الثلاثاء، 1 نوفمبر، 2011

رواية (القرصان) بين الوقائعية والمشهدية




نورة آل سعد

أسعدني تزامن صدور روايتين قطريتين هما رواية (القرصان )لعبد العزيز آل محمود ورواية (الأقنعة) لأحمد عبد الملك  ويؤسفني ان هناك روايات اخرى سمعت منذ عدة سنوات ان أصحابها عاكفون عليها بيد انها لم تصدر بعد . وبعيدا عن التقييم الفني للروايات القطرية الصادرة في الفترة الاخيرة فانه مما يثلج الصدر توالي تلك  المحاولات .



لقد شعرت بان رواية القرصان قصة مهيأة لكي تتحول فورا الى فيلم سينمائي فهي تحمل بداخلها السيناريو معدا سلفا ولن تحتاج سوى القليل من التعديلات وبعض الحذف لتلك الفقرات الوصفية والمعلومات الملحقة (حول جغرافية المكان وعدد السكان والقرى والمساجد والآثار الخ) والتي ربما سعى الكاتب الى تطعيم القصة بها لإظهار " تاريخيتها "  او تأكيدها او ربما استغلالها فقد بدت تلك الفقرات وكأنها لمحات "سياحية" موجهة الى القارىء " الزائر " . رواية القرصان ليست رواية تاريخية بل قصة اعتمدت محورا دراميا يدور حول حادثة مختلقة : حول سيف هندي مرصع بالجواهر يسلبه ارحمة القرصان من كابتن سادلر الموكل بتسليمه الى ابراهيم باشا ثم تجري محاولة استرداده لتسليمه الى صاحبه .

لا شك بان الحدث فكرة سينمائية بامتياز واقتضت حبكة تعتمد على مغامرات و مؤامرات وخيانة ومعارك بحرية حول حدث سرقة السيف من قبل ارحمة وبالرغم من ان ارحمة لا يعترض السفن البريطانية الا ان هذه السفينة تخفت كسفينة تجارية ! ألم يكن من الاولى ألا تتخفى وان ترفع علم بريطانيا حفاظا على السيف الثمين وحمايته من القراصنة ؟

بدأ الكاتب القصة – الفيلم على طريقة الافلام الهوليودية مستمرئاً التنميط والقولبة ذاتها فظهر ارحمة قرصانا نمطيا لا يعرف الرحمة ولا يهتم بدين او عرف وكل همه الانتقام من ابناء عمومته ال خليفة لانه حرم غنيمة تكافىء جهده الحربي بعد ان خسر عينا وتاثرت يده في حربه مع ال خليفة.

اما ابراهيم بن عفيصان الوهابي فقد كان في الرواية منافقا ، متدينا على القشرة الخارجية فحسب، عاد حمية لعائلته فقتل اثناء زحف حملة ابراهيم باشا وابراهيم باشا بدوره ليس سوى مجرد آلة قتل متحركة وآلة شفط هائلة.

فضلا عن شخصيات ثانوية نمطية مثل ضرارعبد ارحمة المختوم بوفائه وولائه الابدي والقائد التركي الفاسد كسواه من القواد ( يرسلون ولا يهمهم الا تجميع المال) كما يقول الكاتب وغولاب الهندي وصادق الخائن وعباس  الجاسوس وجربوع الغادر ومتعب البدوي المتطفل الذي يصر على ان سادلر قد اصابه مس من الجن فكيف غادرته فطنة البدو وهو يرى اعراضا جلية كالقىء والاسهال فلا يعرف بان ذلك من طعام فاسد وما أكثره في بيئته الحارة

طغت اجمالا نمطية (stereotype الستريو تايب) الامريكي  للعرب و البدو على الاخص وكذلك الاتراك  ( لم نعد نستوردها بل صرنا نعيد تصديرها  كذلك في ادبنا القصصي ) وبدت الحياة  في الخليج والجزيرة عبارة عن فوضى تامة وعلاقات فاسدة قائمة على الرشاوى والجمارك غير المشروعة والدسائس والتملق وتحين الفرص والاوضاع القاسية غير الانسانية . الامر الذي حدا بالكابتن سادلر ، الى دفع المال ، في رحلته مع مرافقيه ، سعيا للقاء ابراهيم باشا لتسليمه السيف ، أسهمت في تذليل  الصعاب وتامين الحماية اكثر مما فعلت تلك الرسالة التي يحملها سادلر من السلطات البريطانية –  وقد مضى معه مرافقاه العربيان ( بشر بن ارحمة ومتعب البدوي ) يجرهما كالخروفين لكي يوصلا سيفا باسم الملكية البريطانية الى ابراهيم باشا في سبيل إغرائه بالتحالف مع بريطانيا للاجهاز على الوهابيين والقواسم والقراصنة (يعني كل القوى العربية الناشئة ) فهل هناك عربي يسعى ضد قومه وأبيه في ركب الأعداء  ؟؟ لم يكن بشر بن ارحمة معترضا على قرصنة أبيه عندما رافقه زمنا ولم يفترق عنه الا عندما سرق سيفا غنمه ابوه من القرصنة لكي يتزوج حبيبته سلوى ومع ذلك فقد أهمل حلمه وأمله وحبه ومضى مع سادلر  مقابل وعد بمكافأة غير مضمونة في نظر بشر نفسه !!




يقول الكابتن سادلر عن بشر بن ارحمة ( انه أخي ) ترى أي اخوة انسانية جمعتهما ؟ وتحت ظل اية اهداف مشتركة ؟ ومن هو سادلر ؟ اليس هو الضابط البريطاني الشاب اللاهي الذي اختير من اجل مهمة صعبة لسبب غير مفهوم  ثم انفصل عن قائده المباشر لوخ واختار ابن ارحمة ليكون مرافقا له فهل كان بشر دليلا جيدا او مقاتلا او يمتلك مهارة تقتضي اختياره ثم هل كان الكابتن سادلر رحالة او طبيبا او حتى كاتبا ليتنقل وحده مغامرا في منطقة تتعرض لحملة دموية على يد ابراهيم باشا !

تزخر القصة – الفيلم بمشاهد مشوقة وحافلة بالإثارة المرئية سينمائيا ؛ مشاهد القتل والدمار وقافلة الرحلة والصحراء الشاسعة وارتال الأسرى ومشهد الفارين من نساء واطفال وشيوخ وجرحى ومكسورين يفاجئهم المد فيضحون غرقى ورحلة سادلر ومرافقيه ومشاهداتهما فضلا عن المعارك البحرية والهجوم على راس الخيمة وتدمير الخور والحصن  بالاضافة الى  قيام قائد بريطاني بالايقاع بمساعد حاكم بو شهر عند عمه امير شيراز وكانت النتيجة اعدام صادق !!

وفيما يخص الهجوم المباغت الذي شنته قوة بحرية بريطانية مدعومة بقوات سلطانية على راس الخيمة ؛ على خور لجأ اليه شيخ القواسم  فاننا نقرأ بحسب احد المواقع أخباراً تبرز شجاعة الرجال والنساء  في ملحمة الدفاع عن بلدتهم بلسان البريطانيين الذين يشيرون الى اهل البلدة بالعدو تارة وبالقراصنة تارة اخرى !! 

 (*)
ثمة معلومات على الرابط ادناه من جريدة الوقت البحرينية لتبيان جانب مما تحدثت به المصادر التاريخية عن واقعة ضرب خور حيث تحصن الشيخ حسن القاسمي وجماعته فضلا عن اهل الخور ممن ابدوا شجاعة منقطعة النظير في الدفاع عن بلدتهم  الرجاء الاطلاع  بغرض المقارنة بينه وبين ما ورد في رواية القرصان .
 

 
بعد  الاطلاع على تلك  الوقائع التاريخية عن جريدة الوقت اعلاه ، يصبح حفل الشواء الذي اقامه لوخ في رواية القرصان على ذمة الكاتب عبد العزيز ال محمود في روايته المتخيلة مشهدا سينمائيا بيد انه مشهد غير معقول ! اذ يحكي ال محمود بانه اعقب حفل الشواء بعد النصر نوم الجنود البريطانيين وينهض القائد لوخ من سكره (!!) ليضرب بقدمه حراسه وينبه المعسكر الغاط في نومه بعد ليلة سكر في احتفال النصر على القواسم في ص 375

تجري الرواية في فصول متلاحقة او متزامنة و تعتبر الفصول انتقالات مشهدية في المكان دون تحديد الزمان حيث يتصعد الدراما وتشتبك الخيوط وتلتقي شخصيات القصة في مصادفات غير مبررة , والزمن القصصي هو زمن سينمائي بامتياز فهو درامي ومتعاقب غالبا ومتلاحق ولا يعود الى الوراء . حينما يحتاج الكاتب الى القاء الضوء على حدث او احداث ماضية فانه يرسلها في الحوار في كلام احدى الشخصيات ( كما حدث عندما عندما قصّ ارحمة على ابن عفيصان حكايته مع ابناء عمومته مستهلا بالحديث عن مكان ولادته بالكويت وانتقاله للسكن في شمال قطر مع والده الخ ص  98  وهو يتبع الفلاش باك السينمائي )

استطاع الكاتب ال محمود ان يستغل ببراعة أحداثا وردت في بعض الروايات لصالح الحبكة الدرامية في القصة مع بعض التحوير كما فعل عندما جعل ارحمة يأمر بقتل ابنه بشرا دفعا من سطح السفينة وهو مقيد (كما قد يفعل اي قرصان نمطي ) لاسيما بعد ان خانه ابنه وسرق سيفا مرصعا بالجواهر سرقه هو نفسه من الكابتن سادلر ( وهنا لا يكاد يفارق مخيلتنا طيف كابتن هوك القرصان الاكثر شهرة في قصة بيتر بان )

لا يلتزم الكاتب عبد العزيز ال محمود بوقائع التاريخ ولا بترتيب حدوثها  زمنيا وللتقريب نذكر لكم الوقائع التاريخية التالية :

1809 كان ارحمة بن جابر اميرا على الدمام معينا من الامام سعود بن عبد العزيز

1809 جردت بريطانيا حملتها ضد القواسم لم تجرؤ على مهاجمة خور حسن معقل الشيخ ارحمه رغم أن الإنجليز كانوا يعتبرونه واحدا من القواسم بل أخطرهم كما جاء على لسان الضابط الإنجليزي صمويل ريتشارد يقول : " إن ارحمه نفسه من أصل وهابي ومن أتباع الوهابيين، ومن ثم فليس ثمة تعارض بين الشيخ ارحمه وبين القواسم بل ربما كان ارحمه أكثرهم تطرفا

1811 استولى ارحمة على سفينة تجارية تابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية

1811 تدخلت السفن البريطانية لصد هجوم من ارحمة على البحرين

1816 نزل ارحمة الحليلة بالقرب من بو شهر مع كل مراكبه وقبيلته والتي تتكون من 500 عائلة واستقبله الشيخ محمد حاكم بو شهر

1818 نزل ارحمة القطيف وقصفها بمدافعه وسار الى الدمام وبنى قلعتها

1820 طلب المقيم العام البريطاني من ارحمة التوقيع على الاتفاقية التي وقع عليها مشائخ الخليج فرفض

1826 مات ارحمة غريقا في وقعة جرت مع ال خليفة حكام البحرين

(المصدر الويكيبيديا )




لم نشعر - بوصفنا قراءً- بالزمن في الرواية فقد جعل الكاتب يتنقّل في فصوله بين لندن وافريقية و بومبي وبوشهر والزبارة وراس الخيمة الخ كما لم يلتزم بترتيب الوقائع زمنيا فقدم واخّر .

يتضح لنا ان الكاتب عبد العزيز ال محمود قد  قام باختزال  ( 17 ) سنة في فترة قصّه للرواية التي لم يشر فيها الى تاريخ محدد ولا الى فترات زمنية  كالشهور والسنوات فأوحى الى القارىء بان الزمن - زمن القص - لم يتجاوز السنة (وان لم يصرح بذلك)

لقد كتب بروس المقيم البريطاني في بوشهر ( ان ارحمة سوف يسيطر على الخليج لا محالة اذا لم يوقف عند حده ) فالرجل كان لديه قوة برية وبحرية وكان وهابيا من رعايا الدولة السعودية الأولى وحليفا للقواسم ولم ينحصر خطره ابدا في القرصنة والنهب بل كان اميرا للدمام وبعض قرى شمال قطر وكان يريد الاستيلاء على البحرين ورفض التوقيع كما ورد اعلاه على الاتفاقية البريطانية كما فعل سائر مشائخ الخليج  فمن الواضح استقلاله وثقته بقوته البرية والبحرية وفاعليتها.

الا أن بروس الذي ابتدعه الكاتب في الرواية يقول :

(اعتقد ان خطر السيد علينا اكثر من خطر ارحمة ، فارحمة رجل كبير في السن ولم يهاجم اي سفينة ترفع العلم البريطاني من قبل وهجومه الذي كان ..لانها لم تكن ترفع العلم البريطاني ) ص 288

والسيد المشار اليه هو السيد صادق مساعد حاكم بو شهر وهو مجرد وغد صلف يتاجر في الممنوعات !

من المحقق ان الكاتب ال محمود غمط ارحمة حقه كثيرا وتكرارا ولا ادري لم اختاره ان لم يكن يشعر باهمية الرجل السياسية والتاريخية في المنطقة ؟

يقول الكاتب ( بدا سادلر يفكر جديا في وسيلة العودة الى الخليج فقد شعر بان ما قام به ابراهيم باشا قد حطم كل امال الانجليز في انجاز حلف مع سلطان عمان والعرب الموالين له في المنطقة ) ص 281

قد يظن المرء ان ابراهيم باشا كان بدعا من القواد والغزاة من قبله وبعده ، حينما اقدم على  إحداث كل ذلك التدمير والتقتيل والفوضى في حملته التي جردت لانهاء طموحات الدولة الوهابية التوسعية الحق ان الغزوات والغارات في ذلك العهد كانت تدميرا للقرى وقتلا وسبيا ونهبا على اختلاف الغزاة ومع ذلك صور الكاتب حملة ابراهيم باشا بصورة لن ينساها من يقرأ الرواية . اننا نتساءل ألم يقم البريطانيون توا كما سلف بتدمير خور القواسم وتقتيل الرجال والنساء والاطفال ! بل اننا نتساءل عما اذا لم يكن ابراهيم باشا - في تدميره للدرعية وسواها - قد كان يخدم مصالح البريطانيين المباشرة في المنطقة ! فلمَ جاء في وعي سادلر وشعوره ان الباشا حطم امال الانجليز ؟ واي امال تلك  !

وبالرغم ان الكاتب يعلن بان روايته تاريخية على الغلاف الا انه لم يلتزم كثيرا بالتاريخ اذ انه انتصر لدرامية القصة واختار ان يتجنب الكثير من الجوانب التاريخية المثيرة للجدل في ذلك الزمن الذي وصف بانه (فترة مجهولة ومهمة من تاريخ وطننا العربي ) وقد يكون الكاتب قد زادها تجهيلا على قرائه.

والحقيقة اننا لا نؤاخذ  الكاتب ولا أي كاتب ، على اعادة ترتيب الأحداث بما يخدم حبكته ويدعم وجهة نظره ( اذا ما كان يملك وجهة نظر معينة ) ولكننا نحلل هنا فحسب طبيعة ذلك الموقف المتخذ ووجاهته ونحاول ان نتعرف عليه وان نقع على الأسباب التي دعت الكاتب الى انتقائيته  وإلام يهدف ؟ .

 لم َ أراد الكاتب مثلا ان يجعل بشرا بن ارحمة يخون اباه مثلا ! يقص ال محمود في روايته ان بشرا نفر من اسلوب ابيه وافترق عنه !

فما الذي يمثله بشر بن ارحمة في الرواية ؟ هل هو صورة مستقبل المنطقة مثلا ؟ هل هو صوت العاطفة الساذجة ؟

لا نكاد نرى في بشر بن ارحمة سوى مجموعة من التصرفات التي تتأرجح بين النقائض والفجائية . لقد تصرف بشر كشخص أبله او معتوه سرق سيفا من أبيه القاسي مجازفا بالوقوع تحت طائلة العقاب ثم سلمه بسهولة الى الكابتن سادلر برغم انه يعي ان وعد سادلر بالمكافأة مؤجل وقد لا يكون مضمونا !  أي عربي ذاك الذي يطلب الغنم ويخشى الغرم - كما علمته خبرته الحياتية – يقدم على ما فعله بشر ؟ هذا اذا تجنبنا التفكير بان بشرا مثل اي شخص اخر من اهل المنطقة ينظر الى الانجليز باعتبارهم معتدين وغزاة وطامعين .. لانهم كذلك .

لقد أدرك بشر ان المكافأة بعيدة المنال فقال لسادلر ( سأكون قد مت عندما تصل المكافأة ) قالها مبررا التحاقه بركب لوخ !! وكأنه لن يجد أباه الا عندما يكون مع عدوه ! ولم يسع الابن إلى أبيه الذي أمر بقتله ؟

ادعى الكاتب آل محمود بان بشرا توارى عن القتال عمدا ( كان في اسفل المركب يعتني بشخص مريض )عندما اعترض ارحمة سفينة سادلر فاغتنم السيف منه وذلك لان بشرا لا يقر أباه على ما يفعله أو لأنه لا يرغب في القتال( بينما تذكر مصادر تاريخية ان ارحمة خلّف ابنه على قلعة الدمام ليحرسها وجاء في الويكيبيديا وسواها :

وقام بالأمر من بعده ابنه الشيخ بشر بن ارحمه الذي كان له دور بارز في الأحداث التي جرت على سواحل الخليج العربي في القرن الماضي حتى وفاته في إحدى المعارك.انتهى

كان ارحمة بلا شك مقاتلا شجاعا كما ذكر ( ابن بشر ) في (عنوان المجد في تاريخ نجد ) وقال ما نصه:

" توفي الشجاع المقاتل في البحر ارحمه بن جابر بن عذبي رئيس الجلاهمة من بني عتبة أهل البحرين وأهل الكويت وكان نادرة وقته بأسا وشجاعة" انتهى

لقد حاول الكاتب ال محمود ان يقدم صورة لما كانت عليه الاحوال في المنطقة ولكننا نواجه للأسف زخما من الأحكام الانطباعية عن ارتشاء القادة والموظفين الترك وشره أكثر البدو وطفيليتهم وغدرهم. ويخيم على المكان كله بقراه ومدنه وموانئه الفساد والتخلف والفوضى ويطفح بالمؤامرات والدسائس والخيانة والمفاجآت مما يجعل من السهل ان ننظر الى ارحمة باعتباره شخصا ابن بيئته ؛ منافقا في دينه وخلقه عنيدا دمويا ماديا ، سلابا ، نهابا ، بغيضا،  تحركه دوافع انتقامية شخصية فليس سوى قاطع طريق لا يبتغي الا  والسلب والنهب و ..الانتقام من ال خليفة !

بيد اننا نقرأ في بعض المصادر ان الجلاهمة كلهم وعلى رأسهم شيخهم ارحمة بن جابر قد سلبوا الحق الذي يرونه مشروعا في اشراكهم في حكم البحرين سواء بسواء مع ال خليفة ولم يرضوا بمنحهم بعض الغنائم العينية التافهة لذلك فان طموح ارحمة كان عظيما بل كان اكبر من البحرين ايضا ومن هنا كان تربص البريطانيين به ، لانه كان سيكسر الطوق حتما ويبلغ حجما لا قبل لهم باحتوائه ومغالبته كما فعلوا مع سائر الشيوخ في المنطقة من خلال اتفاقية السلم البحري .

كان الكاتب عبد العزيز ال محمود اقرب الى الاعتدال في تقديم الشخصيات الأخرى مثل ابن عفصان وبروس ولوخ وكل من سلمان شيخ ال خليفة وحسن شيخ القواسم.

لقد جعل الكاتب في روايته ارحمة بن جابر يقوم باعتراض سفينة مسالمة لال خليفة ويقتّل في بحارتها تقتيلا ثم يجابهه قائدها احمد بن سلمان بشجاعة منقطعة النظير فيتسبب ارحمة في مقتله ، بينما يقول ابن بشر في كتابه تاريخ نجد ما نصه : ان ( احمد بن سلمان سار الى سفينة ارحمة فوجده فيها فحصل بينهما قتال شديد ..فاراد الله سبحانه ان سفينة ارحمة يثور جب خانها من البارود الذي فيه فاشتعلت السفينتين واحترقتا )

اما رواية ال محمود فانها لسبب ما تجعل من احمد بن سلمان ال خليفة شهيدا بطلا وتجعل من ابيه ساعيا الى ثأر مشروع من قاتل ولده ارحمة ( بينما كان ارحمة من القسوة واللانسانية بحيث يأمر بالقاء ابنه وشخص اخر رباه في كنفه منذ صغره الى الماء مقيدين ) والرواية مليئة تصدر ضد ارحمة من مقربين له يرجمونه بالقسوة والنفاق والتحجر والأنانية وضيق الافق.

حتى ان رفيقه ابراهيم بن عفيصان يقول له :

-        ماذا تقول لك سنك الكبيرة ؟

فيرد ارحمة :

-        ان السن تقول لي ان استعجل في القتل والثار قبل ان اموت ص128

فيقول له صاحبه الاقرب اليه :

-        ... حتى الاسد لا يهجم على فريسته الا عندما يكون جائعا وانت ملأت قلبك حقدا على اعدائك وحرمت كل من حولك الراحة في سبيل ان يرتاح قلبك برؤية الدماء ! ) ص 129

لقد كان ارحمة في السبعين عندما مات ولكن الاحداث التي ترويها القصة تبدأ قبل موته بـ 17 سنة  أي منذ تجريد الحملة البريطانية لكن الكاتب يروي كل تلك الاحداث وكأنها جرت في سنة واحدة هي  سنة وفاته وقد بلغ السبعين )

اذاً لم يكن ارحمة  من وجهة نظر الكاتب سوى منتقم حقود دموي تستهويه الدماء يقول له صاحبه الآخر الشيخ حسن القاسمي :

-        فانت يا ارحمة لا هدف لك سوى محاربة ال خليفة مع ان هولاء ابناء عمومتك ولست افهم رغبتك في الموت في سبيل تحقيق هدف ليس له معنى لماذا لا تشترك معنا في محاربة اعداء الله من الكافرين المحتلين بلادنا ؟...

ص 322

ثم يقول الشيخ حسن القاسمي لإرحمة  :

– نحن لسنا قراصنة يا ارحمة  نحن مجاهدون ندافع عن ديارنا واهلنا في وجه الغزاة فنحن الذين نعتبرهم قراصنة وقتلة

ص 323

وبعدها يقول له:

-         هذا هو الفرق بيني وبينك .



هكذا يرى الكاتب الشيخ حسن شيخ القواسم

(قد كان زعيما قبليا اضاف عليه تحالفه مع الوهابيين صبغة دينية فاصبح يرى في الكفار والغزاة شرا يجب التخلص منه ..كان كل همه تحفيز الناس وحثهم على المقاومة والجهاد وصد المعتدين قدر الامكان ) ص 121

سنفهم ما يعنيه الكاتب بالصبغة الدينية حين نتابع ما وضعه من حوار متخيل بين الوهابي ابراهيم بن عفيصان والقائد البريطاني لوخ

يقول ابن عفيصان :

-        منذ ان بانت سفنكم في الخليج وانتم تحددون من يحكم ومن يعزل وهذا امر غير مقبول ابدا سياتي يوم تخرجون فيه من هنا

ويرد لوخ موضحا :

ان مصالحنا تتطلب ان نكون على حذر من تركز القوى لدى جهة واحدة واصدقاؤك الوهابيون قد يكتسحون المنطقة برمتها ....

فيرد ابن عفيصان:

-        ولكن يا سيد لوخ ان ما تراه امامك عبارة عن موجات سياسية تتلون بالدين في بداية ظهورها ، عادة ما تبدا الصراعات السياسية بعقائد دينية او عرقية ثم ترجع الى اصلها بمرور الوقت وقد شاهدنا ذلك على مدى التاريخ ) ص 198- 199  

يقينا ان الكاتب عبد العزيز ال محمود هو من يتحدث هنا وليس ابن عفيصان ولا مشاهداته المزعومة على مدى التاريخ فإلى اي شي يرمي الكاتب ؟

لعل ما أجراه عبد العزيز ال محمود  من كلام على لسان ارحمة مخاطبا ابن عفيصان ، يوضح مقصد الكاتب :

- ... ان هذا التدين عبارة عن طبقة رقيقة لو كشطتها لوصلت الى حقيقتك انت تحب المال والنساء والسلطة وهذه الامور يجتمع على حبها الجميع جماعتك الوهابيون والانجليز والفرس وكل البشر دون استثناء اما الدين فهو عبارة عن وسيلة قد يستخدمها البعض للحصول على هذه الاشياء كما يستخدم البعض وسائل اخرى ولكنها كلها لتحقيق الهدف نفسه )

لعل الكاتب يريد ان يقول بان حركة التاريخ تتمحور حول المصالح المادية الضيقة للقوى (مهما تنوعت واختلفت وتباينت ) ولا يجد الكاتب مخرجا سوى ابتداع شخصية البطل النمطية شخصية " مثالية" تحمل غصني السلام والمحبة ضد الفوضى والقتل وتتحدث باسم الانسانية كافة على اختلاف العقائد لذلك يبتدع الكاتب شخصية الكابتن سادلر .

يضع الكاتب فقرة تجري في وعي سادلر :

( ان كل هذه الصفات صفات جميلة سواء حملها مسيحي او مسلم او يهودي او بوذي انها صفات ترفع الانسان الى صفة الملائكة ..الذين يؤمن بهم كل هؤلاء ) ص 400-401

سادلر هو ضابط بريطاني يقوم بمهمة رسمية (تسليم السيف لابراهيم باشا ) حتى ينهيها لكن الكاتب يظهر جانبا انسانيا لسادلر في الثلث الاخير من الرواية عندما يجعله يسير متالما من الدمار الذي احدثه جنود ابراهيم باشا ( بالرغم ان مهمته الرسمية تقتضي طلب تحالف ابراهيم باشا مع بريطانيا لاستئصال شأفة القراصنة العرب ومنهم ارحمة ابو بشر )

 لا تظهر انسانية سادلر عمليا سوى في احتضانه لبشر واحتضانه لخادمه الفارسي مودعا ص 334 وعندما يعترض على مغادرة بشر ويقول للقائد لوخ متمردا :

-        لا لن يغادر فقد اصبح اخي !!

ص 385

كما يعطي الكاتب الخاتمة لسادلر الذي يحضر مكافاة  بشر المالية من رؤسائه (نظير استرداد السيف ونظير مرافقته الى ابراهيم باشا الذي سحق مناطق العرب في الجزيرة وكان بشر على علم بمهمة سادلر وهي طلب تحالفه مع بريطانيا لاستئصال القراصنة ؛ القواسم وارحمة))

يكتب سادلر في مذكراته في خاتمة الرواية قائلا :

( لقد تنقلت في بقاع الارض وعاشرت الكثير من البشر ووجدت كم هم متشابهون في كل شي ....اننا في حقيقتنا مثل البيت الذي طليت كل غرفة بلون مختلف فنحن نشكل بمجملنا البيت وان اختلفت كل غرفة عن غيرها ) ص 401

ما انبل ذلك !! وما اسخفه حقا حينما يصدرعن ضابط انهى مهمة عسكرية في خدمة اكبر قوة استعمارية في الارض !

يغادر سادلر عائدا الى لندن لتاسيس اسرة بينما يتزوج بشر من حبيبته سلوى ويمارس التجارة بعد ان ورث اموال ابيه ( التي نعلم ما مصدرها )

كان الكاتب يستعير وعي الشخصيات ولسانها ليجري عليه كلامه فيبدو الكلام نافرا عن الشخصية واحيانا يكون الموقف كله غير معقول ؛ مثل ان يفضي بروس لإرحمة بن جابر وهما يجلسان في مقهى بالخطة البريطانية في الهجوم على صاحبه ابن عفصان في البحرين !! او يحكي سادلر لبشر بن رحمة بتفاصيل رحلته ومهمته الرسمية وبدا الامر مبتذلا جدا حين شرح القائد لوخ لارحمة سياسة بريطانيا العظمى في ص 359 بل انه قال لارحمة ( لقد قمت باعمال قذرة  ص 372 وكأن بين الاثنين علاقة تستدعي تلك المكاشفة غير المبررة .

والحقيقة ان من يقرا الرواية يجد بان مناخ الدسائس يخيم عليها واجواء الفساد والرشاوي والمتاجرة بكل ممنوع والخيانات والتدمير والقتل والسلب والنهب عند العرب والفرس والاتراك كما يسميهم الكاتب .

لم يحتل القرصان ارحمة بن جابر سوى جزء صغير هامشي من القصة ولم اشعر انني تعرفت عن كثب على ذلك الشخص الأسطوري كما يقول الكاتب نفسه في ثنايا القصة . ان بحارة ارحمة من عرب وعبيد وبلوش وهنود من الماليبار خليط من المنبوذين والمظلومين اجتماعيا والاقليات  

( ذكرت مصادر بان اكثر بحارته من العبيد ) كما ان له مقاتلين عرب على البر من قبيلته ومع ذلك لم يتغلغل الكاتب فيما وراء تلك المعطيات الخصبة والموحية.

حقا ماذا قدم ال محمود من خلال التنميط الهزلي للشخصية البريطانية المتغطرسة والقرصان الدموي والموظفين الفاسدين من ترك وفرس وعرب ولمَ ختمها بتقديم (مثالية) سادلر ونظرته الانسانية المباغتة .

يتنقل ارحمة سريعا كالبرق من الزبارة الى الدمام الى بو شهر وبالرغم من ان السفر قد يستغرق اسابيع الا انه ما ان ينزل اشرعته حتى يرفعها ليبحر في اليوم نفسه وكأن بحارته من الجن وليسوا بشرا !!

والمصادفات دائما تجمعه بالآخرين في عرض البحر فالمصادفة جمعته بسفينة سادلر ( ثم بسفينة ال خليفة وبسفينة لوخ التي راقبته عن بعد وكان متواجدا في راس الخيمة مع بدء الهجوم على الخور وارحمة يكون موجودا في كل مكان يريده الكاتب ولكن وجوده هامشي وبلا معنى في نهاية المطاف)

يتغلب عنصر المفاجاة دائما ! وجود ارحمة مع شيخ القواسم عندما وصلت حملة لوخ كان مستغربا ومصطنعا وقرار لوخ بالقبض على ارحمة كان فجائيا  وهو الذي كان يقول له في اول الصفحة( انه لا يعلم لماذا هو ملتزم بتعهداته معه ) ثم فجاة يقرر خرقها !! والمفاجأة في تحرره سريعا من آسريه وهربه بواسطة رجاله . يتحرك ارحمة كالقرصان الشبح فهو يدخل على ثلاثة قادة بريطانيين في مقرهم في بو شهر كما لو كانت بو شهر تحت طوعه ثم يحبسهم حتى الصباح بوضع حراسه على الباب !!! انظر ص 286

لاحظوا ان لوخ قائد على راس حملة بحرية يقود سفينة حرب بريطانية بيد انه يتورط في الايقاع بصادق لخيانته امير شيراز ( وصادق هو الرجل الذي تآمر معه لاغتيال ارحمة بعد استدراجه الى بو شهر ) ولما نجا ارحمة قام لوخ بالعمل على تصفية صادق عن طريق الوشاية به  بل ان لوخ  يكشف لتاجر بريطاني التقى به توا في بلاط الامير الشيرازي بما جرى من تدبير مكيدة لقتل ارحمة وفشلها !!  

وددت لو ترك الكاتب مساحة اكبر من الابهام او انتهج سبيلا اقل غلوا في تعليل الأحداث بأسباب متعسفة وكأنما ينظر الكاتب الى التاريخ بقدر كبير من  الازدراء حين يراه مسطحا على ذلك النحو،  تغلب عليه روح اعتباطية انتصارا للمصلحة الضيقة بين القوى المتصارعة ثم يختتم بنظرة باهتة ،  لخاطرة يسجلها سادلر المنسحب من فوضى المنطقة الى تأسيس اسرة بلندن !

اعتقد بان ال محمود كتب نصا سينمائيا وصب اهتمامه على المشهدية والاثارة والتشويق منصوبة من خلال عين الكاميرا السينمائية بدون رؤية واضحة ولذلك جاء السرد الادبي في النص مبسطا ومدرسيا وحواريا خادما فحسب .

لقد اجرى الكاتب على لسان ارحمة حديثا مهما:

-        وبعد عودتي غاضبا شعر ال خليفة انني قد اشكل عليهم خطرا فاوعزوا الى رجالهم بمضايقتي ودعني اقل لك يا ابراهيم ان الشيوخ حين يريدون ان يضايقوك فانهم يقتلونك حيا

ويكمل ارحمة ( توقف العتوب عن شراء جيادي وتوقفت سفنهم عن شحنها الى بو شهر ا والى البصرة فبدات افقد اموالي يوما بعد يوم وشعرت بوطاة الدين ) ص 100

ثم يقول ارحمة : ان هذا الانتقام دفعنا الى الارتماء في احضان اناس اخرين فارتموا هم في احضان الانجليز وارتميت انا في حضن اصحابك الوهابيين ص 101

لم يستغل الكاتب للاسف تلك المعطيات والمؤشرات المهمة ولم يتدخل حين وجب التدخل لإضفاء وجهة نظر متزنة و تفسير اكثر عمقا على السيرورة التاريخية لتلك الفترة المضطربة والتي تنبىء عن مخاض قادم

 لم يكن الكاتب برايي محايدا لانه لم يقتصر على وقائع تاريخية ثابتة فهو يضع على لسان ارحمة اقوالا وينسب اليه افكارا ويحكي عنه افعالا معينة

 يلخص الكاتب حياة ارحمة وممارساته وشهرته في دائرة انتقام شخصي اخرق  باختصار يقدم ال محمود ارحمة بن جابر بوصفه براغماتيا دمويا ماديا حتى انه يجعل ابن عفيصان الوهابي يقول له :

-         فالوهابيون ينظرون اليك على انك حليف لهم ..والبعض يراك مجاهدا في سبيل الله .. اما اعداؤك من العرب فيرونك فاسقا لا خير فيك لانك تضرب مصالحهم ومصالح حلفائهم اما انا فاراك صديقا يا ارحمة  ص 102

فلا يعترض ارحمة بل يدعو ابن عفيصان الى ان يتحالف معه قائلا :

-         ما الذي تحصل عليه انت من تحالفك مع الوهابيين ؟ ص 102

ويواصل ارحمة الحديث الى ابن عفيصان :

-         انا لا اطلب منك ان تترك تدينك مع اني لا ارى انك متدين يا ابراهيم بل ان هذا التدين عبارة عن طبقة رقيقة لو كشطتها لوصلت الى حقيقتك انت تحب المال والنساء والسلطة وهذه الامور يجتمع على حبها الجميع جماعتك الوهابيون والانجليز والفرس وكل البشر دون استثناء اما الدين فهو عبارة عن وسيلة قد يستخدمها البعض للحصول على هذه الاشياء كما يستخدم البعض وسائل اخرى ولكنها كلها لتحقيق الهدف نفسه . ص 103



وجعل الكاتب من ارحمة بن جابر شخصا قانطا فهو يكثر من ذكر الموت ويشعر بشيخوخته ودنو اجله ويجعله الكاتب يخلي قلعته في الدمام من كل المقتنيات ويقرر ان يدخل معركة اخيرة مع اعداء شخصيين  يدفع اليه ببحارته كما لو كان يخطط للانتحار ! ويقول ارحمة لبحارته

: .. وليس لبعضنا الا بعض اما ان نصنع حياتنا واما ان يصنعها الاخرون لنا

ص 376

ولكن هذه الكلمات لا تنتمي الى ارحمة الذي عرفناه او عرفنا عليه ال محمود طوال القصة ان هذا القول يعود الى شخصية مستقلة متمردة نافرة نافذة البصيرة متقدمة على عصرها شخصية تطلب ان تتحقق لا .. ان تنتقم 

الخاتمة

ان كل ما سبق يؤهل قصة عادية كرواية القرصان الى ان تترجم او تتحول الى فلم سينمائي برغم الصورة المغبشة (لبطلها ) ارحمة بن جابر  لانها القصة التي تقدم صورة الواقع المسطح ؛ صورة القوة الباطشة المسيطرة للامبرطورية التي لا تغيب عنها الشمس كما تقدم صورا متوازنة بل ومشرفة لأطراف أخرى لم تزل ممتدة ومتواجدة كآل خليفة والقواسم. لقد قدم ال محمود الشيخ سلمان من ال خليفة (عدو ارحمة) بطريقة اكثر اتزانا وانسانية من ارحمة فسلمان سعى الى الثأر من ارحمة قاتل ابنه بينما قام ارحمة بقتل ابنه بشر عندما امر برميه مقيدا في البحر ولا نكاد نعرف شيئا عن حكم سلمان الا انه رجل يهتم بقومه ويشاورهم  (حيث اجتمع بجماعته بعد مقتل ابنه واستمع الى اهل الطائفتين والى الطبيب الانجليزي وكان اجمالا سمحا ومعتدلا) وكذلك كان الشيخ حسن شجاعا ومقاوما للغزاة .

كيف ينظر الكاتب عبد العزيز ال محمود الى العالم ؟  كيف يرى حركة التاريخ ؟ هل هو سلسلة من المؤامرات و السياسة القذرة و الاهواء والمطامع والاسباب الشخصية ؟ هل تتلون القوى بصبغة دينية قشورية ثم تعود الامور الى اصلها المادي : المال والنساء والسلطة ! على حد قول الكاتب ؟

ما صورة الانسان ؟ وما قدراته؟ وكيف تجري الامور؟ والى اين ؟؟

هل الصراع القائم في الارض هو تنازع مفتعل ؟ وهل الحل للصراعات على الأرض هو التآخي والنظرة الإنسانية الساذجة التي يمثلها سادلر في الرواية ( سادلر الذي يطوي صفحته العسكرية ويعود الى انجلترا ليؤسس اسرة ! )

هل كانت هناك ثمة مقاومة عربية للغزاة في الجزيرة والخليج ؟ ومن حمل رايتها من وجهة نظر الكاتب ؟

كيف يرى الكاتب تلك القوى الجديدة ؛ الوهابية والقواسم وحتى القراصنة وماذا عن تلك الزعامات البازغة في الأفق والتي سوف تؤسس بعد رحيل ارحمة إمارات ومشائخ متصالحة ؟ وما هدفها ؟ وما فاعليتها ؟



يكتب ال محمود بلغة باردة وليست محايدة بلغة عادية وليست تصويرية وبتسطيح بالغ يجعل الاطراف تلتقي او تفترق اعتباطا فالقواسم وامراء الدولة السعودية الاولى ( مثل ارحمة او ابن عفيصان) قد يتصاحبون ويتحالفون ولكن لا تجمعهم حقا اهداف مشتركة كما يطرح الكاتب في روايته وعلى السنتهم !  

هل كان ذلك الزمن (مهما) أم كان مبهما ؟ لقد رسمه الكاتب باعتباره  فترة اضطرابات وصراعات وفوضى ولكنه كان ايضا زمن البطولات الفردية العنيدة الطموحة وزمن بروز الزعامات القيادية  . كان زمن الحنكة وادارة العلاقات واللعب على التوازنات واقامة التحالفات القبلية الداخلية والتحالفات الخارجية مع القوى الكبرى . اليس غريبا ان تتصف احدى الشخصيات التاريخية بانها استغلت بحكمة وبراعة توازنات القوى في المنطقة ولعبت عليها بذكاء مثل شخصية المؤسس جاسم بن محمد ال ثاني الذي قيل عنه بانه عاصر (( ازدهار الدبلوماسية البريطانية كإمبراطورية عظمى، وعايش التحولات والصراعات القبلية، وفي خضم تلك التناقضات كان الزعيم المؤسس الذي خاض معارك مع تلك القوى والتغيرات، ووقف أمام التحولات التي قد تضيّع حلمه.... وكان يعد الدولة العثمانية رمزاً لها، وقد تأثر جداً بما آلت إليه هذه الدولة، وحتى عندما خاض حرباً معها بالوكالة وكانت لديه القدرة على التوسع عسكرياً، وكانت لديه الحكمة لتولي شأن شبه الجزيرة بأكملها، لم يكن إلا ليدافع عن عرينه..


فلمَ يُزرى بارحمة ويُحرم حقه – بالمثل - في ان يكون فذا وقائدا وزعيما محنكا و حتى سياسيا داهية بل صاحب " قضية " تخص قبيلته وقومه او غيرها من تلك التبريرات التي تطلق لتعظيم صورة الأشخاص وترقية ادوارهم!

 لقد كان ارحمة حقا متمردا طموحا واعيا لقدراته ، وكل ذلك ينسجم مع طبيعة تلك الفترة المضطربة ومعطياتها من التحالفات والعلاقات المتضاربة وقد التفت قبيلته الجلاهمة حوله وحاربت معه حتى فنيت أعدادها كما جاء في المصادر التاريخية

ان صفحات التاريخ في هذه المنطقة في تلك الفترة التي اختارها الكاتب ال محمود تتمتع بجوانب لم تخل من نصاعة وسطوع وبطولات بيد اننا لم نر لها انعكاسا في القصة – الفيلم المسماة القرصان.


ليست هناك تعليقات: