الاثنين، 1 يونيو 2026

القناع السردي والتوسل بالتهميش : في بانكة والارسالية وختم خزعل

 












القناع السردي والتوسل بالتهميش في الرواية التاريخية: ثلاث روايات قطرية: (بانكة) و(الارسالية) و(ختم خزعل) )

الجزء الاول 


نورة آل سعد


هل يستطيع المهمش الكلام؟ هذا ماسألته سبيفاك وأجابت عنه بلا وقد كان المهمش عند جرامشي هو من لا يملك سلطة سياسية وثقافية داخل الهيمنة الاجتماعية، ولكن سبيفاك أعادت تعريف ما استعارته من غرامشي فلسفيا فكشفت بأنه عندما يتحدث المهمش فإنه يعاد ترميز كلامه فالمعرفة ليست محايدة بل تُنتج داخل أنظمة سلطة بمعنى أن المهمش لا يستطيع الكلام دون أن تعاد ترجمته عبر خطاب السلطة (الاكاديمية والإعلامية والاستعمارية الكولونيالية وحتى داخل الحركات التحررية والجماعات الدينية).

 

أصدر خالد الجابر(الارسالية) وهي رواية تتخذ شكل مذكرات أمريكية قدمت كممرضة /راهبة ضمن حملة تبشيرية الى الخليج ( الى قطر تحديدا)

لم يهرب الجابر من صوت الآخر(المستعمر) بل تنكر بقناعه واندس داخل خطابه نفسه حين لجأ إلى مذكرات الراهبة التبشيرية لكي يجندها لتتحدث عنا بإنصاف فتشيد بقطر وتكتشف بأنه لا ينبغي لها أن تبشر بدينها وأن الناس طيبون ولائقون أخلاقيا ولا يحتاجون أي تبشير. يقول الكاتب على لسان الممرضة/الراهبة:

 " مع استمرار التواصل اتضح لي مدى تمسك العائلة القطرية بدينها لم يكن الدين هنا مجرد شعائر تؤدى بل هو منظومة متكاملة تتداخل فيها السلوكيات اليومية مع الأخلاق وتشكل العادات بل والقوانين غير المكتوبة التي تحكم علاقة الفرد بالمجتمع شعرت بأن هذا التماسك ليس صلبا فحسب بل هو طبيعي مثل الهواء الذي يتنفسه الناس بدا لي أن فكرة التبشير بمعناها المباشر لا تجد موضع قدم لا لأنها مرفوضة صراحة فحسب بل أنها غير ذات معنى في سياق مكتف بهويته الروحية لم يكن الأمر صداما بين عقائد بل هو اختلاف في البنية العميقة للإيمان لذا تبلورت القناعة شيئا فشيئا بأن نركز على الخدمة الطبية بوصفها جوهر وجودنا لا وسيلة لغاية أخرى " الارسالية ص 160

لا يطلب خالد الجابر حق الكلام بل ينتحل ببساطة صوت ماري الكولونيالي المسموع ويوهمنا بأنها قمينة بأن تدافع عنه وتنصفه فيلجأ الى محو صوتها ما دام الخطاب المهيمن ينطوي على محو صوته الأصلي.

ومنذ البدء يتصرف الجابر باعتباره (المهمش/التابع) إما انطلاقا من ان ماري أصبحت تمثله وتتحدث نيابة عن المحلي المهمش باعتبارها تمثل المركزية الأوروبية (التنويرية) وإما انطلاقا من تصوير (الآخر) داخل خطاب معرفي منصف ومتعاطف، ولكن بشكل منبري وزائف وهذا الامر في الحالتين يكشف عن ارتباك معرفي لدى الكاتب فقد أصبح -حينئذ- "موضوعاً" يعاد إنتاجه في خطاب ماري وليس "ذاتاً" تنتج معرفتها الخاصة عن نفسها وعن العالم كما تراه (أو كما تتوهمه )

 وهذا ما تسميه سبيفاك (العنف الإبستمولوجي) حيث يظهر المهمش داخل خطاب المستعمر ويخضع لشروط إنتاج الحقيقة التي يقررها المستعمر (الآخر) فيتعرض أكثر فأكثر للمحو وأكثر فأكثر للتهميش

ليس المهمش/التابع بحسب سبيفاك سوى موقع بنيوي متعدد ومتنوع داخل النسيج السوسيولوجي في المجتمع فقد يكون (نساء، رقيقا، عمالا، جماعات بلا أرشيف، موصومين لاي سبب) أي كل تلك الذوات التي لا تملك قدرة للوصول إلى آليات إنتاج الحقيقة (حقيقتها الخاصة).

اعتقد بانه من الخطل محاولة التحدث نيابة عن المهمش لان ذلك يضيف طبقة جديدة من الاقصاء ويوقع الكاتب فيما تسميه سبيفاك مأزق تمثيل المهمش ، فهو اذا ليس سوى تمثيل مزدوج .

ينبغي أن تتجه "الكتابة" الى تفكيك تلك البنى المعرفية المهيمنة التي تمنع ظهور ذوات المهمشين والتي تؤدي الى اسكاتها بدلا من تمكينها وتعيد تشكيلها مرة بعد مرة فالمهمش- في تعريفنا هنا كما أسلفنا - هو كل من يستبعد من شروط الإعتراف معرفيا.

وتتناول رواية (بانكة) لرائد إبراهيم قصة هجرة حسن إسماعيل الإيراني إلى قطر للاستقرار ولكي ينشئ إمبراطورية تجارية كبيرة ويتركها لأبنائه وأحفاده إرثا وعلامة نصر ويعطينا الكاتب رائد ابراهيم كل التنميط التقليدي المتعارف عليه لصورة الفارسي وصرامة طبعه وعلاقته بعائلته وحرصه على الانضباط ورغبته في تكديس الرأسمال وحبه للتجارة والمتع الرخيصة (القدو).

 ويطرح الكاتب ما يعتقد بأنه عقدة الرواية وقد تكون مغالطة الرواية في وصف السارد للجد حسن بأنه " رجل أراد أن ينتمي إلى جماعة ترى فيه دخيلا وضيفا غريبا فأخذ على نفسه عهدا أن يبقى فترضخ الجماعة له ولا سبيل لقهرها إلا بمال لا قبل لهم به أو أن يفنى ويعود من حيث أتى" بانكة ص 88

ويقول الجد حسن نفسه :

" شيدتُ كل هذا بنيتُ كل هذا وأنت تعلم ذلك تمام العلم كم قاسيت كي ينجو من هذه النظرة ومن هذا الإشفاق لا طمعا في إحسانهم بل لأقف ويقف هؤلاء" أشار إلينا "مقام الند منهم ويكونوا سواسية فإن تبجحوا بالعرق والدم قابلهم هؤلاء بالمال والجاه" بانكة ص 204

قبل ان نسأل هل استطاع رائد ابراهيم في رواية( بانكة) أن يوجد صوتاً للمهمش يجب ان نسال: ما منظوره للتهميش ؟


 

 

الجزء الآخر من الورقة النقدية

القناع السردي والتوسل بالتهميش في الرواية التاريخية: ثلاث روايات قطرية: (بانكة) و(الارسالية) و(ختم خزعل) )

 

حتى منتصف الرواية لم تزل ماري على ظهر الباخرة بعد توقف قصير في كازابلانكا، ولم تصل بعد إلى بلاد العرب وكان السرد مشهديا والشخصيات اعتباطية نمطية مسطحة ( إليانور مغنية الأوبرا العجوز ، رضا زاده الرياضي الفارسي ، كاظم علي المتلصص، رقية من كازابلانكا ،والحاخام اليعازر وزمرته ، القبطان اللعوب والراهبة الطائشة بيلا ذات الأصل المكسيكي) وكانت الحوادث (نتفلكسية) ( فيها تحرش وملاحقة واختفاء راكب ثم انتحار فيه شبهة جريمة قتل ثم هروب القس جيمس عند بلوغ البصرة وكذلك وصول ماري لمرفأ قطر دون ان تجد من ينتظرها فيدعوها إبراهيم القطري الى بيت اهله حيث تبات ليلة وتصحو على صراخ فتنقذ أمه التي غصت بتمرة تخيلوا أميركية تنقذ قطرية من تمرة !!)

وتبدو ماري كأنها سائحة غربية في مسلسل بوليسي لأجاثا كريستي في مسلكها في الباخرة ووصولها إلى الموانئ المتتابعة وتجوالها في مراكش والبصرة ثم قطر ولاسيما علاقة الولع بينها وبين سعد القناص !

 كتب خالد الجابر مذكرات الراهبة بأسلوب السرد الانشائي التالي :

" غادرت أنا وبيلا كازابلانكا بعد أيام معدودات وقد فٌتحت في ذهني نافذة واسعة على بلاد العرب.... كانت الشوارع فقيرة من الخضرة والسيارات الحديثة نادرة بينما ساد المشي واستخدام الدواب حيث استأجرنا عربة لصاحبها الذي كان يدلنا على الطريق كأنه يسرد قصة.... تأملت أنا وبيلا المعمار الإسلامي وكلمات الخط المتعرج على بوابات المساجد التي بدت كأنها صلوات.... كانت وجبة الكسكس في مطعم السلوى علامة متميزة طعام بسيط وقوي كأهل المكان. تقدمه خديجة عمارة امرأة سوداء بملامح صارمة وتشوهات بالساقين.... وحين غادرنا كشف لنا الأب جيمس بصوت خفي يخشى سماعه عن الحقيقة المرة لم تكن خديجة مجرد عاملة، بل كانت ضحية لجلبها من النيجر جارية ضمن منظومة الرقيق...  تملكني سخط عارم، هذا العالم الذي يساوم على الحرية بالكرامة كأن النجاة لا تمنح للإنسان إلا بعد سداد جزء من جسده.... قبل المغادرة عدت إلى خديجة وأهديتها عقدا من خرز ملون.... في مساء ذاك ذلك اليوم زرت أنا ورفاقي مشفى المواساة مكان مرتب يضم طبيبين فرنسيين وراهبات عدة..... لاحظت أن الراهبة تداري فكها الأعلى المتورم فاعترفت الأخيرة بتوتر ان حارس ماخور ضربها بعد ما حدثته عن التعاليم السماوية.... خرجت الكلمات من الطبيب صفعة مفاجئة على وجه فكرة بريئة تسكن رأسي أن الشر مرتبط بالمكان.... أثناء العودة من المشفى إلى السفينة التي ستبحر غدا التقينا بالقبطان جورج بملابسه غير الرسمية.....  غادرنا كازابلانكا وبعد ثلاثة أيام في عرض البحر داهمتني الحمى لم تكن إنفلونزا خبرتها من قبل بل شيء أثقل يدخل الجسد ضيفا سيئا يفرض سطوته" الارسالية ص 53-57

 

 

 اختار خالد الجابر راهبة أمريكية ولكنه طمس صوتها الغربي وجعلها تفكر مثل العرب وجعل أباها عطارا في أمريكا يبيع البهارات!! وحول القس الأب جيمس إلى متحرش ثم اتضح انه رجل استخبارات متنكر وجعل الراهبة بيلا ذات الأصل المكسيكي تتصرف برعونة وطيش وجعل ماري حكيمة تارة وساذجة تارة أخرى وزج بالعديد من الشخصيات النمطية السطحية ومال الى المشهدية السينمائية والتسلسل الزمني الرتيب الممتد الكرونولوجي ووصف المدن بطريقة سطحية(كزابلانكا المنامة البصرة والبدع) وأصبحت الراهبة /الممرضة تتحدث كأنها خبيرة ومطلعة على احوال البصرة والكويت وقطر! وكان ثمة مبالغة في تصوير موقف الموضوعية لدى المبشرة الشابة التي تكتب بأسلوب مشبع بالتقريرية المعهودة في الصحافة العربية على وجه الخصوص

 وهناك مبالغات جمة منها أن القطريين يتحدثون بالإنجليزية بطلاقة (إبراهيم وأخوه سعد) ولم تجد ماري صعوبة تذكر في التفاهم مع الباعة ومع الأطفال والنساء الذين كانوا يترددون على المستشفى في قطر

وتعلمت ماري الحديث بالعربية بطلاقة خلال شهر ونيف اثناء اقامتها في البصرة وصوّر الجابر الراهبة الممرضة بكل التسامح والإنسانية والصلاح المسيحي الذي لا تشوبه شائبة وذكر صورة جميلة للمبشر زويمر راعي المدارس والمكتبات فكان سردا حديا إما أبيض أو أسود  وكانت ماري حكيمة حينا وساذجة حينا آخر ثم أقحم في اخر الصفحات علاقة إعجاب  وولع بينها وبين القطري سعد القناص وسرعان ما تم قمع الرغبة عندما تلقت ماري خبرا بمرض والدها فعادت فورا إلى أمريكا.

لا اظن ان خالد الجابر حاول أن يقلب المعادلة وأرادنا أن نقيم محاكمة للمبشرين لأنه لم يفعل سوى إنتاج نسخة استشراقية مقلدة سيئة لما يراه الغرب فينا من خلال راهبة/ممرضة تأتي بغرض التبشير ولكنها تعدل عن نيتها وتنظر إلينا بتعاطف شديد وكأنما باعتذار أو تعويض أو إعادة اعتبار حيث يخلق الكاتب علاقة ندية مزعومة بين سعد وماري وهي مجرد إفتتان عارض بين امراة ورجل.