الاثنين، 1 يونيو 2026

 

 

الجزء الآخر من الورقة النقدية

القناع السردي والتوسل بالتهميش في الرواية التاريخية: ثلاث روايات قطرية: (بانكة) و(الارسالية) و(ختم خزعل) )

 

حتى منتصف الرواية لم تزل ماري على ظهر الباخرة بعد توقف قصير في كازابلانكا، ولم تصل بعد إلى بلاد العرب وكان السرد مشهديا والشخصيات اعتباطية نمطية مسطحة ( إليانور مغنية الأوبرا العجوز ، رضا زاده الرياضي الفارسي ، كاظم علي المتلصص، رقية من كازابلانكا ،والحاخام اليعازر وزمرته ، القبطان اللعوب والراهبة الطائشة بيلا ذات الأصل المكسيكي) وكانت الحوادث (نتفلكسية) ( فيها تحرش وملاحقة واختفاء راكب ثم انتحار فيه شبهة جريمة قتل ثم هروب القس جيمس عند بلوغ البصرة وكذلك وصول ماري لمرفأ قطر دون ان تجد من ينتظرها فيدعوها إبراهيم القطري الى بيت اهله حيث تبات ليلة وتصحو على صراخ فتنقذ أمه التي غصت بتمرة تخيلوا أميركية تنقذ قطرية من تمرة !!)

وتبدو ماري كأنها سائحة غربية في مسلسل بوليسي لأجاثا كريستي في مسلكها في الباخرة ووصولها إلى الموانئ المتتابعة وتجوالها في مراكش والبصرة ثم قطر ولاسيما علاقة الولع بينها وبين سعد القناص !

 كتب خالد الجابر مذكرات الراهبة بأسلوب السرد الانشائي التالي :

" غادرت أنا وبيلا كازابلانكا بعد أيام معدودات وقد فٌتحت في ذهني نافذة واسعة على بلاد العرب.... كانت الشوارع فقيرة من الخضرة والسيارات الحديثة نادرة بينما ساد المشي واستخدام الدواب حيث استأجرنا عربة لصاحبها الذي كان يدلنا على الطريق كأنه يسرد قصة.... تأملت أنا وبيلا المعمار الإسلامي وكلمات الخط المتعرج على بوابات المساجد التي بدت كأنها صلوات.... كانت وجبة الكسكس في مطعم السلوى علامة متميزة طعام بسيط وقوي كأهل المكان. تقدمه خديجة عمارة امرأة سوداء بملامح صارمة وتشوهات بالساقين.... وحين غادرنا كشف لنا الأب جيمس بصوت خفي يخشى سماعه عن الحقيقة المرة لم تكن خديجة مجرد عاملة، بل كانت ضحية لجلبها من النيجر جارية ضمن منظومة الرقيق...  تملكني سخط عارم، هذا العالم الذي يساوم على الحرية بالكرامة كأن النجاة لا تمنح للإنسان إلا بعد سداد جزء من جسده.... قبل المغادرة عدت إلى خديجة وأهديتها عقدا من خرز ملون.... في مساء ذاك ذلك اليوم زرت أنا ورفاقي مشفى المواساة مكان مرتب يضم طبيبين فرنسيين وراهبات عدة..... لاحظت أن الراهبة تداري فكها الأعلى المتورم فاعترفت الأخيرة بتوتر ان حارس ماخور ضربها بعد ما حدثته عن التعاليم السماوية.... خرجت الكلمات من الطبيب صفعة مفاجئة على وجه فكرة بريئة تسكن رأسي أن الشر مرتبط بالمكان.... أثناء العودة من المشفى إلى السفينة التي ستبحر غدا التقينا بالقبطان جورج بملابسه غير الرسمية.....  غادرنا كازابلانكا وبعد ثلاثة أيام في عرض البحر داهمتني الحمى لم تكن إنفلونزا خبرتها من قبل بل شيء أثقل يدخل الجسد ضيفا سيئا يفرض سطوته" الارسالية ص 53-57

 

 

 اختار خالد الجابر راهبة أمريكية ولكنه طمس صوتها الغربي وجعلها تفكر مثل العرب وجعل أباها عطارا في أمريكا يبيع البهارات!! وحول القس الأب جيمس إلى متحرش ثم اتضح انه رجل استخبارات متنكر وجعل الراهبة بيلا ذات الأصل المكسيكي تتصرف برعونة وطيش وجعل ماري حكيمة تارة وساذجة تارة أخرى وزج بالعديد من الشخصيات النمطية السطحية ومال الى المشهدية السينمائية والتسلسل الزمني الرتيب الممتد الكرونولوجي ووصف المدن بطريقة سطحية(كزابلانكا المنامة البصرة والبدع) وأصبحت الراهبة /الممرضة تتحدث كأنها خبيرة ومطلعة على احوال البصرة والكويت وقطر! وكان ثمة مبالغة في تصوير موقف الموضوعية لدى المبشرة الشابة التي تكتب بأسلوب مشبع بالتقريرية المعهودة في الصحافة العربية على وجه الخصوص

 وهناك مبالغات جمة منها أن القطريين يتحدثون بالإنجليزية بطلاقة (إبراهيم وأخوه سعد) ولم تجد ماري صعوبة تذكر في التفاهم مع الباعة ومع الأطفال والنساء الذين كانوا يترددون على المستشفى في قطر

وتعلمت ماري الحديث بالعربية بطلاقة خلال شهر ونيف اثناء اقامتها في البصرة وصوّر الجابر الراهبة الممرضة بكل التسامح والإنسانية والصلاح المسيحي الذي لا تشوبه شائبة وذكر صورة جميلة للمبشر زويمر راعي المدارس والمكتبات فكان سردا حديا إما أبيض أو أسود  وكانت ماري حكيمة حينا وساذجة حينا آخر ثم أقحم في اخر الصفحات علاقة إعجاب  وولع بينها وبين القطري سعد القناص وسرعان ما تم قمع الرغبة عندما تلقت ماري خبرا بمرض والدها فعادت فورا إلى أمريكا.

لا اظن ان خالد الجابر حاول أن يقلب المعادلة وأرادنا أن نقيم محاكمة للمبشرين لأنه لم يفعل سوى إنتاج نسخة استشراقية مقلدة سيئة لما يراه الغرب فينا من خلال راهبة/ممرضة تأتي بغرض التبشير ولكنها تعدل عن نيتها وتنظر إلينا بتعاطف شديد وكأنما باعتذار أو تعويض أو إعادة اعتبار حيث يخلق الكاتب علاقة ندية مزعومة بين سعد وماري وهي مجرد إفتتان عارض بين امراة ورجل.

 

 

أصدرت هدى النعيمي عدة مجموعات قصصية متفاوتة المستوى ثم اتجهت الى الرواية ذات المظهر التاريخي ، ففي المحاولة الأولى جاءت على ذكر ثورة ظفار كخلفية باهتة لقصة زعفرانة وفي محاولتها الثانية في (ختم خزعل) استغلت شخصية القائد خزعل زعيم عرب الاحواز  لكي تنشئ سردية حواديت متناسلة حول عائلة عزيز الاحوازي وأدخلتنا الكاتبة دهاليز حكايات مفتتة لا تعني شيئا لأي قارئ سوى أنها تحاول ظاهريا استعادة التوقيع القومي لقضية عرب الأحواز دون أن نستبين أي ملامح لتلك القضية ودون أن نسترشد بأي شيء يخصها فالتفاصيل متكثرة  من زواجات ورحيل وغياب وقسوة حياة ، وقسوة معاملة ، وظلم اجتماعي يطبع الحياة في القرن التاسع عشر .

وتتبع الكاتبة أسلوبا سرديا يتراوح بين روايات أمريكا اللاتينية في القرن العشرين (الغرائبية والفانتازيا) وبين الشعرية التي تستثير تعاطف القراء بسبب تلك التقلبات بين القسوة الظاهرية والعاطفة الداخلية وكذلك استغلال صورة البطل الزعيم الذي يجسد أمة! تسقط بسقوطه .

 

في رواية (بانكة) لا نقع على تصور الجد حسن للأرض التي هاجر إليها غير أنها جنة العسل والسمن ، وغير نظرته المحتقنة الانتقامية لكل من عليها يقول الجد حسن :

 " أريد ألا نُزدرى وإن كان المال سيسلب هؤلاء ما يتكبرون به على ذريتي فخير ما أقوم به أن أجمع لهم ما يتعالون به على هؤلاء سأحثو من المال ما تكوم بروجا يطل من شواهقها ذريتي على من تعالى ذات يوم عليهم أقسم بالله لأن مكنني الله من هذا ومد في عمري لافعلنه لو كلفني الامر كل شيء" بانكة ص 112

كل الشخصيات في رواية (بانكة) شخصيات أحادية ومنمطة بتصنيف ولون واحد . يُسقط السارد الراوي(وهو حفيد الشخصية الرئيسية ) كل مشاعره ومنظوره المرتبك على شخصية الجد. ليست شخصية الراوي حيادية ولكنها ليست فاعلة، بل يصد أخته عائشة التي تحرضه على التدخل ويبقى متفرجا وعاجزا مختبئا وراء مسمى (الكتابة) بالرغم انه لا يحمل وعي الكاتب !

 

 

ختاما

في سعينا إلى استخلاص البنى المشتركة نصل إلى تعميم استقرائي نسبي في الروايات الثلاث تحدده المفاعيل الثلاثة: الخط الزمني والشخصية الساردة والثيمة الرئيسية.

بدايةً، يضع كل الكتاب عينهم على القارئ لكي يقوموا بإرضائه، ذلك القارئ المنتمي إلى تراث بعينه ، قارئ يتودد اليه الكاتب متملقا ومسترضيا و يتماهى مع السياق العام وكأن ذلك مطلبا رئيسيا للكتابة الروائية .

 

في معظم الروايات القطرية التي عالجتها في كتابي (الثالوث في الرواية القطرية) كان القطري يؤرخ لنفسه دائما انطلاقا من النهايات لا سيما في روايات الكاتبات القطريات ولا تخرج هذه الروايات الثلاث (ختم خزعل) و (الإرسالية) و (بانكة) عن الإطار ذاته فهي كذلك تتخذ ضرباً من النهايات فهي تطرح نفسها باعتبارها روايات تاريخية ( أي تأتي من الزمن الذي انقضى) وتتفق في انها إعادة إنتاج الماضي بالرغم من أن الماضي لم يزل معاشا ممارسا بقضه وقضيضه، وبالرغم من أن الماضي دائما يلاحق الكاتب من أصوات خارجة عن ذاته.

اننا نستشعر المرارة والضغينة ورغبة الانتقام في (بانكة) ونستشعر المرارة والاستبعاد والتهميش في كل من (الإرسالية) و(ختم خزعل)

ثمة غموض يخيم على مصطلح الكتابة وشكل الأدب وصورة الكاتب والمراد من الكتابة فهل هي محض تخبط ؟ هل هي تنفيس ؟ هل هناك ( أنا) تعي ذاتها وما يجري حولها أم لا يوجد سواء اكليشيهات وأقنعة ولغوا من الكلام

 

اعتقد بأن من الإشكاليات الجوهرية التي تواجه الكتابة عموما أمام الكاتب هي النجاح في خلق (الأنا) المناسبة لكي يفلح الكاتب في تفكيك كل تلك الأجهزة الرمزية التي تحاصره من تفسيرات وايديولوجيا وفنون وتقاليد ادبية لكي يخلق قوة تنمي فيه المناعة ضد جميع أوهامه ولكي ينتقل الأنا الشرقي من معارك الجماعة إلى معارك المناعة

لن يستطيع الأنا أن يتحرر إلا بمقدار ما يجرؤ على أن يعيش حياته بالشكل الذي اختاره وليس الذي ورثه .

الآباء في الرواية القطرية

في كل من روايتي (ختم خزعل) و (بانكة) تختفي اشكال التعالي وراء الاستعارات النحوية تلك الاشكال التي تتجلى في اعتبارات اخلاقية ( صورة الجد حسن ) واعتبارات سياسية (في شخص القائد خزعل ) وتنهار فاعلية السارد برغم هيمنته اللغوية على بنية السرد فهي هيمنة تسلط تقدم منظورا متهافتا ومضطربا وفي (بانكة) على وجه الخصوص يكون السارد - حفيد الجد- كاتبا بيد انه لا يملك وعيا حقيقيا لما يجري ويقف عاجزا ولكنه غير محايد لانه قد تقمص الجد .

يحتاج الكاتب الشرقي الانفكاك من الآباء بينما يتشبث السارد في (بانكة)  بصورة الجد حسن وترسم هدى النعيمي صورة الزعيم الابوي في القائد خزعل وحتى في (الإرسالية) يُسقط خالد الجابر على الراهبة الأمريكية تفكيره الأبوي ومنظوره ورؤيته بالرغم من أنها مذكرات امراة غربية !!

ويعلن رائد ابراهيم بأن روايته تطرح سؤال الهوية ! ولكن قبل خوض غمار  السؤال الهووي من أنا؟ قمين بالكاتب أن يسأل اولا : أين أنا و ما هذا الذي أنا فيه ؟

 

 

 

 

 

أزمة قناع السرد

في الروايات الثلاث ثمة فجوة كبيرة، بسبب الادعاء النظري بين ما تروج له التغطيات الصحفية وبين التطبيق الواقع التطبيقي للنص وهو ما يمكن تسميته بأزمة قناع السرد وهي هيمنة صوت المؤلف المونولوجي حيث أن صوت الكاتب في كل الروايات يطغى على السارد المفترض

وفي (ختم خزعل) يتضح ذلك في أحادية اللغة والأسلوب بالرغم من توزيع الفصول على أسماء شخصيات مختلفة إلا أنها تسقط في فخ أحادية الصوت حيث تستخدم الشخصيات نفس القاموس اللغوي سواء أكانت رجلا أم امرأة ،من جيل الأجداد أم الشباب، وبنفس اللغة المكثفة والسرد الشعري الذي يخص الكاتبة هدى النعيمي فلا نشعر بأية فروق في وعي الشخصيات من خلال مفرداتها فالجميع يفكر ويعبر بنفس الطريقة النخبوية الفارغة مما يجعلها مجرد أقنعة تمر من خلفها صوت الكاتبة ويتشظى السرد وليس ذلك تعددا في المنظور (مثل تعددها مثلا في رواية ميرامار لنجيب محفوظ أو الصخب والعنف لدى فوكنر) أما في (ختم خزعل) فان الحدث لا يعاد تقييمه من زوايا مختلفة بل يعاد نسخه وتكراره والامعان في تفتيت تفاصيل حياة الأشخاص في عائلة عزيز الاحوازي وبعثرة الزمن وتشظي الحكايات وعندما ينتقل السرد من شخصية لأخرى لا يشكل تكملة أو سدا لثغرات من وجهة نظر أخرى بل تكرار لذاكرة مشتتة فلا يوجد سوى صوت واحد له نفس النظرة الفجائعية على الماضي.

لم تقدم الروايات الثلاث اذا منظورا مختلفا ولا متعددا للتاريخ أو الواقع الاجتماعي المسقط عليه ولا توصيفا او تجسيدا للحالة النفسية العامة كما أن المكان كان قناعا أيضا ، فقطر ليست قطر بالذات والأحواز ليست هي الأحواز تحديدا وأما الثيمة الرئيسة فقد جاءت ضبابية وبكائية على لبن مسكوب !

ثمة مشاعر نفسية كسيرة في الروايات الثلاث أكثر منها "فكرة" أو "تجربة" أو "قراءة" لحالة تاريخية فليست الإرسالية تجربة راهبة مبشرة وليست بانكة رؤية مجتمعية وليست ختم خزعل قراءة تاريخية كما إنها لم تقدم "حقائق ثابتة" فضلا عن انه ادعاء باطل فليس ثمة ما يطلق عليه في التاريخ حقائق ثابتة .

 

الكتابة القطرية

ان الكتابة القطرية ، بشكل عام ، هي "النهاية" لفترة كمون وانتظار للتعبير ولكنها ليست "بداية" جذرية لأي إبداع محتمل ! فهي تعبير متعثر ومريع وليس لها اي رؤية وكلها كليشيهات ومضامين جاهزة ولم تأت الكتابة القطرية لكي تغير شكل العلاقة مع واقعها (لأنها ليست واعية بعد بذلك الواقع ولا تتوجه نحوه وليس لديها أي رغبة في التمرد عليه ولا تغييره ولا حتى الاحتجاج) بل هي كتابة لا تكاد تتلمس الطريق الى اكتشاف ذاتها

 تنطلق الروايات القطرية بهدف الصراخ يصيح الكاتب برغم تنكره بقناع السارد " أنا هنا " ولكنه لا يقول أبعد من ذلك .

وتنطلق الكتابة القطرية من داخل الجهاز الهووي ولا تنقلب عليه مدفوعة بمصلحة خاصة نفسية وفئوية وسرعان ما تعلن الانضواء تحت ذلك الجهاز وتحتمي به لإنها غير قادرة على تصور أو تخيل ما بعد ذلك،  لذلك عندما تنفلت من الزمكان الافتراضي فانها تلجأ إلى الماضي كأنما تعلن عدم قدرتها على طرح تصورها الما بعدي وغالبا ما ترى الرواية القطرية المستقبل بصورة كارثية ومخيفة ( انظر الثالوث في الرواية القطرية)

 

لم تقدم الروايات الثلاث ما يعيننا على الوصول أو الحصول على أي ضرب من المساعدة لإنتاج أسئلة حول ما تم تناوله وسرده، فلا نعرف ماهي وجهة نظر الجابر عن واقعة الإرساليات ولا نستطيع القبض على طرح النعيمي عن قضية عرب الأحواز ولم يملك رائد تصورا عن نشأة العائلات الراسمالية التجارية قبيل ظهور دولة الاستقلال  !

ثمة إبهام مطلق حول الهوية والتاريخ وحقيقة التهميش، وجملة ارتباكات حول الشخصية الساردة وموقفها من العالم ولم نحصل إلا على تأطير الهوية بوصفها شكلا نسقيا مغلقا لتصور شعب عن نفسه.

ولكننا نجد في الروايات الثلاث خطاطة تاريخية حيث الكاتب الذي يفكر تفكيرًا ما بعد تاريخي . فهو كاتب لا يكتب رواية تدور داخل التاريخ بوصفه حركة لها اتجاه أو غاية، بل يكتب من داخل "حالة" فقد فيها التاريخ مركزه واندفاعه ومعناه و لذلك يتغير تبعا لذلك شكل الرواية، ونموذج البطل، وخطية الزمن، وتعريف الحدث.

فاذا كانت الرواية كلاسيكيا تقوم على حركة شخصية تبدأ من نقطة ثم تمر بتحولات وتنتهي إلى مصير أو تتفتح على وعي جديد فهناك زمن يتقدم بسببية ومعنى وينتهي الى مصير .

أما في الكتابة ما بعد التاريخية فالحاضر يظهر ثابتا بوصفه الهنا والان  فلا يكون السؤال (إلى أين تتجه الشخصية؟) بل يستغرق الكاتب / الكاتبة في  (كيف تعيش داخل تدفق الزمن؟) !

وفي الروايات الثلاث لم تعد الرواية تسير نحو شيء بل تسبح الشخصيات داخل شبكة من الوقائع اليومية والإشارات والذكريات واطلاق الاحكام والاكليشيهات ولكن لا شي يحدث ولا تتقدم القصة وهنا تظهر الروايات مليئة بالحركة والشخصيات الثانوية والتفاصيل لكنها فاقدة للاتجاه.

 

وبالرغم من الادعاء بوجود نموذج بطولي ممثلا في القائد خزعل وفي الجد حسن الا انه لا يوجد حقا بطل تاريخي ولا شخصية حاسمة

ففي حين يتوجب على (البطل) ان يرفع مشروعا في الرواية التاريخية مثل تغيير مجتمع او الانحياز الى قيم او تحقيق نصر شخصي او حتى اكتشاف ذاته بينما في الروايات الثلاث لا نجد سوى الشخصية ما بعد التاريخية تلك التي لا تؤمن بالمشاريع الكبيرة فهي مرهقة ومتفرجة ومنظرة وتجتر الاكليشيهات ولا تقرر شيئا.

وفي (بانكة) لرائد إبراهيم تهيمن على جميع الشخصيات نفسية الفرد المعطوب المكسور الحانق ويمثل صوت الكاتب نفسه .

ان السارد هو الشخصية الرئيسة الفعلية في الروايات وهو السارد الكاتب المتخفي ولكنه ليس بطلاً تراجيديا ولا( أنا) ذات فاعلية بل "ذات عائمة"  تحاول فقط أن تحافظ على توازنها النفسي في مشهد شاسع سائل يحول التاريخ الى محتوى أرشيفي غير مترابط، وهذا ينعكس مباشرة على السرد فيغدو عبارة عن ذكريات (او مذكرات) او تفاصيل متفرقة واستدعاءات واجترار حوارات ومشاهد متعاقبة وحواديت اذ لا يشكل الماضي أصلًا تأسيسا للهوية، بل محض مادة يعاد استهلاكها وهذا ما حدث حين استعمل الكاتب أو استحضر شخصية تاريخية مثل القائد خزعل او شخصية افتراضية مثل راهبة تبشيرية او شخصية تمثل جذورا حية جينولوجية للسارد كالجد حسن  .

كيف عولج اشكال التهميش لدى الكتاب الثلاثة ؟

لجأ الجابر الى الالتفاف حول الامر دون مواجهته فزيف (الاخر) وجعله منصفاً ومتعاطفا مع المهمش التابع ويكاد يكون معتذرا

ولم تقدم  هدى النعيمي سوى بكاء على الاطلال لقضية عرب الاحواز

ولم نتبين وجهات نظر ولا خارطة تاريخية للحقوق او المقاومة  

واغرق رائد إبراهيم الجد حسن في مشاعر الضغينة والانكسار وروح الانتقام بالرغم من ادعائه ان الاخرية كانت متبادلة ، وكل طرف كان الاخر لخصمه في صراع التناطح !

 

شكّل التهميش أفقاً لكتابة التاريخ المتخيل في الروايات الثلاث وانقلب نحو جلد الذات وتأبيد انكسارها في (بانكة ) وجرى التوسل بالتهميش لاستدرار الاهتمام والتعاطف في (ختم خزعل ) و (الارسالية ) فالتهميش بالرغم من انه شعور طاغ إلا انه لا يتحول تلقائيا إلى فكرة ! ويبقى مجرد خلفية أنطولوجية توجه استعارات الكتابة وفضاء السرد اللغوي دون ان تتجسد في بنية روائية فكرية.

كل اوهامنا وانفعالاتنا وضلالاتنا وتشريعاتنا ومؤسساتنا وخيباتنا وعقولنا ونماذج الشخصيات ودلالات الكلمات ومعاني الحياة التي نتكلمها او نصمت عنها ، هي داخل تركيبات لغوية وقواعد وأنظمة اللغة ، فاللغة هي اكبر جهاز تأسيس للمعنى في عالمنا ونحن مطالبون باعادة النظر في الأجهزة المعيارية واعادة وصف انفسنا من الداخل بالتفتيش في اللغة ذاتها.

لم يبدأ الكاتب / الكاتبة بعد في طرح الأسئلة المناسبة حول موقعه فمتى تجرأ على الشعور بأنه مساو للكون، وتجرأ على طرح حريته باعتبارها مشكلا مدنيا فسوف يرى كما يقول فتحي المسكيني بأن( الهوية ليست عائقا أخلاقيا بحد ذاتها بل هي إطار لتطوير إمكانيات ذاتية وتحويلها إلى جهاز انتماء بلا توقيع خاص - طائفي او اثني او أيديولوجي- واستعماله كوسيلة لأنفسنا العمومية في أفق لا نسيطر عليه...) الكوجيتو المجروح

 

 

ليست هناك تعليقات: