع سليمان حاجبيه عجبا : هه ! ما معنى هذا ؟ انتم تقدمون معونة انسانية لكي يعيش ذلك المخلوق بكرامة  .. لا تعطونه بشرط ! هه ! كأنك تساومين الطفل الصغير الجائع ! هل تعطينه مقابل اثبات ايمانه؟

-ما هذا التخريف ؟ ولمَ أعطيه اذن ؟

 -تعطينه من باب الانسانية .. لكي يتمكن من ان يصير حرا ومختارا . لان... لان اختياراته تخصه وهو مسؤول عنها . كيف يحاسبه الله على شيىء فرض عليه ولم يختره ؟

وصفقت نيلة كفا بكف باشمئزاز وأدبرت عنه وهي تهز رأسها دون أن تلقي عليه نظرة أخرى .

 

لقد قرر أخوها ، وهو يقرر كل شيىء - كما جرت العادة- أن يستعين بممرض تونسي بعد أن انسحبت الممرضة المصرية التي كانت تتردد في الفترة الماضية على أمه المشلولة العاجزة عن النطق . عارضت نيلة فكرة الاستعانة برجل الا أن تدهور حالة الأم وبكاءها وعدم انتظام الممرضات السابقات الثلاث في العمل ، كل ذلك دفع أخاها الى الاصرار على اختيار الممرض الذكر فضلا عن أن اخاها كان رجلا مشغولا وعصبيا وضيق الصدر و البال . لم يبد حرصا كبيرا على متابعة حالة الام الا انه كان متضايقا ومهموما بسبب انعزالها بعد المرض . وبالنظر الى ماضي العجوز (نافجة) فان عجزها عن الكلام وشللها كان مأساة بالفعل . أمه العجوز صارت حطاما الان ! في الماضي عندما كان صغيرا كانت ملكة، ملكة بحق ، والجميع يستطيع تذكر جانبا من ذلك ، فقد كانت امه امرأة اجتماعية نشطة حية لديها دائرة معارف وعلاقات عامة هائلة وتقوم بزيارات وتحركات نشطة نجم عنها الكثير من الثمار والفوائد للعائلة . كانت أمه تتلقى الكثير من الهبات والعطايا وكانت الاواني بالذات تتدفق في المناسبات ، يحصل البيت على اكثر من حاجة سكانه لأطقم الشاي والقهوة من البورسلين والكريستال وصواني التقديم المذهبة فضلا عن هدايا وهبات متنوعة من قريبات الام ومعارفها وصلاتها وهكذا فان نيلة وأمها لم تضطرا لابتياع أشياء عديدة مثل البخور والعطور والمفارش والعباءات والنعل والجلابيات والاقمشة . وكانت زوجة (العود )* هي المحسنة الرئيسية الكبرى وليس بخافٍ على احد علاقتها الوثيقة بالعجوز نافجة . لقد أنعمت على العائلة بعدة أفضال منها المنصب الرفيع الذي حصل عليه ابن نافجة بناء على توصية منها .

*العود : الكبير في السن والمقام أيضا

اصيبت الام نافجة منذ سنتين بالجلطة الثالثة و كانت تلك الاشد وطأة ، وبعدها أوثقها المرض بالكرسي المتحرك بعد أن لازمت السرير أشهرا طويلة ولكن عجزها عن الكلام جعل كل من حولها يشعر بأنها أسوأ حالا مما لو كانت قد ماتت بالفعل

 

 عاود سليمان الظهور على عتبة المدخل مرة أخرى في اليوم التالي عندما اتصل به أخوها واستدعاه مجددا وطلب من نيلة أن تحسن استقباله.

قال لها سليمان : سميتك ؟

هاه ! وشهو  ؟

اسمك الكريم ؟

وما حاجتك الى اسمي ؟

سألها بأدب:

هل أجلس هنا ؟

وقالت ببرود ولامبالاة  : اجلس !

 عندما دخل سليمان الصالة فوجىء برائحة عطنة لم يعرف مصدرها أهي السجاد المتقادم فوق الموكيت المتخمر أم الابواب التيك المضغوط القديمة أم سقف واطىء من قطع  السليتوكس المستطيلة . تبدو الصالة كبيرة لأول وهلة . مفروشة بقطعة سجاد واحدة عريضة تكاد تغطي كامل الموكيت الماروني ما عدا أطرافه . يكاد الكنب يلتحم ببعضه متصلا ومسورا المكان تاركا مساحة ركنية ضيقة تحتلها خزانة ديكور خشبي ذات أرفف الا انها لم تحو كتابا والا صورة مؤطرة ولا مزهرية بل كانت خالية  مقحمة على المكان. كان الاثاث قديما ومتينا يبدو مظهره باليا لان قماشه مشجر وباهت الا انه كان قديم الطراز فحسب . لطالما رفضت العجوز تغييره وحافظ الخدم على نظافته وظل على حاله أما الحوائط فكسيت بورق جدران طحلبي اللون بنقوش صفراء صغيرة .

في تلك الصالة لم يكن ثمة نافذة واحدة ! وكان هناك أربعة أبواب وثمة ممر يقود الى المكان الذي تظهر منه العجوز  قادمة على كرسيها ذي العجلات تدفعه نيلة وكانت تضع الكرسي دائما في الموضع ذاته بمواجهة الصالة بأكملها .

 

نزع سليمان سترته وثناها مرة واحدة ووضعها على المقعد . مسح شعره بيده ووضع حقيبته الصغيرة على الطاولة. رفعت نيلة نظرها اليه كان وجهه حليقا وهو ما أثار استيائها منذ الوهلة الاولى و كان شاحبا ومرهقا. له عينان غريبتان بلون البندق ولكنها لم تعرف بأي لون هما . لاح لها أن وجهه مكسو بتعبير غريب يكاد يكون وقحا مقتحما. كان ممتلىء الجسد له ذراعان طويلتان مشعرتان كذراعي قرد هكذا وصفته لاحقا لزوجة أخيها ، له ذراعان أطول من أي ذراعين رأتهما  ( هكذا أكدت بالرغم من انها لم تقترب كثيرا من الرجال وأذرعهم وسيقانهم وبقية أعضائهم ) وعندما يتحدث ليوضح ما يقول أو يشرح فكرته يتبسط مع مخاطبه وكأنه ألفه وعرفه من زمان وهو أمر لم تستسغه أيضا لانه يقترب كثيرا ويبتسم كثيرا ويسأل كثيرا.  ونظر سليمان بدوره الى نيلة فرأى عينين ذاويتين فارغتين وراء النقاب و جسدا مكفناً بسواد العباءة. جسد متيبس وناء . لم تألف نيلة لهجته المغاربية ولم تكن تعرف معنى المصطلحات التي يذكرها في كلامه وطفقت تردد بضجر بالغ ( كلمني عربي.. كلمني عربي )  وكان هو يلتفت حواليه ووراءه ويغمغم متبرما بكلام سريع .

 

لم تنقطع تربصات نيلة بالتونسي ، تشكو لاخيها منه : التونسي غريب الاطوار. التونسي يحمل دائما كتابا تحت ابطه ويدمدم بلحن يملأ رأسه. التونسي يجعد أنفه مبتسما ! علام الابتسام ؟ ولا يوفر اي خادمة من نظراته الزائغة. التونسي ثرثار ويتدخل فيما لا يعنيه ولا يعرف الادب " لا يتركني في حالي !" وذلك ما اثار توجسها منه وختمت بقولها ( ماله ومالي ؟ )

كان ثمة شيىء عارم وشيطاني فيما يخص شخص سليمان وكان له سلطان هادىء على أمها العجوز وأرهقها أنه كان يصر على اشراكها في الحوار، ويطلب منها أن تعاونه في استثارة اهتمام العجوز واستدراجها للاستجابة لطلباته لكي تثمر دروس التمارين الخاصة بها وكانت نيلة قد حسمت موقفها عندما انزوت في أقصى الصالة . تعمدت الجلوس بعيدا وحملت مصحفا صغيرا بين يديها . أكبّت عليه وكأنها تحذره من مقاطعتها وهي تتلو وردها اليومي  .

بعد بضعة أيام هاجت نيلة وماجت وراحت تشكوه عند أخيها لانه يتجاهلها ويغفلها عمدا ( يفعل ما بدا له ! كأنه صاحب البيت ! ) . استشاطت غضبا وشعرت بالمذلة لاغفالها. هل أصبحت ليست بذات بال في صالتها ! في بيتها ! أمام الخادمات ! حتى الخادمة الفليبنية تحوز اهتماما اكثر منها .

 يخاطب سليمان الخادمة :

-تعرفين كيف تشغلين هذه  ؟

-ايس هدا ؟

-هذا بروجكتور .

وأخرج سليمان من حقيبة جلدية جهازا أسود له عدسة مدورة ويتدلى منه سلك في طرفه قابس وسأل الخادمة أين مقبس الكهرباء . ثم طلب ملاءة سادة من خام ثخين وجىء اليه بخامتين اختار أفضلهما برأيه وانهمك يعلقه على الحائط بمساعدة ( تورا ) التي كانت بدورها تتقافز جذلى وتردد ( سينما .. فيلم ) وفي النهاية نجحا معا في تثبيته بين أكرة بابين .

ونطقت نيلة بعد صمت على مضض. قالت بنفاد صبر:

- وشو هذا ؟ ما الغرض منه ؟

-هذا وسيلة استعراضية.. لاثارة اهتمام العزوزة ( هكذا يسمي العجوز بلهجته )

لم تقتنع نيلة ولم تفهم ما يقوله

وأكد سليمان :

-لتحفيزها .. سترين

وضغط على زر النور فأطفأه بينما نيلة تنفخ وتتأفف لاظهار سخطها . عبث في الجهاز ثم  سقطت حزمة اشعة ضوئية على الملاءة المعلقة على الحائط واشتغل مقطع صغير متحرك .

وشهقت نيلة :

-ما هذه الصور ؟

انه يرهقها في كل شيء ! ضجته الصباحية وتلك النظرات ، نعم ، انه يرمقها بنظرات ! انه يطل في عينيها . يقترب أكثر مما يجوز أكثر مما يلزم منها ! يكاد يلامسها ! وأسئلته اللاذعة  ، كل تلك الاسئلة ، تزداد بمرور الوقت ! حتى أمها سكنت وخدرت في حضوره ! حتى أمها لا تستاء منه كما يجدر بها ان تفعل ! تتحول الى عجينة بين يديه وتستجيب لتمارينه السخيفة ويجعلها تصدر تلك الاصوات المضحكة المثيرة للشفقة كأنها رضيع يناغي أو طير يسقسق.

في تلك الساعة التي يقضيها في صالة بيتهم مع امها المقعدة كان بيتهم يصبح شيئا آخر . كل يوم يجلب معه جديدا . تطل الخادمات تباعا ، تطل الشغالة الفليبينية وترميها نيلة بنظرة حارقة فتختفي ثم تعود ادراجها تحمل صينية لامعة عليها كوب شاي بنقوش زرقاء اصبح ذلك الكوب مخصصا للتونسي كما يدعونه اهل البيت وتراقبها نيلة وهي تقدمه لسليمان الذي يتناول الكوب وتلحظه نيلة وهو يوجه أنظاره الى الخادمة وينفحها بابتسامة عريضة وتلتمع عيناه ، ويستبقيها وهو يثني على الشاي وهو دالع اللسان : ما اطيب هذا الشاي ! هل تزرعون الشاي في الفليبن؟ وتهز الشغالة راسها و يسألها : متزوجة  ؟ عندك اطفال ؟ وفي يوم تال سوف يستوقفها ويقول لها : هبط سعر الدولار امس ! هل ترسلين اموالا بالدولار ؟

ويبدو وكانه يشجع العجوز لتنطق بالكلمة : دو ..لا.. رررر 

 

ونيلة تنظر الى سليمان دائما بتوجس وترقب وتشكك في أساليبه فهو تارة يطلب من أمها العجوز أن تتأوه أو أن تصدر صوتا كالعواء ووووو وتارة يطلب منها ان تمد الحروف مدا مممممم وكأنها تغني لحنا ! وكأنها دندنة أو همهمة كما انه بالرغم من كل تحذير وتنبيه ، يبالغ في استخدام يديه المشعرتين ويربت على يد العجوز وكتفها ويدللها ويلاطفها بالقول ( ايوه  ايوه ! احبك ! عافاك أحسنت .. جميلة والله ) وتدعوه نيلة الا ينساق والا يلمس امها لانها تكره ذلك ولان ذلك لا يجوز ويرد معتذرا بحرارة ( انا احب هذه المباركة .. انا محظوظ بمعرفتكم .. احنا صرنا اصحاب ) وكل تلك الترهات لا تقنع أي أبله !

 تسترق اليه النظر وترى فيه عنفوانا وعرامة لا تهدأ ولا تملك إلا تتساءل باشفاق واستغراب: هذا شاب في شرخ الشباب ! ويشتغل ممرضا ؟ رجل ! ممرض !  مدرب للمرضى والطاعنين في السن ! تحزن عليه وتشفق على شبابه المهدر ! شاب صحيح البدن فارع بارع عريض قوي ومملوء بالحياة  وتسأله : ما لقيت غير هذي الشغلة يا سليمان ؟

ويقهقه سليمان من قلبه : ولكني اخترتها . احب التمريض وتخرجت بامتياز من المعهد. أنا الاول على دفعتي..  خمسمئة متدرب ومتدربة

-وتدرسون مختلط أيضا ؟ هذا لا يجوز !

 

احتفت الخادمات بمجىء ( تونسي ) كما يطلقون عليه ويحضرون له فنجان قهوة تلو الاخر فضلا عن صحون بها سندويشات صغيرة او لفائف لذيذة من العجينة باللحم تجيد الطباخة الهندية طهيها اما الخادمة الفليبنية فكانت تتحين الفرصة لتدخل وتخرج ؛ مرة تلتقط صحنا ومرة تحضر كأس ماء ومرة تطل برأسها لتتفرج على السينما التي نصبها التونسي في وسط الصالة . وترشقها نيلة بنظرات نارية واحيانا تنهض نحوها لتأمرها باشارة من يدها بأن تغادر الى المطبخ  وتلتفت الى سليمان مبررة : ثيابها تفوح منها ريح القلي والبصل.

 

في أعماقها تكره نيلة الناس. تكره شراهتهم وجشعهم وشبقهم وتحاسدهم وانانيتهم وقسوتهم تكره نجاحهم وافراحهم وحتى معاناتهم الدنيئة تكره وجودهم وتكره نظراتهم اليها لانها تكره وجهها وتغطيه على الدوام . تكره كل شيىء في بيتهم ؛ تكره قطع الاثاث الميت وتكره حياتها فيه والزيت المنقوع ورائحة حفاظات الكبار وغسول الفم ورائحة الحجرات المختنقة المتخمرة ولكنها لا تطيق المثابرة على الاهتمام بأي شيىء خلا رعاية أمها فذلك أمر مفروغ منه ! 

لا تربط نيلة بين أمها وبين مصيرها باعتبارها عانسا في الرابعة والخمسين. تعرف بأن ذلك هو قدرها ، وتلك مشيئة الله ؛ أن تبقى بلا زوج ولا ذرية وألا تكون مثل بقية النساء . وليس ثمة شيىء بإمكانه أن يغير تلك المشيئة .  

ليس ثمة شيىء في الدنيا بامكانه أن يغير أي شيىء في حياتها ، وما كان موت أمها - مثلا - ليغير اي شيىء من واقعها ومن تصرفاتها ومما هي عليه ولم يكن ليحدث أي فرق !

انها تواصل العيش كما وجدت نفسها وتستمر ما دمت قادرة على الاستمرار وليس ثمة ما تبقيه سرا عن احد لانه ليس لديها اسرار بيد انها تخفي وجهها . لا احد قد رأى وجهها منذ أكثر من خمس و ثلاثين سنة ؛ منذ انتقبت وهي لا تخلع نقابها ابدا في حضرة أي أحد ؛ لا زائرة ولا خادمة ولا حتى أمها وأخيها . تنزعه فقط عندما تكون وحدها في حجرتها بعد قفل رتاج الباب فلا يعقل انها تلبسه عندما تخلد الى النوم .

في البداية أرادت اخفاء تقاسيمها وتعابيرها . في الواقع أرادت أن تختفي .كرهت أن يراها الناس وكرهت وجهها كذلك ؛ رفضته وأصرت على تجاهله فامتنعت عن النظر الى المرآة . رفضت ان تزينه وتزوقه ؛ ان تكتحل او تضع شيئا من البهرج والقذارة وتلك المساحيق التي تستخدمها ( بنات هذه الايام )  ثم  أصاب وجهها - بمرور الزمن - ما يصيب الوجوه كافة مع تقدم العمر واستمرار الاهمال وسوء الحظ ايضا

هل عاقبت وجهها ام اهملته ؟ لقد تجاهلت كل المؤشرات والاعراض التي قدمت بالدبغات والسفعات والخشونة والبثور والدمامل وتحولت البثور الى تقرحات وتآكل وحفر وعقد من الثآليل وتشققات بسبب الجفاف اخذت تتعامل معها باعتباطية وبلاهة ؛ باستعمال وصفات عشبية وزيوت نباتية ولبخات  من صنع منزلي ولكنها تفاقمت وأزمنت .

 

 

 

بالرغم من انه كان مهذبا على الاجمال ولكنه كان مقلقا بكل حركته وصياحه واوامره وتوجيهاته التي يصدرها كما كانت تفوح منه رائحة الدخان ( نعم كان يدخن السجائر النتنة ! ) ولكنها مجبرة على غض النظر عن كل ذلك لانها كلما تحدثت الى اخيها بشأن أمر يتعلق بالتونسي رد عليها بضيق وتمنن ونفاد صبر : هذا المدرب محمود السمعة و افضل من وجدت ! هل يدخن في صالتنا ؟ اذن ليس لنا مأخذ عليه ! نحن لن نصاهره انما هو أجير والسلام .

ونيلة لا تشعر بالارتياح لاولئك الاشخاص الاجانب؛ أولئك الغرباء المختلفون الذين يأتون عبر هدير المركبات وغبار الحفر والازالة والتغيير . قد اصيبت بالصمم جراء الزعيق والصياح وتبلبل الالسنة وتشعر بالوحدة وسط كل ذلك الموج العاتي . يزحمون الافق ويتواجدون في كل مكان ويقتربون ، يقتربون ، وهاهم يقتحمون بيتها ، صالتها ، لم يعد بامكانها أن تتجنب رؤيتهم !

ومد سليمان يده لاسناد ظهر العجوز وهو يقول ( على مهلك ! لا تراعي يا حجّة ) ودمدمت العجوز باضطراب وصاحت به نيلة بانتهار ( لا تلمسها ! انت فقط دربها على النطق هذا شغلك .. هذا ما جئت لاجله )

وحين أدرك مدى سخط المرأتين تراجع وعقّب معتذرا : انا متل ابنك يا حجّة !

-لكنك لست ابنها !

وضرب بباطن كفه على جبهته كأنما ليوقظ نفسه وقال  :

 -كلنا بشر يا آنسة نائلا ! وكل شي امامك وحولك بشري وعادي ! هذي هي الحياة ! " ليس هناك شي فوقها ولا تحتها ولا في السماء ولا في جهنم " . لا توجد عصمة ولا تعالي ولا مثالية.. كل ذلك في اذهاننا ، في عقولنا. اوهام نتعلق بها  .

 

لا تفهم نيلة مراده ! انه يتفوه بالترهات.. الا أن كلامه يقض مضجعها وتستشعر فيه هرطقة وكفرا !

كل شيىء قد تقرر في دماغها وحياتها وهي سعيدة بالطاعة وسوف تشقى بالعصيان سوف تهلك ! سوف تهلك ! سوف تضيع ! لن تنجو ! لن تنجو !

 دائما في كلامه شك وانكار وتسفيه لكل أحلامها ! سيمحو عالمها ! سيغدو عالما باطلا ، وسوف يزول كل شيىء تركن اليه وتطمئن به .

تصدت له قائلة :

-انت تثرثر كثيرا وتقول كلاما لا تتدبر عواقبه

-يا آنسة نائلا انا رأيت بعيني الانهيارات.. والفوضى

- لانك بلا ايمان . لو استحكمت العقيدة في نفسك لانبسطت الصعاب .. واصبحت المرائر حلوة

-وأصبح الاختلال كمالا ؟

-هذا شيطانك الذي يتكلم !

 

 

هل جال في بال سليمان تساؤل حول شخصها ؟ هل استثاره الفضول ؟ هل حاول رسم صورة لها في مخيلته  !

ربما رآها برغم كل ذلك السواد ! ربما أبصر جذع امرأة ضامر ، امرأة وحيدة تضفر شعرها ليلا وتربطه باهمال. يتهدل على صدرها نهدان صغيران حالمان. لها بطن صغيرة فهي لم تحبل ولم تلد. ولكنها لم تزل مع ذلك أنثى لها حوض كبير وردفين وكفل وافر . عزباء عارية من الزينة ومن المساحيق ومن جواهرها المخبأة في خزينة أمها . امرأة لا تدخر أنوثتها بل تدفنها . لعل سليمان شعر بالاسف والاشفاق عليها الا انه سرعان ما نسي أمرها فالعادة تولد الاستخفاف . لابد انه شعر بانها راضية بحياتها وانها تستحقها ! ولعله كان مجرد شاب أناني مشغول بنفسه ! قطعا لم يفكر فيها فقد كانت تجذبه بعيدا دوامة المعيشة الصعبة وضرورة تدبير الرزق . هل شعر سليمان قط انه بازاء أنثى؟ كانت نيلة اقرب الى ( شيىء) . شيىء يتفحصه المرء من باب الفضول ثم يضعه جانبا وينشغل بأمر سواه .

في داخلها ازدرت نيلة تصرفات سليمان أي حياة يعيشها ذلك الشخص؟ تشعر نيلة بان اولئك الناس كالانعام ! انهم كائنات غريبة وغير مفهومة ، وتتساءل نيلة : أنىّ لهم أن يدخلوا الجنة قط ! لم تكن قادرة على تقبل ذلك الاحتمال : هل يجوز ان الناس الذين يلتهون بالدنيا ويتلذذون بشراهتهم ويستطيبون الحياة سوف يتساوون معها في السعادة الاخروية ؟

وعندما اخبرها سليمان مرة أنه محزون لمرض أمه . وسألته باستغراب :

-ولماذا لا تعود الى امك ؟

 -وكيف اعود ؟ يجب أن احقق شيئا لنفسي

وحكى لها سليمان عن أهله وقسوتهم وظروفهم السيئة وكيف هرب منهم صغيرا يافعا ، تعلق بالباب الخلفي لحافلة قديمة ، حملته الى المدينة وهناك التحق بأعمال وضيعة مجحفة ثم استقل مركبا مغادرا الى ايطاليا مع عشرات المهاجرين واعيد ادراجه بعد ان نجا من الغرق.. ثم حاول مجددا

وهزت راسها أسفا وهي تسمعه وسألته : وما الذي دفعك الى هذه الحماقات ؟

وقال لها بصدق وعفوية :

-كرهت حالنا.. وكرهت حياتي ! ومرة أقدمت على محاولة الانتحار !

وشهقت نيلة وضربت على صدرها :

-هذا كفر ! لا أحد ينتحر في بلادنا ! نحن نخاف الله .

-ماذا أقول لك.. كنت ساخطا وغضبان طوال الوقت .. واكثر ما كرهته هو قريتنا وبيتنا وحالنا  .. وأنتِ ما اكثر شيىء تكرهينه في أمك ؟

وانتفضت نيلة كالمسلوعة : اسكت .. اسكت ماذا تقول !

واحس سليمان حرجا لذلك اردف موضحا:

 -هناك اشياء دائما تسخطنا وتؤلمنا .. اهلنا ليسوا ملائكة !

-لا ادري ماذا تقول !

نظر اليها لبرهة ثم سأل:

-وأنتِ .. اش حال في عمرك ؟  لم ترد فقال :

-عمرك ؟ كم عمرك ؟  

 -لا يعنيك ..

-راسك قاصح

-هاه ؟

-راسك ناشف

-ما افهم كلامك

-لبغيتي نعلمك اللهجة ..شحال تعطيني في الشهر ؟

ولم تتمالك نيلة نفسها فضحكت! ضحكت رغما عنها. وضعت يدها على موضع الفم فوق النقاب وهسهست كنار اطفأت عنوة بماء بارد .

 

هل تفهم نيلة كلامه ؟ هل تدري نيلة ؟ هل تدري بانها وحيدة وانها حزينة وانها محرومة وانها تتمنى الموت وانها تخسر تدريجيا شيئا ما أم لعلها تعلم بانها خسرت كل شيىء دفعة واحدة دون ان تفتقد ما خسرته لانها لم تعرفه يوما. تشعر بالضيق والانقباض وفتور الهمة وتنزوي اياما في حجرتها ثم تلملم نفسها وتخرج لتلازم أمها ، وتقوم بــما يتوجب عليها القيام به من مهام وأعباء .

عندما تقول أمها الآن ( بنتي نيلة الله يسلمها ) فإنه ثمة مسحة من زيف وقنوط في نبرتها . لا عجب انها صارت تتخلف عن حضور المناسبات وتقتصر على الواجبات المهمة كتقديم العزاء فحسب وصارت تكره مرافقة أمها في زياراتها الاعتيادية  .

أمها ايضا تغيرت وتدهور حالها . أين تلك الأبهة التي عاشتها بالرغم من أن أمها لم تكن يوما ذات ثراء وغنى عظيمين . اعتادت أن ترى أمها تقوم بجولاتها بين البيوت الكبيرة وتستقبل الهبات المنتظمة ، لتهب بعضها الى من يردها أيضا عطايا ومساعدات . لم يك ثمة ما يسبب حرجا عندما كانت الام تسعى لتحصيل تلك المغانم والعطايا ، انها ليست شحاذة ولا استعطاء بل اسلوب حياة فحسب  .

 

ثمة تفسخ وتصدع في المكان ! أصبح كل شيىء في حال يرثى لها .

بيتهم ! بيتهم نفسه أصابه الوهن والتشققات ومرت أكثر من عشر سنوات منذ أجريت له – بالعجل - آخر أعمال ترميم وصيانة على مظهره العام وسوره الخارجي . أثاث الصالة والمجلس (حيث يجري استقبال الزوار الذكور ) تقليدي وقد فقد بهائه ورونقه . أثاث حجرتها الرخيص المكون من سرير وطاولة زينة كئيبة و خزانة ملابس ببابين مصنوعة من الخشب الرقائقي المضغوط يعكس زهدها وهروبها من كل زينة. كانت الارفف متسخة ومصاريع النوافذ علاها الغبار وثمة زوايا متعفنة حول المغسلة والحوض تزداد خضرة ودباقة بمرور الوقت . لم تبال حقا بكل ذلك ؛ كان وجودها عرضيا وغير محتمل ، انفصلت عن العالم وانفصلت عن نفسها ، وهي تريد ان تنام ولا تستطيع النوم .

 

خلعت ثيابها بصورة ساهمة . سقط ثوبها على الارض ولم تلتقطه . توجهت نحو خزانة الثياب وجذبت الباب السّحاب جانبا استقر بصرها على طيات مرتبة . استلت قطعة قطنية سادة كانت حمالة صدر . عقدت المشبك من الامام ثم حولته الى الخلف وارتدت الحمالة استقر نهداها المتهطلان في بطانة الحمالة المشدودة. منذ بعض الوقت لم تعد تحرص على لبس الحمالة. فخذاها متغضنان . ثمة سفعات ودبغات وتجلطات دموية على جلدها وثمة كدمات خضراء مزرقة تتوزع بين وركيها وسمانتيها . 

ذلك الجسد المهمل ؛ جسدها الثانوي ، جسدها المبعج المبقع ، جسدها الهوائي جسدها الذي لا يعنيها ولا يعني احدا . لم تتحدث نيلة الى أحد . لم تشتكِ الى احد تلك النوبات من الارق والضيق وحالات السخونة والافرازات الدبقة والحكاك . وحل وقت انقطاع الطمث مبكرا منذ أعوام وشعرت بان ثمة أمر انتهى ولن يعود ولم تتحدث عنه ايضا .

لا تشكو ( نيلة ) من أي خطب ! مم تشكو ؟ بالطبع لا تشكو !

اسألوها ولسوف تقول بأنها في أتم عافية. ( نيلة ) نموذج العفة والاحتشام والرزانة . (نيلة ) لم تواتها أية أفكار خرقاء أو استثنائية أو غير ملائمة . في الواقع لم تواتها أية أفكار من أي نوع .. فيما عدا تلك الاحلام الطائشة ، تلك الاحلام التي لم تكن لتستطيع صدها ! فأي شيىء نملكه  في مواجهة مناماتنا ؟

لم  ينقصها الحب إن كان الحب يعني غيرة أمها والرغبة في تملكها . كانت حكرا عليها وحدها ومرت بينهما فترات برود ، وشد وجذب مثلما يحصل بين البنات والامهات ؛ كل البنات والامهات . ليس على الامهات ان يقدمن حبا غير مشروط بل يتوجب ويفترض في الابناء ان يذعنوا مطلقا لامهاتهم وآبائهم  .

تعتريتها الكوابيس والاحلام المحظورة ، والجواثيم . الجاثوم من الشيطان . الشيطان يعذبها. الشيطان هو عدوها فتلوذ بحضن امها  فتقرا عليها وتنفث في كفيها وتمسح على راسها الذي تدفعه باتجاه جسد امها المترهل المعتل المضمخ بروائح الدهون والبخور والعرق

لم تعرف نيلة التوق الى شيىء وما الذي يسعها ان تتوق اليه ؟ بل ماذا تعني كلمة التوق بالنسبة لها ؟ كانت نيلة خالية الذهن ؛ خلوا فعليا تاما . تنتابها المخاوف من المجهول وربما اكتشفت بانها تكره الناس وتتجنب الاقتراب منهم فليس لديها صديقات ولا تأنس بالفعل الى احد وهي مثقلة بالأحمال والأشياء والواجبات من حولها . وكلها مهام وواجبات ضرورية لغيرها ، لسواها ؛ ليس ثمة شيىء يخصها . ليس لدى نيلة عزم ولا رغبة في ملاحقة اي امر ولكن من مسؤوليتها ان تلزم جانب امها وترافقها وتصحبها في مواعيد المستشفى وهي ليست منشغلة ولا مرتبطة بشيىء ولا تنتظر شيئا ولا تشعر باي انفعالات ولا تعتزم ان تقوم بشيىء . هي تعيش مرغمة وبالرغم من كل شيىء .

هل تعرف نيلة كل ذلك عن نفسها ؟

 لم تواجه نيلة ذاتها المغمورة عميقا، الا انها تود لو انها في مكان آخر ، غير انها لا تعرف ما هو ذلك المكان الذي تود الاختباء فيه !

تكره نيلة الافلام والمسلسلات وتتجنب اذنها الموسيقى والغناء يوجعها ان تسمع الالحان يعصر قلبها عصرا ! يفتك بروحها ويسحقها ! تثير الموسيقى جنونها ! تكره ان يعلو صوت مذياع أو مسجلة في البيت وتكره الانغام التي تطلقها النقالات في ايدي الزائرات في صالة بيتهم وتكرههن . تريد ان تنزع كل دسم من حياتها تجفف كل نوازعها ، تريح نفسها من كل تعلق بالدنيا وزخرفها الزائف .

 

لم تقرأ نيلة قصصا عندما كانت بنتا صغيرة . لم تكن كبقية الفتيات . وما نفع تلك القصص؟ لم تعرف نيلة خيالا بيد ان واقعها اليومي اشبه بقطع  من (البازلز) المحيرة ! نيلة كائن قطعي ، مضت بمعتقداتها الموروثة الجاهزة  بلا شكوك ولا مواجهة . لم تحتج ان تثبت وجودها او تعيه او تشعر به او تنتبه له .اطمأنت الى كهف الامان ؛ كهفها حيث لا شيىء يزعزع سباتها . لن تعرف أبدا ما هو حقيقي بالفعل لانها لم تعمد الى اختبار كل ما يمكن الا يكون حقيقيا  .  

 

 

 

في الخارج أزيز الالات وجلجلة حركة الشاحنات . تدوي أذرع الجرافات وتنعق البلدوزرات تهدم وتحفر وتزيل وتعمق ونيلة لا تخرج من كهفها  . لا ترى نيلة المجمعات السكنية المتشابهة التي شيدت حديثا بقربهم على مساحات شاسعة ولا تعلم بأنه يتم تعميق المرفأ القريب وانشاء لسان صخري طويل وان (الفرضة) مملؤة بالصنارات وادوات الشوي والخيام الصغيرة التي تحتل المكان كله . لا تريد نيلة أن ترى  كل تلك الوجوه ولا أن تعلق وسط الازدحام والضجيج . ومع ذلك فهي تعلم بأن كل المباني التي ألفتها تتناقص وتهدم وتزال نهائيا ولكنها لم تزل تحتفظ بها في مخيلتها وذاكرتها وادراكها الخاص .

لم تعد تبالي بالضوضاء المستمرة والجلجلة والطحن والنفير والهدير والحركة المستمرة وعواصف الغبار والاتربة التي تلف المكان وتكاد تدفنهم تحتها . انها في داخل البيت . وبيتهم هو اياه لم يتغير . وليس لديها اي حس بالتغيير ! ولن يصيبها شيىء مما يجري في الخارج. وكل ما يجري هناك لا يخصها ولا يعنيها . هي ستبقى كما هي .

 

 

 

كانت أمها العجوز قد تأخرت في دورة المياه برفقة الخادمة وكان سليمان قد وصل و جلس ينتظرها . كان مقوس الظهر مكبّا على ورقة وضعها على ركبتيه. أسند راسه بيده اليسرى وباليمنى أجرى قلم الرصاص على الورقة يحركه بسرعة وثبات ونيلة لا تني تتحرك جيئة وذهابا وقال لها بشكل عابر : الا تجلسين يا آنسة نائلا ؟

وجلست على حافة المقعد وهي تنظر نحو الممر الذي تتوقع قدوم أمها منه

قال سليمان بلا مقدمات  :

-درستي يا آنسة ؟ معكِ التوجيهية  ؟

لم ترد .

-الا تشتغلين يا آنسة ؟

ردت ضجرة :

-وليش اشتغل ؟

-صحيح ! لا حاجة انما الشغل ضروري ايضا . لما يقدر الانسان يخدم ويعطي تتطور الشخصية

-انا اخدم امي

قال بمداهنة :

-معلوم. اكيد. انتِ انسانة عظيمة آنسة نائلا

-وانت كثير الكلام

 -اسمحي لي على التطفل. انت صريحة جدا يا انسة نائلا  

وقامت نيلة من مكانها ودارت وراءه لتنظر بين كتفيه . كان يرسم شيئا وطوى الورقة

-ما هذا ؟

-ارسم . 

-ايش ؟ رسم ؟

ومد لها الورقة مستسلما

-كنت انوي ان اريك اياها عندما تصبح اقرب الى الاكتمال

-الا تعلم بان الرسم حرام ؟ لا يجوز رسم ذوات الارواح. لا انسان ولا طير ولا فراشة

-هل تعلمين ان الناس من قرون كانوا يظنون بان الرسم مدخل للسحر والقبض على روح الانسان للسيطرة عليه او لقتله

ورمت الورقة نحوه :

- لا اريد ان انظر لها

- ساتركها  لك هنا

رسم سليمان ظلالا لجسد أنثوي له قدّ ، ووجه مموه. لم يكن واضحا ان كان ظلها ذاهبا ام قادما لعله التفاتة الى الوراء قليلا . تتطاير خصلاتها وكأنها وسط اعصار مدوم ويدها اليمنى ترتد الى الوراء وهو مكورة القبضة ولكنها لا تقبض على شيىء أو ربما تمسك بشيىء غير موجود او غير واضح 

وجلست نيلة مغضبة منزوية وطوت راحتيها في حضنها وامالت راسها جانبا وتهدل كتفاها فبدت كموضوع سقيم داخل لوحة معلقة على جدار معتم في حجرة قبيحة .

وقالت له بلهجة وعظية :

-كل شي في هذي الدنيا عقوبة . سواء على ذنب نذكره او ننكره . الحياة عقوبة ! الله يبتلي بها المؤمنين . لا تركن الى الدنيا واكره حياتك فيها لانك منذور لحياة اخرى

وقالت بعد هنيهة كأنما وجدت برهانا على صدق حديثها : ألم تسمع قصة تلك المرأة؟

وهز راسه نفيا وعبرت عيناه عن استغراق في التفكير بينما استأنفت حديثها :

- كانت امرأة بدينة . حرمها وزنها الثقيل الراحة وأمرضها وجربت ما يسمونه الريجيم والرياضة ولم تفلح في انقاص وزنها ثم ادركت بانها اقترفت ذنبا عندما اسرفت في الاكل.. والاسراف عصيان واقرأ لقوله تعالى ( انهم من مغرم مثقلون ) وفكرت حينها في الكفارات والصدقة  وحسبت عن كل سنة اسرفت فيها وبذرت مالا على شرهها واخذت تتصدق على الجمعيات وتنذره للمجاعات واللاجئين واطعام المساكين وبدأ وزنها ينزل وفقدت كل اثقالها بدون اي جهد

عقدت الدهشة لسانه وارتخى فكه قليلا. ربما خطر له ان يسألها حينئذ ( هل انت سعيدة ؟ هل انت قانعة بحياتك ؟)  ونخر بصوت خفيض :

 - أنتِ مخلوقة نادرة وعجيبة !

ورفع صوته : وهل تصدقين ذلك بالفعل ؟

- انا.. اصدق ذلك واعرف انه حقيقي لان الشيطان عدو لابن ادم . الشيطان يدفعك الى الكذب والاسراف والسوء انا نفسي اتعوذ من الشيطان مئة مرة في اليوم ومع ذلك فانا احيانا آكل بدون جوع آكل وانا شبعانة !

وهزت اصبعها في وجهه

-لا شي يمر بلا عقوبة وذنوبي وذنوبك.. ستوردنا النار ان لم تتولنا رحمة الله

-ذنوبك أنتِ ؟ ياه .. اية ذنوب ؟ انت ستكونين مع الملائكة

-يعني انت لا تخاف ولا تحسب حسابا لشي ؟

- بلى انا خائف وفزع في الواقع . اخاف كل ليلة ان انام ثم اصحو على حرب كونية او زلزال مدمر يمحو العالم الذي عرفناه وألفناه  . انا خائف كل الخوف واتوقع الاسوأ . الا تستمعين للاخبار ؟

- لا  . انا لا اشاهد التلفاز ولا استمع للراديو ..ولا أخرج من البيت الا للضرورة

 -  لا تخرجين ؟ اذن لا تعرفين ماذا يجري حولك في الخارج

- بلى أعرف . أعرف ما يكفي . أعرف أن هناك امواجا من الناس.. يأتون و يتدفقون ويتصايحون ويتدافعون . هابطين صاعدين . كلهم يتقافز ويترقص على أصوات الطار والرق كأنهم في زار .

وتوقفت لبرهة واشتعلت عيناها كجمرتين ثم قالت كمن يقذف نبوءة :

- سيكون دم ! وسيكون ندم

ومدت اصبعها النحيل نحوه وكأن سليمان حينئذ يجسد ما تراه من الشر الخالص

-وسيكون عويل .. وسيكون حساب

وسرت في جسده رعشة متموجة وقال بلهجة استرضائية :

-الله يستر ! الله يحمينا

وجاءت الام تدفع الخادمة كرسيها . تصر عجلاته صريرا مكبوتا بينما تترك علامات على الموكيت الكامد وقام سليمان وتقدم نحوها

- توحشتك* يا حاجة

*توحشتك : اشتقت لك

 

واخذت العجوز تتلوى وتنعقف كالدودة وتئن وتهمهم وتدمدم وهي تحاول ان تشير باصابعها الى الاسفل وفهمت نيلة مرادها الا انها زفرت وقالت لها بحزم : بعدين يمة . وحرنت العجوز وطحنت اسنانها الاصطناعية وصرفت صريفا وصارت تدق ذراع الكرسي المعدني بقبضة يدها وكان خاتمها يثير جلبة عالية كلما لامس المعدن

وسال سليمان بقلق : ما بها الحاجة ؟

وقالت نيلة بصوت يعوزه الحماس : قدماها ..يابستان متشققتان والاظافر تنحشر في لحم الاصابع وهذا يؤذيها  بين فترة واخرى

واضافت بامتعاض : ابدأ.. وانا سأتولى امرها

وامتثل سليمان لأمرها واخذ يراقبها وقد جثت متثاقلة باستسلام عند قدمي العجوز وامسكت بالمبرد وقاطع الاظافر ونحتهما جانبا وقامت أولا بغسل قدمي العجوز في طشت بلاستيكي سكبت فيه قدرا من الماء الساخن  ورفعت قدما وراء الاخرى وجففتها بفوطة رمادية وكانت العجوز ساكنة مستسلمة كطفل وادع في حضن أمه الرؤوم.

  

نيلة مثل كل الاشخاص المنعزلين ذاتيا الذين فقدوا ثقتهم في ان يلتفت اليهم أحد او يكونوا موضوعا لاهتمام شخصي فضلا عن أن يحبهم أحد لأنفسهم ولما هم عليه ! لا تحلم نيلة بالحب. لا تعد نفسها بشيىء . لا تجرؤ ان تطلب شيئا .هي فقط تروض نفسها على استقبال تلك المشاعر الدخيلة .

 تسللت نيلة تحت الغطاء الذي تفوح منه رائحة المنظفات ومطهر الديتول . أنزلت قدميها الى الارض حيث كانت ملاءة السرير قد استقرت مع استدارة حركة جسدها.

اتجهت الى الحمام . جلست على البيديه متهالكة . تبولت بصعوبة وعسر تعاني حرقانا وحكة منذ أشهر وتشعر بأن الافرازات المتزايدة تكتسب بمرور الوقت رائحة كريهة . اغتسلت بماء وصابون وتمضمضت لكنها لم ترفع رأسها ولم تنظر الى نفسها في مرآة الحمام و لم تشعل ضوء المصباح واكتفت بانارة المدخل الى الحمام . لا تعرف نيلة كلمة تعبر تعبيرا كاملا عن تلك العاطفة الجارفة التي تضربها يمنة ويسرة غير أنها شعرت بأنها المعصية ؛ المعصية ذاتها التي حاولت دائما صرف ذهنها عنها واغلقت دونها الابواب وسدت الشقوق فلم تفلح ! 

 

يقول لها سليمان مبتسما  :

-أنا اسأل فقط

-وما حاجتك للسؤال ؟ دائما تسأل ..

-اريد ان اعرف

-لا ضرورة لان تعرف كل شي .. هناك أمور لا تعوزنا معرفتها بل على العكس تضرنا وتلوثنا

-المعرفة لا تضر والفكر لا يؤذي لكن الافكار قد تستغل لمصالح معينة . . كيف نميز بين الامور اذا لم نعرفها؟

 -الحرام بين والحلال بين..

-والمتشابهات ؟

-مالنا ولها ؟

ويطلق سليمان آهة :

-هاكا * ببساطة ؟ نخليها ؟ نرميها ؟ نستغني عنها ؟

*هاكا: هكذا !

وتفز نيلة من مقعدها كاللعبة التي تقفز من صندوقها بزنبرك مشدود وتنفض عباءتها وتزوم مزمجرة : كفى !

 

 

هل هي امرأة أم بلاد أم تاريخ بأكمله !!

متقلبة ولكنها تتجاهل تقلباتها . مهووسة بالحقيقة والحقيقة في نظرها هي اهم شيىء في الحياة. والحقيقة من منظورها مطلقة وثابتة وواحدة لا تنتطح عليها عنزان . تقول بانها لا تحب الجدال والمراء بينما هي في الواقع لا تعرف النسبية ولا تستسيغها .لا ترى موجبا لاضاعة الوقت في الاسئلة ما دامت الاجوبة جاهزة ومريحة . لا يوجد الا الايمان والكفر واذا انكرت نيلة شيئا كسرته واعدمته ونفت وجوده. لن تسمح بوجوده . تقرف من كل شيى باهت وتدفع بالامور الى حدودها القصوى ثم تتعثر وتخيب ظنونها في نفسها وفيمن حولها ويطيش لبها وتشعر بالضياع ! ولا تجسر على المواجهة او التبرير بل تنغمس في الانكار .

 

قالت لها أمها وهي تضفر شعرها وتدهنه : أنت نيلة بنت فلان بن فلان بن فلان من ال فلان. انت بنت الاجاويد سليلة الشرف الرفيع. يتصل نسبك بأنقى أرومة ويمتد الى عروق نقية كسبائك الذهب. تلك هي نيلة كما تعرّف نفسها نسبها واف وشرفها كاف ليست نبتا شيطانيا ليست هجينا ليست مسخا! ليست سقطا . لن تزول ! يتوجب عليها فقط أن تصمد ازاء التيارات والعواصف وأن تحتمي من الدخلاء والخلطة والامتزاج وتحافظ على نقائها !

 

حكى لها سليمان عن طفولته وتشريده أيام يفاعته ومراهقته المضطربة. وقد حكى لها بإجمال بليغ ؛ لم يغفل ظروف الحرمان وقسوة المعاملة التي تلقاها كما لم يصرح بجميع اخطائه وما ارتكبه من " كبائر " تعظم نيلة شأنها . كان متناهيا في توخي الحذر وتجنب كل ما من شأنه اثارة حفيظتها . اظهر تفاخرا بصموده وصلابته وكشفت مغامراته عن استقلالية وطيش كذلك . تشرد سليمان وتجول في عمر مبكر وعاش الكثير ورأى أكثر . ربما عدّ نفسه مغامرا او متمردا ولكنه كان في غالب الاحيان ضائعا مسكينا ممزق الروح أيضا وقد حمل نفسا حساسة جنبته العسف ومكنته أن يرى كم كان العالم مليئا بالقساة المتعصبين الذين يقيّمون سواهم ويحاكمونهم ويريدون ان يحترقوا ويحرقوا العالم . لم يحب سليمان الايديولوجيات قط . ولم ير نفسه مبشرا لاي ايديولوجية وعندما التقى بنيلة لم يُفاجأ بمنظورها الحدي وتعاطيها المتعسف مع الامور لانه يرى نسخا عديدة مثل نيلة حوله . ويشعر بأنهم محاكاة مضحكة وخادعة لافكار تجريدية ومتطرفة. لمس سليمان وراء كل ذلك الاحتقار والكراهية في كلامها خوفا غامرا من العالم وكان تناقضها يعكس صدقها؛ ذلك الصدق الساذج الفج . يدرك سليمان بان نيلة لم تكن لتسمح او تقبل او تتصور ان هناك اسئلة في العالم. نيلة لا تحتاج الى تلك الاسئلة لقد نشأت وهي تمقت وتدين تلك الاسئلة المرعبة .

  وأنصتت نيلة بملء قلبها الى سرد سليمان كما انصتت دزدمونة الى حكايات عطيل ولكن بقلب واجف وحزن شفيف لم تدر علام هي حزينة .

وتعجبت أشد العجب لما لاقاه ذلك الشخص في فترة وجيزة من عمره وعجبت له  كيف يبتسم بعد ذلك ويمازح الخادمات ويتفكه على حاله وعلى سوء الاوضاع ! كيف تجاوز ما عاناه وكيف سيواجه فردا وحيدا مستقبلا معتما وغامضا غير آمن ؟ ما هو الا قارب صغير جانح  مشقوق الشراع وسط ريح عاصفة وأمواج متلاطمة ! رقت لحاله واستحوذ على تفكيرها ولم تستطع ان تفهم كيف يتأتى له أن يكون سعيدا وقويا  ؟

 

دخلت الصالة طفلة صغيرة كرصاصة طائشة وارتمت في أحضان نيلة التي ملست على شعرها ودغدتها كما تفعل مع قططها وقبلتها ثم أبعدتها بيدها لتجلس جانبا والتفت الطفلة الى سليمان بريبة ثم اخذت تعبث في جهاز (بلاي ستيشن) في يدها

وسأل سليمان : وشتكون ؟*

*من تكون ؟

قالت :هذي ابنة اخي

 وقال سليمان باسما  : تحبينها !

وردت نيلة بنبرة هادئة:

-أعطف عليها .

 

تخجل نيلة من الحب . تستحي ان تظهر عاطفتها وتخشى أن تقع تحت سيطرتها . لم تعرف نيلة كيف هو مذاق القبلة ولا لذة العناق ولا تعرف الاحتضان الدافىء الغامر لكن جسدها ينكمش ويتمدد ، عندما ترى سليمان. يتقلص مهبلها ويتوتر . تتجنب قسرا النظر نحوه وبالرغم من ذلك تنتظر مجيئه كل نهار. تروح وتجىء كلبوءة حائرة في محبسها ؛ ضائقة حائرة مضطربة . تطل من نافذة المطبخ ان تخلف عن التقيد بموعده وتكشف الستارة وتنظر من خلال العازل الشبكي ناقمة وتتمتم بعبوس واهتياج : ما هذا الغبار ؟ الحمام وسخ الافريز والفناء الخارجي . هل كنس احد الحوش اليوم ؟ الا يؤدي أحد منكم عمله ؟ لا ذمة ولا تقوى

ويخفق قلبها عندما تسمع صوت هدير سيارته الــ ( لانسر ) القديمة وقبل أن تأمر الخادمة الفليبنية بشىء تصيح تلك البلهاء بدورها : تونسي..تونسي .  وتهرول لتفتح له الباب وتقوده الى الصالة .

 

 

 

وقع ما وقع فجأة وبلا مقدمات .

 سقطت العجوز صريعة نوبة على الارض وصارت تبلبط وتتقافز كسمكة أخرجت من الماء ، وكأن مسا كهربائيا ينفضها نفضا . وراحت نيلة تصرخ وتنوح وتتلفت حولها في عجز تام واذا بيده تمسك بكتفيها بقوة وتديرها نحو أمها . كشف سليمان عن وجه العجوز فكان الزبد فقاعات تتناسل حول فمها نازلة نحو ذقنها ورقبتها . ابيضت عيناها وسقط طقم أسنانها ، انقذف بقوة وتدحرج تحت قدمي نيلة التي فزعت وتراجعت واسرع سليمان وثبت رأسها بقدر الاستطاعة بركبتيه .  واخذ يصرخ على الخادمات المنكوبات ( اطلبوا الاسعاف ! ) وبالرغم من ذلك فانه احدا منهم لم يتصل بالطوارىء حتى بعد سقوط العجوز بسبع دقائق . لم يسع سليمان الا أن يقوم بأخذ المبادرة  فنادى الخادمات وشرّع الباب ثم عاد ادراجه بصحبة السائق وحملوا امها أمام عينيها كشوال من أرز وتعلقت نيلة بقدمي أمها واحتضنتهما ولانها اعاقت حركتهم دفعها سليمان جانبا ورمى غطاءً على ساقي العجوز التي اضطروا الى جرها قليلا بسبب ثقل وزنها وما اعتراهم من ارتباك. دخل سليمان من باب السيارة الخلفي واعطى الارشادات لبقية الخدم ولما تناولها من كتفيها جرها اليه بينما قامت بقية الايدي بدفعها . اصبح جسد العجوز الان موزعا بين الايدي الاجنبية الغريبة التي كافحت لحشر جسدها الثقيل في المقعد الخلفي للسيارة .

استعادت نيلة جأشها في ردهة الطوارىء كانت مشتتة وذاهلة ومنسية في ركنها . رأت اخاها وزوجته وحضر بعض الاقارب الذين سارعوا الى ممر الطوارىء وكان سليمان حاضرا أيضا ويتحدث الى اخيها واعترتها هزة خوف ليس بسبب سقوط امها فحسب ولكن تواردت الى ذهنها اشارات وذكريات من زمن بعيد لم تكن تعرف بانها حدثت قبل أن تكون قادرة على تذكرها.

 

لقد مرت نيلة بتجربة مدمرة في حياتها . تجربة انطوت على معنى خفي وطعم مسموم زرع فيها فكرة انتظار الموت واعتبرت الموت أمنية ، كأنما كانت حياتها سباتا روحيا في انتظار يقظة موتها باعتبار الموت نهاية عذابها وبداية حياة اخرى فعلية. ولم تعنها طبيعة الجنة كثيرا ولم تتساءل كيف ستكون فهي موقنة بأن الجنة هي الجنة ؛ هي خلاصها ولسوف ستنال كل ما فاتها في الدنيا ألم تكن صابرة ومستسلمة ومستوفية للشروط !   

جرى ذلك عندما أوشكت وهي في العشرين من عمرها أن تزف الى أحد أقربائها . كانت أمها قد ردت قبله خطابا كثرا بحجج مختلفة ولكن أباها اصر تلك المرة على ذلك الخطيب وأخبرتها أمها بالامر على مضض وهي تنوح قالت : ( آه يا شقائي ! لا يساوي دوسة رجلك يا نيلة ! من هم ؟ أمه تقصع القمل والبق وأبوه سمّاك * ذلك نصيبك وتلك مشيئة أبيك الذي يريد ان يأكل مهرك.) وتباكت وضربت على فخذها : ( من يكون ؟  مرذول الاصل وضيع وسِفلة ! مالنا نصيب في أصحاب الرتب العالية ! )

*سماك : صياد سمك

وصدقت نيلة أمها وحزنت نيلة لحزن أمها واغتمت وغشاها الفزع . وفي يوم العرس وهو يوم عقد القران ذاته وقعت مشاحنة مرّة وعلا الصياح بين أمها وعم زوجها حول ترتيبات التجهيز والوليمة . خبئت العروس منذ الصباح عن العيون وعزلت في حجرة بعيدة الا انه عندما حل المساء تولاها يأس وفزع شديدان أخرجاها من طورها وسمع جمع قريب من الناس صياحا وعويلا غريبا لم يعرفوا مصدره . كان الاهل والجيران يملؤون كل زاوية من البيت . يدخلون ويخرجون وينظرون وتلغط النساء ويتصايح الصبيان ويزجرهم الكبار وتوقد النار غير بعيد وتنصب القدور وتغسل الصواني وتنحر الخراف . أغلقوا عليها حجرة ( الخلة )* لكيلا يقتحم متطفل المكان وسقوها ماء زمزم وقالت خالتها لا تدخلوا عليها احدا ! الا تبصرون ؟ البنت معيونة *

*الخلة : حجرة تخصص للعروس . تزين وتبخر ويعتنى بتجهيزها  

*معيونة : أصابتها عين حاسد

 

ودثروها وتناوبوا قراءة الفاتحة عليها الا ان شيئا لم يتوقعه أحد حدث تلك الليلة ؛ اختفت نيلة بلا أثر مع غروب الشمس . لا أحد يعلم كيف انسلت كالابرة من الحرير وخرجت من بيتهم من بين جموع الناس دون ان يلمحها أي احد ! . حكت نيلة لامها فيما بعد في تمتمة وكلام متلجلج قالت بانها لم تشعر سوى بفراشها يتقبض ويلتف عليها وضمها كالقبر وانشق السقف وطارت محمولة في الهواء كريشة وانها رأتهم في الاسفل يتحدثون ويتساءلون ويبحثون عنها مرت عليهم وهم لا يرونها وهي لا تستطيع ان تناديهم ولا تدري كيف اعيدت مرة اخرى ! ولا ماذا حدث لها ! وجدوها منطرحة على سيف* البحر مبللة واهنة وذاهلة . ظلت نيلة تعاني من بقايا آثار السحر أشهرا من الحمى والجواثيم * والسير ليلا وهي نائمة حتى اضطرت أمها

*سيف: ساحل

*جواثيم :نوع ثقيل من الكوابيس

 الى احكام وثاقها في عمود اثناء الليل لكيلا تغافلهم ويغدر بها الليل . وقد احاطت الشكوك بامراة غريبة قدمت من الجبل الاخضر مع ابنها الغرير فطرد الاثنان وأبعدا ولم تتعاف نيلة بالرغم من فسخ عقد الزواج وظلت تعاني بعض العلل كالتقيؤ والاغماء والوسوسة وتؤكد أمها بأن مصيرها متوقف على العثور على ذلك السحر ! الا انه كان مفقودا في بطن دابة اكلته وغارت في جحر او طارت في جو ولم يعثر عليه أبدا ولم يفك أو يحرق . رفضت نيلة خاطبا أو اثنين وكانت ترتعد لخاطر العرس أو سيرته ثم توقف الخطاب عن طرق باب بيتهم وتشاؤموا منها .

في الثمانينيات - وكانت نيلة قد تجاوزت الثلاثين آنذاك - استهوتها المجلات الكويتية الرائجة ، التي وجدتها في المتناول ، حيث كان أخوها يحضرها ويكدسها في صالة البيت لتسلية زوجته. وغرقت نيلة في قراءة قصص الجرائم والحوادث وكانت قصصا تحوي الكثير من التفاصيل المثيرة والمريعة : أب يعتدي على بناته وأم تشارك ابنها الفراش : علاقات مشينة وشاذة وعلاقات زنا بالمحارم وانتهاك عذرية وجرائم شرف ! اثارتها وشغلتها وأولعت بمطالعة تلك القصص واستعادتها في ذاكرتها مرارا ومهما حاولت الهاء نفسها عادت تتوق الى قراءتها مجددا . وكانت قد ادمنت على قراءة تلك القصص حينا من الوقت حتى فطنت الى نفسها عندما انقطعت تلك المجلات وأجبرت على التوقف عن قراءتها وذلك بسبب التحاق زوجة أخيها بالعمل واستشعرت نيلة خجلا وتأنيبا للضمير لم يخفف من وطأتهما سوى التجائها الى كنف المحاضرات الدعوية في المراكز وبيوت الخاصة .

اذا تخلف القطار في الخامسة والعشرين دقت اجراس الخطر واذا تخطت المراة الثلاثين صارت عانسا اما اذا صارت على اعتاب الاربعين فقد اضحى عليها ان تقبل بكل التنازلات وترضى باي زوج فاشل مفلس ذي زوجة وعيال أو ديون أو احوال مريبة . اما اذا - لا قدر الله - تجاوزت الخمسين فكل ما ستحصل عليه هو وصمة دامغة قد تدفعها الى اعتزال الناس والحياة .

وبالرغم من ان الناس يقبلون على الزواج لانه السبيل الوحيد لتلبية رغباتهم الجنسية فانهم لا يتحدثون عن ذلك الامر كثيرا ! في الواقع  لا يتحدثون البته . ولا تتحدث النساء عن الجنس ولا عن رغباتهن ولا اي شيىء يتعلق باجسادهن . وحتى عندما يكون ذلك (الشيىء) هو ما يربكهن ويسبب لهن ازعاجا وايلاما او ان يكون ما يفتقدنه او ما يفقدهن طعم الراحة فانه لا يمكن التصريح باي شي بشانه تحت اي ظرف. من ذا الذي بامكانه ان يتحدث عن ذلك الشيىء ؟ وهل هناك صورة مشروعة له خارج اطاره التقليدي الوحيد ؛ الزواج المدبر المفروض ؟ كم يبدو شائكا ومربكا ان يرتبط الحب بالجنس !

كل النساء عندهن فكرة عن النظام الطبيعي للامور وهن دائما يتسقن معها . تحتاج النساء الى أطفال وطبعا يحتجن الى منازل وكنب ومطابخ وأوانٍ وحفلات  وكل ما من شانه المساهمة في الانخراط المبهج المذعن في دورة الحياة .

 

 

  

 

 

 

في تلك الايام غدت نيلة ملتهبة الوجدان سريعة الهياج يقظة لكل كلمة ونأمة مرتابة ومنفعلة وتغلب عليها انفعالات مظلمة كالنزق والنسيان والارق ونوبات الغضب وسوء الظن والضيق حتى بثيابها التي تلبسها وردات فعل مفاجئة . لا تعرف ما خطبها ؟ لا تعرف ما الذي يسوقها الى عمل ما تعمله ! هل كان غضبا ام مرضا يتفجر من داخلها ؟ ما الذي تواجهه ؟ ماذا يحدث ؟

 ثم أدركت بأن الشيطان استحوذ عليها مجددا . وبالرغم من أنها تقفل حجرتها ولا أحد يدخلها سواها ابدا ، حتى الخادمات لا يدخلنها للتنظيف الا لماما وتحت بصرها فانها راحت تنبش ملابسها وتفتش حوائجها وقلبت حجرتها راسا على عقب وراحت تبحث عن سحر مخبوء  ، عن عمل مدسوس في طيات فراش او مخيط في ثنية ملاءة وحركت الدولاب لتنظر وراءه ، بمساعدة الخادمات المتحيرات ( هل هناك فئران ؟ ) سألنها الخادمات ولم تجب عن السؤال . عمدت الى الصالة وفتشتها ثم انتقلت الى المطبخ وجرى انزال الاغراض وتفريغ الخزانة وغسل الاواني وتطهيرها واعادة ترتيب كل شيىء بعد فحصه ثم كانت المهمة الاصعب في المخزن حيث تتراكم الاغراض ويسهل ايداع الاسرار .

في تلك الفترة بدأت نيلة تلاحظ كدماتها المتزايدة و اللون الاخضر المزرق في مواضع مخفية تحت الثياب لم تقع عليها عين سواها. لا تعرف نيلة سببها ولا مصدرها. بالفعل لا تدري ولا تتذكر! هل خبطت عنوة طرف سرير بارز ؟ او صادفها نتوء معترض لطريقها  ؟

عندما تصحو نيلة من نومها ، تلجأ الى كتاب تفسير الاحلام لابن سيرين ، الكتاب الاثير ، الكتاب الوحيد الذي تحتفظ به بجانب مصحفها وقد اشترت الاثنين من مكتبة في المدينة المنورة عندما زارت قبر النبي وصلّت في روضته الشريفة . كلما رأت حلما مكربا أو مقلقا بحثت عن معناه في طيات كتاب التفسير .

 لقد رأت في المنام قطة بشعة وقحة بيد أنها ليست قطة ! تنظر اليها شزرا وحقدا وحاولت نيلة ان تنال من القطة بالضرب لكنها لم تستطع لسبب ما وكانت عينا القطة مصوبتين نحوها تقدحان شررا . لا تني تنظر اليها وتزداد توحشا واستهزاء. عينان تضمران شرا وتتوعدان بالانتقام .

ترتاب نيلة في الخادمات والسائق . كل الخدم يتلاعبون في البيوت . يفسدون أكثر مما يصلحون . يسخرون منها ومن أمها . يتحينون الفرص ؛ يسرقون كل ما يطالون ، يكسرون الاواني عمدا وانتقاما ، يتآمرون لالحاق الضرر بهما .

 

 

 سمعت طرقا على الباب الخارجي للمطبخ تسحبت بخفة وذهبت الى الممر المحاذي وارهفت السمع . سمعت صوته ؛ صوت سليمان ! أسندت ظهرها الى الحائط في ركن معتم من الممر القصير. لم تكن مرئية نظرا لان الستائر مسدلة في المطبخ المقابل وتنفست بعمق لكيلا يفتضح ستر مكانها ولمحت سليمان والخادمة يتهامسان بدا لها همسا ! لانها لم تسمع كلامهما ، ثم اصبح الاثنان كذلك غير مرئيين ولكنها ظلت لخمس دقائق طويلة مديدة متجمدة في مكانها لم تبارحه وهي تسترق السمع وتولاها فزع ودوار ولكنها لم تستطع ان تستدير راجعة الى الخلف .

عندما سمعت خفق ثياب وقرع خطوات يتلاشى اتبعه اغلاقة قوية للباب تحركت بخفة وسرعة وانسلت الى الداخل من باب جانبي غارقة في العرق متسارعة النبضات ترتجف كجريدة جافة في مهب ريح .

 

عندما نقلت نيلة الى اخيها تقريرها الاسبوعي عن مجمل تصرفات (التونسي ) كانت تعتقد بأن سليمان مغرر به من قبل الخادمة الفليبنية ! سألها أخوها عمّا تعرفه فلم تجد برهانا قاطعا لكنها أكدت لاخيها بان هناك اشارات مريبة ومشازرات بالعيون بين الطرفين ولابد أن هناك شيئا أعظم لان تلك (الفاجرة تلتصق به ! تنتظره من لحظة دخوله وتلاحقه كظله! تتحجج بانها تعاونه في حمل العدة ! اي عدة ؟ كلها شنطة صغيرة ! هناك شيىء بينهما ! سيجلب علينا الفضيحة ..  اصرفه خله يروح في حاله قبل ان يخرّب كل خدمنا  )

وقال لها أخوها : والخادمة ؟

قالت : لا.. دعها ! ليس لها ذنب ! هي مغوية ! الذنب ذنبنا حطينا النار والبنزين معا .. وأردفت : والرجال كالكلاب

لم تنتبه الى انها قد تؤذي مشاعر اخيها كما لم يشعر هو بالاذى او الاهانة وكأنها كانت تذكر امرا معلوما بالضرورة.

 

لم يكترث الاخ الكبير بنفي سليمان وصدمته عندما واجهه بمزاعم نيلة عن سوء تصرفه في البيت . وسواء أكان سليمان صادقا فيما سرده من قصة مختلفة عما حكته نيلة أم لم يكن كذلك فالامر سيان لأخيها . لهو من الأيسر أن يتم الاستغناء عنه والتعاقد مع أجير آخر ، ممرضة على الاغلب ، أكثر انضباطا والتزاما بالقواعد المرعية . لقد سبب سليمان صداعا غير ضروري لاهل البيت .

 

 

 

 

لم تكن العجوز لتموت أو يبدو عليها أنها موشكة على الموت برغم تعثر صحتها فقد كانت بخير ؛ تأكل وتتناول دواءها وتنام وعندما يحضر ضيوفها المعتادون تجلس باستقامة على كرسيها المتحرك وتراقب بعينين صقريتن وذهن صاف  كل ما كان يجري حولها وتعلم بأمر الخلافات بين ابنيها حول المال والعقار، وسفر زوجة الابن الاخر بعد ان تركت اطفالها الاربعة في عهدة خادمة تحت اشراف امها وتعلم بان ابنها الكبير يخطط لانشاء فيلا تخصه في حوش البيت ولكنه يعمل على تقسيم العقار ليضمن تملك الجزء الذي ينوي اقامة بيته عليه. وتعلم أيضا بأن نيلة اصبحت تتصرف على كيفها ولا تراعي خاطرها كما السابق وتتلهى عنها وتعلم بانها يجب ان تقبل وتكتفي بما لديها .

 

 

ليست الحياة الا قائمة من الاعباء والواجبات والمهام ! يتوجب على نيلة مرافقة الام الى المستشفى واعطاؤها الادوية واستقبال ضيفاتها وزوارها .  يتوجب عليها ان تقوم باشياء كثيرة ؛ عليها ان تأكل وجباتها وحيدة حتى دون أن تشتهي الطعام وعليها الاغتسال مرارا والاعتناء ببثورها وقشور رأسها ذات الرائحة الكريهة ولابد ان تستعد للصلاة وهي نظيفة لانها منذ مرضت في الصيف الماضي وهي تعاني ما يشبه سلس البول واصبحت توسوس من العقاب الذي يتهدد الذي لا يتنزه ولا يتطهر من بوله وهو عقاب رهيب في القبر . وكذلك النوم هو مهمة عسيرة اخرى في قائمتها اليومية . فهي لا تنام بسهولة ! تستولي عليها الافكار قبل النوم احيانا لا تفكر بشيء محدد لكنها تشعر بان الشيطان يخطفها ويحملها معلقة في الهواء راسا على عقب ويطوح بها في الفراغ وهي مشلولة وعاجزة عن النطق مثل امها غير انها تفطن الى انها ستهوي ! ستهوي ! ولا تستطيع ان تتوصل لاي حيلة او تدبير حتى انها تنسى ان تطلب العون من الله وهذه الخطيئة الاخيرة تحرقها حرقا   

 

 

 نيلة تكافح وحيدةً لاعادة النظام الى البيت ! لحفظ النظام .لا يمكن الوثوق بأي أحد ! وكانت نيلة تصلي . منذ نعومة أظافرها وقبل أن تفطن لأي شيىء عرفت الصلاة . وكانت في الايام الخالية تحضر صلاة الجمعة مع أمها وتستمع الى صوت الخطيب . كان الخطيب بعيدا ومحجوبا وراء حاجز مانع ولكنها تسمعه عبر الميكرفونات وتلمس نبرة صوته الذي يتهجد وتراه في خيالها يبكي ، يبكي من أجل المسلمين ومن أجلها وتهتز أركان الجامع عبر مكبرات الصوت ويزجر الخطيب المصلين : ( توبوا الى الله )  وعندما ترتفع الاكف ملبية بآمين كانت تتنهد وتؤمّن* على دعائه ودموعها تنهمر وتغمر كل روحها .

*تؤمّن : تقول آمين

 ليس لها الا الدعاء وهي تؤمن بأن الدعاء سوف يقصف الاعداء وأن الدعاء سوف يعالج بثورها ويرعى روحها الهائمة . كما أن الدعاء يبرىء ساحتها ! لانها قدمت كل ما عليها فهي لا تملك ان تفعل شيئا آخر ! ليس بيدها شيىء ! وبالرغم من أن دعاءها كان مستمرا ومخلصا و.. محددا الا ان الله لم يستجب لدعائها اذ انها لم تكن جديرة بعد بالاستجابة وكانت اضعف من أن تستغني عن رغباتها  الدنيوية الزائلة .

الذنوب ! الذنوب ! ذنوبها عطلت حياتها وهي وحدها الملومة !

ماذا تعرف نيلة عن العالم ؟ في الواقع لا شيىء يعنيها في العالم  !

ما يخصها هو ما تراه وتلمسه وتصطدم به جبهتها قسرا أما كل ما يجري خارج اسوار حوش البيت فلا يكاد يلمسها لمسا ! انه لا يحدث لها ! ولا يؤثر في يومياتها ولا يمثل لها اي خطر . كانت مشغولة بالاطباق التي افتقدتها ؛هناك فنجانان كسرا من طقم جديد فاخر أهدته ابنة خالتها لأمها في رمضان وهناك ملاعق سرقت والا ففي أي ثقب سقطت ؟ كما ان علب الصابون تنقص بسرعة وكيس الارز لا يعمّر شهرا في البيت ! أي نهب ! أي تلاعب ! كل شيىء يتدهور في حال عدم حرصها وتفقدها . كانت بالامس في المطبخ الخارجي وهالها ان المشمع كان متسخا ولزجا تحت برطمانات البهارات وهناك شرخ طولي في ضلفة الباب وكأن شخصا احدثه عمدا بمشرط أو سكين ثم  اخفاه بشريط لاصق وكأن ذلك سيمنعها من أن تلاحظه ! أهذا ما يظنونه فيها !

 بالطبع  هي تسمع حديث الحرب والموت والتقتيل في العراق منذ زمن والان يقال بان اليمن وليبيا وسوريا فيها قتال ودمار شامل ! والمسلمون يموتون والاطفال يدفنون تحت الانقاض ويعانون الجوع واليتم تسمع ذلك في خطبة الجمعة وفي احاديث النساء الزائرات لأمها وهي تحس بالفزع والخوف وتشعر بأنها أشراط الساعة تتدافع الواحدة تلو الاخرى ولكنها ترفض أن ترى تلك المقاطع الرهيبة التي تظهر على الهواتف الذكية وهي تصر على استخدام هاتف البيت فقط عند الحاجة .

 

 

 

 

 

تنتعل نيلة شبشبها كالمنومة مغناطيسيا وتدلف الى الحمام لتمشط شعرها في المغسلة حيث تتوقع نزوله بغزارة . لا تتأمل وجهها في المرآة الصغيرة فوق المغسلة وتنشغل بالاحافير التي تزين إطار المرآة الغائرة . تنحني قليلا على المغسلة ولكنها تصطدم بانعكاس وجهها على القاع المرمري فتشيح بعيدا  .

ويقفز الى لسانها ذلك السؤال الذي تجاهلته طويلا في ركن منسي من ذهنها  :

لماذا يحصل معي كل ذلك ؟ لماذا انا يا رب ؟ لماذا يا رب ؟ لماذا كتبت علي ما تعلم بأنني لا أطيقه ؟

 

 لم تكن نيلة مضطرة الى التفكير أبدا ولا الى تقرير شيىء في حياتها ولا حتى مزاولتها . كانت نوعا ما متحررة ؛ تجهل كل شيىء وتنفر من كل شيىء وتجحد كل ما لا تستوعبه ولا تضطر للوقوع في الاخطاء والتجارب والعلاقات . ليس عليها التعاطي مباشرة مع العالم الخارجي اطلاقا ؛ لم تكن تعنيها القرارات والقوانين والمخالفات وكل تعقيدات المعاملات واحتمالات الخسارة ووطأة الديون وزحمة الشوارع وغلاء الاسعار والماركات المغشوشة ورسوم المدارس وأزمة البيض ! لم يتوجب عليها ان تتعلم لغة او تعرف كيفية تشغيل جهاز. لم ترتد مولا ولا معرضا ولا دخلت سينما ولا جلست في مقهى ولا زارت (اللولوة ) ولا تمشت في ( كتارا ) ولا تعرف أين تقع تلك الاماكن ولم يستهوها حتى أن تنظر الى صورها .

 

وعندما تحضر الزائرات كن يحضرن لمؤانسة العجوز لكن سرعان ما ينسين وجودها الصامت وينخرطن في احاديثهن المعتادة . يتفجر كل ذلك التحاسد و التحسر والولع باقتناص الفرص والرغبات المحمومة في المتع ! والنهم الى اشهى الاطعمة المطاعم الجديدة والمناسبات والدعوات والتباهي بالبلدان التي زرنها والتحسر على تلك التي فاتهن زيارتها ! وتخشى نيلة ما لا تعرفه ! تخشى ما تراه ماثلا او مستورا في كلامهن تخشى تلك الصورة الشبقية الجشعة الفجة من الحياة ! تخشى ما تلمسه في نبرتهن وتلاحيهن وغمزاتهن المتبادلة من كراهية وحقد ورغبة في الايذاء والتعالي ! تخشى من كل ذلك لانها لا تستطيع ان تجاريه او تتعاطى معه او تدخل في معمعته وهي لا تفهم الى ما يرمون وعم يتحدثون وما تلك الاشياء التي يذكرونها في احاديثهن تخشى ما لا تفهمه وتخشى ما تحسه ينبض في النبرات والنظرات وما تتبادله الاحداق والابتسامات الزائفة وبالرغم من انها فوق متناول الاذى والالم الدنيوي لانها ليست مصنوعة من مادة العالم المسلع الذي يعيشونه ولا تعترف به الا انها كانت تشهد بام عينها عجزها عن مجاراتهن وخضوعها لتحليلاتهن لانهن يمسكن بزمام الامور؛ هن المتعلمات ! هن العاملات ! هن اللاتي يعرفن تكنولوجيا العصر ويملكن حسابات ويتباهين بآرائهن ومداخلاتهن بينما ليس لديها ما يسعها الافصاح عنه .

كانت نيلة تقوم بواجب الضيافة وترحب بهن بكل سماحة وبقلب مطمئن وهدوء سابغ كانت تقدم لهن القهوة وتلجأ الى توزيع اهتمامها بالحاضرات وتقدم لهن الحلوى وتحثهن على تناول المزيد وتخبىء في حجورهن وتدس في ايديهن ما يحملنه الى الاولاد والخدم في بيوتهن . وكانت تسال عن الابناء فردا فردا : عمن سافر في بعثة وعن البنت العروس حديثا هل حبلت بعد ؟ وعن ازواجهن وعن العمل ان كن لم يتقاعدن بعد . مثلما كانت تفعل امها امامها وفي حضورها منذ اكثر من ثلاثين سنة . كانت تتجاوز عن التدخل في جدلهن او مزاحهن . وعندما تسال عن احوالهن كانت تتخذ تلك النبرة الرضية السمحة الاقرب الى الاذعان والتي لا تشوبها شائبة . لا غرو أن الجميع احب نيلة المثالية . الجميع اطمأن اليها والجميع لم يكن يبالي حقا بما يمكن ان تشعر به او يمكن ان تعانيه !

     

 

 

بعد طرد التونسي بأسابيع بدأت تلك الاحداث.  ينهض سكان البيت ليجدوا امورا بلا تفسير : شرخ في مرآة ! كسر زجاج وصحون ملطخة ومتناثرة ! تقطيع في الكنب الجلدي بشفرة حادة ! تحريك الاثاث ليلا !

وبعد عدة ليال شرعت الخادمات في الشكوى والتبرم بعد أن وجدوا القطة مضرجة بدمائها وقد سحق رأسها بأداة ثقيلة . كن مرتعبات من الجن الذي يقوم بتلك الاعمال التخريبية ولم يتحملن أن ينسب اليهن شيئا مما جرى . تعاضدت شهادات الخادمات الثلاث بأن نيلة وراء ذلك التخريب الليلي المنتظم  . ترصدتها خادمتان وتربصتا بها وحاولت احداهما منع نيلة من رش البهارات على الارض  ونادتها الاخرى مرارا باسمها غير أنها لم ترد ولم تستجب وهجمت عليهما بالمكنسة .

لم تعترف نيلة أبدا بما فعلت وكذّبت ادعاءات الخادمات ورفضت الخضوع لجلسات العلاج الارشادي الذي اقترحه أخوها وزوجته لكنها واظبت على تناول الادوية المهدئة التي اسهمت في زيادة خمولها واكسابها وزنا اضافيا .  

 

لم تزل نيلة تؤدي الاعمال ذاتها ، كل يوم ، بالكيفية ذاتها تقريبا ، بشكل عشوائي تقديما وتأخيرا ؛ فعندما تتذكر امرا ، تقوم به وقد تنسى اتيانه سائر يومها ويفوت موعده واحيانا تنسل الى حجرتها لتصلي ركعتي الضحى فيغلبها النوم وهي مستلقية على جنبها على سجادة الصلاة فتغفو . لم تزل تحرص على ان تغسل ملابسها الداخلية بنفسها ولا تستخدم الغسالة الكهربائية سوى لتنظيف الملاءات والمفارش واغطية الوسائد و تتشاغل عن أمها القابعة في الصالة بالتلهي بترتيب اغراض المخزن او تفقد اواني المطبخ غير انها ترسل احدى الخادمات لتمكث معها.

 

مهما بدا بقاؤها على قيد الحياة خطأ وأمرا ينبغي تصحيحه الا ان العجوز عمّرت حتى قيل عنها (مخلدة ) واحتفظت بصلة مستمرة مهما كانت واهية بما حولها وكان لديها دائما شيىء من الفضول يدفعها أن تسال زوارها عن طريق الاشارة والتمتمة عن شيىء ما ، أي شيىء يخص حياتهم  . والواقع ان نيلة هي التي قضت حتفها بعد عدة اعوام في حريق شب فجأة ليلا في المطبخ وانتشر بسرعة في جانب من البيت بينما كانت العجوز الطاعنة المقعدة تغط في نومها وبجانبها طقم اسنانها غاطس في كأس زجاجي مملوء بماء ملحي فاتر ، تصدر خرخرة واهية من حنجرتها وبقربها خادمة هندية متعبة يغزو وجدانها كل انواع السيناريوهات لكيفية استقدام ابنها وصهرها لكي يعملا في البيت الكبير  .

 

 

ليست هناك تعليقات: