القناع السردي والتوسل بالتهميش
في الرواية التاريخية: ثلاث روايات قطرية: (بانكة)
و(الارسالية) و(ختم خزعل) )
نورة آل سعد
هل يستطيع المهمش الكلام؟ هذا ماسألته
سبيفاك وأجابت عنه بلا وقد كان المهمش عند جرامشي هو من لا يملك سلطة سياسية
وثقافية داخل الهيمنة الاجتماعية، ولكن سبيفاك أعادت تعريف ما استعارته من غرامشي
فلسفيا فكشفت بأنه عندما يتحدث المهمش فإنه يعاد ترميز كلامه فالمعرفة ليست محايدة
بل تُنتج داخل أنظمة سلطة بمعنى أن المهمش لا يستطيع الكلام دون أن تعاد ترجمته
عبر خطاب السلطة (الاكاديمية والإعلامية والاستعمارية الكولونيالية وحتى داخل
الحركات التحررية والجماعات الدينية).
أصدر خالد الجابر(الارسالية) وهي
رواية تتخذ شكل مذكرات أمريكية قدمت كممرضة /راهبة ضمن حملة تبشيرية الى الخليج (
الى قطر تحديدا)
لم يهرب الجابر من صوت الآخر(المستعمر)
بل تنكر بقناعه واندس داخل خطابه نفسه حين لجأ إلى مذكرات الراهبة التبشيرية لكي يجندها
لتتحدث عنا بإنصاف فتشيد بقطر وتكتشف بأنه لا ينبغي لها أن تبشر بدينها وأن الناس
طيبون ولائقون أخلاقيا ولا يحتاجون أي تبشير. يقول الكاتب على لسان الممرضة/الراهبة:
" مع استمرار التواصل اتضح لي مدى تمسك
العائلة القطرية بدينها لم يكن الدين هنا مجرد شعائر تؤدى بل هو منظومة متكاملة
تتداخل فيها السلوكيات اليومية مع الأخلاق وتشكل العادات بل والقوانين غير
المكتوبة التي تحكم علاقة الفرد بالمجتمع شعرت بأن هذا التماسك ليس صلبا فحسب
بل هو طبيعي مثل الهواء الذي يتنفسه الناس بدا لي أن فكرة التبشير بمعناها
المباشر لا تجد موضع قدم لا لأنها مرفوضة صراحة فحسب بل أنها غير ذات معنى في سياق
مكتف بهويته الروحية لم يكن الأمر صداما بين عقائد بل هو اختلاف في البنية
العميقة للإيمان لذا تبلورت القناعة شيئا فشيئا بأن نركز على الخدمة الطبية
بوصفها جوهر وجودنا لا وسيلة لغاية أخرى "
الارسالية ص 160
لا يطلب خالد الجابر حق الكلام بل
ينتحل ببساطة صوت ماري الكولونيالي المسموع ويوهمنا بأنها قمينة بأن تدافع عنه وتنصفه
فيلجأ الى محو صوتها ما دام الخطاب المهيمن ينطوي على محو صوته الأصلي.
ومنذ البدء يتصرف الجابر باعتباره (المهمش/التابع)
إما انطلاقا من ان ماري أصبحت تمثله وتتحدث نيابة عن المحلي المهمش باعتبارها تمثل
المركزية الأوروبية (التنويرية) وإما انطلاقا من تصوير (الآخر) داخل خطاب معرفي
منصف ومتعاطف، ولكن بشكل منبري وزائف وهذا الامر في الحالتين يكشف عن ارتباك معرفي
لدى الكاتب فقد أصبح -حينئذ- "موضوعاً" يعاد إنتاجه في خطاب ماري وليس "ذاتاً"
تنتج معرفتها الخاصة عن نفسها وعن العالم كما تراه (أو كما تتوهمه )
وهذا ما تسميه سبيفاك (العنف الإبستمولوجي) حيث
يظهر المهمش داخل خطاب المستعمر ويخضع لشروط إنتاج الحقيقة التي يقررها المستعمر (الآخر)
فيتعرض أكثر فأكثر للمحو وأكثر فأكثر للتهميش
ليس المهمش/التابع بحسب سبيفاك سوى
موقع بنيوي متعدد ومتنوع داخل النسيج السوسيولوجي في المجتمع فقد يكون (نساء، رقيقا،
عمالا، جماعات بلا أرشيف، موصومين لاي سبب) أي كل تلك الذوات التي لا تملك قدرة
للوصول إلى آليات إنتاج الحقيقة (حقيقتها الخاصة).
اعتقد بانه من الخطل محاولة التحدث نيابة
عن المهمش لان ذلك يضيف طبقة جديدة من الاقصاء ويوقع الكاتب فيما تسميه سبيفاك
مأزق تمثيل المهمش ، فهو اذا ليس سوى تمثيل مزدوج .
ينبغي أن تتجه "الكتابة" الى
تفكيك تلك البنى المعرفية المهيمنة التي تمنع ظهور ذوات المهمشين والتي تؤدي الى
اسكاتها بدلا من تمكينها وتعيد تشكيلها مرة بعد مرة فالمهمش- في تعريفنا هنا كما
أسلفنا - هو كل من يستبعد من شروط الإعتراف معرفيا.
وتتناول رواية (بانكة) لرائد إبراهيم
قصة هجرة حسن إسماعيل الإيراني إلى قطر للاستقرار ولكي ينشئ إمبراطورية تجارية
كبيرة ويتركها لأبنائه وأحفاده إرثا وعلامة نصر ويعطينا الكاتب رائد ابراهيم كل
التنميط التقليدي المتعارف عليه لصورة الفارسي وصرامة طبعه وعلاقته بعائلته وحرصه
على الانضباط ورغبته في تكديس الرأسمال وحبه للتجارة والمتع الرخيصة (القدو).
ويطرح الكاتب ما يعتقد بأنه عقدة الرواية وقد
تكون مغالطة الرواية في وصف السارد للجد حسن بأنه " رجل أراد أن ينتمي إلى
جماعة ترى فيه دخيلا وضيفا غريبا فأخذ على نفسه عهدا أن يبقى فترضخ
الجماعة له ولا سبيل لقهرها إلا بمال لا قبل لهم به أو أن يفنى ويعود من حيث
أتى" بانكة ص 88
ويقول الجد حسن نفسه :
" شيدتُ كل هذا
بنيتُ كل هذا وأنت تعلم ذلك تمام العلم كم قاسيت كي ينجو من هذه النظرة ومن هذا
الإشفاق لا طمعا في إحسانهم بل لأقف ويقف هؤلاء" أشار إلينا "مقام الند
منهم ويكونوا سواسية فإن تبجحوا بالعرق والدم قابلهم هؤلاء بالمال والجاه"
بانكة ص 204
قبل ان نسأل هل استطاع رائد ابراهيم
في رواية( بانكة) أن يوجد صوتاً للمهمش يجب ان نسال: ما منظوره للتهميش ؟










